وسطيـة الإســلام

 

لعل أبرز ما يتبادر إلى ذهن الجميع، وهو حقيقة مرّة لا شك، أن المسلمين يعيشون اليوم واقعاً يواجهون فيه تحديات كثيرة تحد من طاقاتهم وإمكاناتهم، وتبث فيهم نزاعا عميقا يعتمل في نفوسهم ويمزق ذواتهم، ويزعج سلوكهم مع الآخر المتفوق عليهم والمتحكم فيهم. وهي راجعة كلها إلى التخلف الذي يعانونه، متمثلاً في الأمية والجهل والمرض والفقر والبطالة وسوء توزيع الثروات، ولاديمموقراطية التسيير واحتلال عدد من المناطق، وعدم مواكبة ما يجد في عالم الفكر والعلم والتكنولوجيا والإنتاج فضلا عن المساهمة فيه وفي العولمة المقترنة به.

 

وأمام العجز عن رفع هذه التحديات التي لا تزيد إلاّ استفحالا وتأزما، يتاح المجال فسيحا لتيارات التطرف التي تتحرك خارج الجماعة وضدا عليها، والتي تعتقد تحت وطأة هذا الواقع الأليم، أنها وحدها السالكة نهج الحق والصواب، وأنها بذلك صاحبة الشرعية والمشروعية في إصلاح أحوال الأمة، مهما تكن الوسائل التي يقتضيها هذا الإصلاح.

 

والملاحظ أن التطرف، ولا سيما في أوساط العوام وهي الطبقة التي تغذيه يبدأ بالتشدد في بعض أمور العبادة الظاهرة، ككيفية أداء الصلاة، وكذا في بعض متعلقات التعامل مع الآخر تبعاً لذلك قبولاً أو رفضاً وترجمة هذا السلوك في مظاهر متميزة تتصل بالهندام واللباس. ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلى تكفير الآخر الذي هو على غير هذا التوجه وربما استحلال دمه. ومثل هذا التصرف يبدأ سراً وفي الخفاء، إلا أنه سرعان ما يتحول إلى إظهاره وإعلانه والتحدي به في افتخار واعتزاز.

 

 

** ** **

وإذا كانت حقيقة الدين في مختلف جوانبه تتعارض مع هذا التوجه المتطرف، فإنه يكفي لدحضه إبراز المنطلق الذي يبلور تلك الحقيقة، والذي يتمثل في وسطية الإسلام. وتتضح هذه الوسطية من نهيه عن الغلو والتشدد والتنطع والتعصب. وهي المصطلحات التي سبق أن بيّنا أنها كانت تطلق على ما يعرف اليوم بالتطرف. كما تتضح في حثه على التزام الاعتدال والتيسير، سواء في شؤون الدين أو الحياة، إذ في هذا الالتزام يكمن حسن الإسلام وتكمن خيرية الأمة. والوسط كما لا يخفى صفة حميدة تكون ما بين شيئين ذميمين فيهما إفراط وتفريـط، كالشجاعة فهي صفة بين التهور والجبن، وكالكرم فإنه صفة بين البخل والإسراف.

 

وسأحاول توضيح هذه الوسطية من خلال ثلاث نقط هي:

1)           الدعوة إلى التوسط

2)           النهي عن الغلو

3)           مفهوم العبادة الحق

 

أولاً : الدعوة إلى التوسط

 

يقول تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً"(1). ويقول رسول الله (ص):"خير الأمور أوسطها"(2).

 

والوسط من هنا يعني الخيار. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"(3).

________________________

(1) سورة البقرة الآية 142

(2) أخرجه السمعاني في ذيل تاريخ بغداد بسند مجهول عن علي مرفوعاً به وأخرجه البيهقي عن مطرف من قوله.

(3) سورة آل عمران الآية 110

 

وهو المكان الذي يلتقي فيه جميع الأطراف. والتقاء الأمة يعني إجماعها وعدالتها واستقامتها على الطريق.

 

وإن هذه الوسطية تتجلّى في أمور كثيرة:

 

أ‌-            في الدين، لأن الإسلام جاء وسطاً بين الغلو والتقصير، غلو النصارى الذين بالغوا في تقديس المسيح حتى قالوا إنه ابن الله، وتقصير اليهود الذين بدلوا الكتب واستخفوا بالرسل وقتلوا الأنبياء.

 

ب‌-        في الحياة وأمورها المختلفة بين صفتين ذميمتين: المنع من الطيبات من جهة، وملازمتها والإكثار منها والمبالغة في ذلك من جهة أخرى.

 

إن الناس اليوم فريقان:

 

أ‌-            فريق نسي الدين أو تناساه، وأطلق العنان لنفسه وشهواته ونزواته لا رقيب عليه من ضميره ولا حسيب عليه مـن عقيدته ؛ يظن أن الحياة أكل وشرب واستمتاع بالملذات، في غير حدود عقلية أو منطقية أو دينية وبلا استحياء، ينطبق عليه قول الرسول (ص): "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"(4).

 

ب- فريق ظن أن الدين انغلاق على الذات، وفرار من الحياة، ورفض لمستحدثات العصر، وانزواء عن الناس، وانشغال بعبادة ظاهرية يغلب فيها القول على الفعل. وهـم فـي هـذا

 

________________________

(4) من كلام النبوة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم ....." رواه البخاري عن أبي مسعود، وهو كذلك عند الدارمي وابن ماجة، وابن حنبل، وكذا في الموطأ.

متغافون عن قوله عز وجل: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"(5).

 

إن الإسلام دين الحياة في كل زمان ومكان، يدعو إلى التعامل مع هذه الحياة، باعتبارها في جميع مظاهرها عبادة، أو هكذا ينبغي أن تكون، لأن كل ما فيه صلاح الدنيا أو الآخرة عبادة، وكذا كل ما فيه صلاح الفرد والجماعة، طالما كانت النيات خالصة.

 

ثم إن الإسلام دين القلب الثابت، والإيمان الصادق، والعمل المثابر، والجهاد الدائم، والواقع الحي المتحرك، والمستقبل الباسم، أي أنه ليس دين المتحللين المنحلين، ولا دين المنغلقين المتزمتين.

 

يقول رسول الله (ص) في الحديث الشائع على الألسنة: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"(6).

 

وهذا كله يفسر الوسطية التي جاء بها الإسلام، والتي تجعله صالحاً لكل زمان ومكان.

 

إن المتسائل عن سبب هذه الوسطية يجد في بقية الآية ما يفيد الإجابة، إذ يقول تعالى: "لتكونوا شهداء على الناس"، أي لتكونوا شهداء على الشعوب والأمم الأخرى. وهي شهادة في الدنيا وفي الآخرة:

 

_________________________

(5) سورة الأعراف الآية 30

(6) أخرج البيهقي في السنن عن ابن عمرو بن العاص مع الإشارة إلى ضعفه أن رسول الله (ص) قال: " اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبداً واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غداً".

 

 

أ‌-            أما شهادة الدنيا فلأن الأمة الإسلامية تحكم على غيرها من خلال تسلسل الرسالات السماوية وما انتهت إليه برسالة سيدنا محمد (ص). وهذا يوجب على المسلمين أن يستمروا في الدعوة للدين، لأن الرسالة قائمة ومستمرة وغير متوقفة بموت سيدنا محمد (ص).

 

ب‌-        وأما الشهادة في الآخرة فيشرحها الحديث الذي قال فيه رسول الله (ص): "يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت ؟ فيقول: نعم يا رب. فتسأل أمته: هل بلَّغكم ؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول الله: مَن شُهودك ؟ فيقول: محمد وأمته. فيجاء بكم وتشهدون". ثم قرأ رسول الله (ص) هذه الآية "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً"(7).

 

وتتمة لهذه الشهادة التي تدلي بها الأمة تكون شهادة الرسول (ص) فينا، سواء في جانبها الدنيوي أو في جانبها الأخروي، مصداقا لقوله عز وجل: "ويكون الرسول عليكم شهيداً".

 

والوصف بالوسطية مدح للأمة الإسلامية وثناء عليها من الله تعالى، لعظم أمر الشهادة وتشريف الأمة بها. ويكفي لإدراك أهمية هذه المكانة التي للشهادة، أن نعرف أن الرسول (ص) جعل الله هو الشاهد عليه بتبليغه الرسالة، فقد قال في خطبة حجة الوداع: "ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد".

 

 

 

_________________________

(7) رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري.

 

ثانياً : النهي عن الغلو

 

ولهذا نهى رسول الله (ص) عن التشدد والغلو والتنطع فقال: "هلك المتنطعون"(8)، وهم الغالون والمتقعرون الذين يتمسكون بالشكليات والجزئيات والمسائل الخلافية، ينشرونها ويثيرون الجدل حولها، ويسعون من خلالها إلى إغراء البسطاء من الناس، والتسرب إليهم والتأثير عليهم، وإيهامهم أنها أساس الدين.

 

وتأكيداً لهذا النهي، قال (ص): "تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله. ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق"(9).

 

وقال عليه السلام: "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"(10). والغلو هو التشدد ومجاوزة الحد. بل إنه (ص) نهى حتى عن مجرد المبالغة في العبادة. فقد رُوي أنه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي (ص) يسألون عن عبادته عليه السلام، فلما أخبروا كأنهم تقَالُّوها أي وجدوها قليلة فقالوا: أين نحن من رسول الله (ص) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر فلا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله (ص) فقال: أنتم قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"(11). يقول الله تعالى داعياً إلى عدم الغلو، في خطاب موجه إلى أهل الكتاب: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق"(12).

__________________________

(8) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود.

(9) أخرجه الدارمي عن عبد الله بن مسعود. وفي النهي عن التعمق كذلك قال (ص): "إن أقواماً يتعمقون في الدين يمرقون كما يمرق السهم من الرمية"، رواه أحمد عن أنس بن مالك.

(10) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والحكم عن ابن عباس.

(11) رواه البخاري وغيره عن أنس بن مالك.

(12) سورة النساء الآية 171

إن الله عز وجل لا يقصد من الدين إلى الشدة والصعوبة والتعجيز، ولكنه يقصد إلى اليسر والسهولة وما هو في الإمكان. ومن هنا كان لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحاسب على الخطأ والسهو والنسيان. يقول تعالى: "يريد الله بكمُ اليسر ولا يريد بكمُ العسر"(13)، ويقول في السورة نفسها: "لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها"، ويقول: "وما جعل عليكم في الدين من حرج"(14). ويقول: "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً"(15).

 

ويقول رسول الله (ص): "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا"(16). وهو حديث عظيم الأهمية في هذا المضمار، إذ يبين أن الدين ذو يسر لا عسر فيه ولا صعوبة، وأنه يغلب من يقاوم بالمبالغة في العبادة، والتخلي عن الرفق. ثم هو يدعو إلى التزام السداد، أي الصواب بلا إفراط ولا تفريط، وإلى الاقتراب من الغاية وعدم محاولة بلوغ النهاية. وهو بعد هذا يبشر بالثواب والجزاء الحسن على العمل الدائم المستمر، وإن يكن قليلاً ومحدودا.

 

ثالثاً : مفهوم العبادة الحق

 

إن العبادة ليست هي فقط الفروض والتكاليف الدينية، ولكنها هي بالإضافة إلى ذلك كل عمل يقوم به الإنسان بنية حسنة، ويسعى به إلى رضا الله، سواء أكان هذا العمل متعلقاً بصاحبه أم بأسرته أم بمجتمعه.

__________________________

(13) سورة البقرة الآية 184

(14) سورة الحج الآية 76

(15) سورة النساء الآية 28

(16) رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة. وجاء في بقية الحديث: "واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء من الدُُّلجة". فالغُدوة من الغدو الذي هو السير من أول النهار، والروحة من الرواح الذي هو السير من أول النصف الثاني من النهار، والدلجة هي السير بالليل. وفي حديث آخر مماثل يقول رسول الله (ص): "لا ينجي أحدكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته، فسددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة. والقصدَ القصدَ تبلغوا" رواه البخاري وأحمد عن أبي هريرة. هذا واستعمال القصدَ منصوباً على الإغراء فيه حث على الاعتدال.

هذا هو المفهوم الحق الصحيح للعبادة، إذ هي الغاية من خلق الله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أي يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"(17).

 

والعبادة المقصودة هي التي يعني هذا المدلول الكبير الواسع المقترن بالعمل الذي سيحاسب عليه الإنسان. يقول عز وجل: "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"(18).

 

ويقول تعالى داعياً إلى الضرب في الأرض والتحرك بالعمل والإنتاج: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"(19).

 

إن عدد الكلمات المشتقة من (العمل) وفعله في القرآن الكريم يَصل إلى إحدى وخمسين وثلاثمائة كلمة. وهو ما يدل على الأهمية التي يوليها الإسلام للعمل. والسبب أن الإسلام عقيدة ونظام:

 

أ‌-                  باعتباره عقيدة، يقتضي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبلورة هذا الإيمان التوحيدي في فروض دينية وتكاليف يطالب المسلمون بأدائها لتكميل إيمانهم بالعمل.

 

ب‌-              باعتباره نظاماً، فهو منهج للحياة الفردية والجماعية يضبط مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها.

__________________________

(17) سورة الذاريات الآيات : 56-58

(18) أول سورة الملك.

(18) نفسهـا الآية 15

إلا أن هذا العمل لا يكون في منظور الإسلام مقبولا إلا إذا كان مبنيا على النية الحسنة، ومقصودا به وجه الله وابتغاء مرضاته وأجره تعالى وليس أجر سواه.

 

وفي القرآن الكريم صور وتشبيهات كثيرة تمثل حال العمل الذي يكون لوجه الله والذي يكون لوجه غيره. ومن بينها ما جاء في قول الله تعالى متعلقا بنوع معين من العمل هو التصدق، لأهميته ومكانة المال في نفس صاحبه: "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر. فمَثلُه كمَثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسَبوا والله لا يهدي القوم الكافرين. ومَثَل الذين ينفقون أموالهمُ ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمَثل جنّة برُبوةٍ أصابها وابل فأتت أُكلها ضِعفين فإن لم يُصبها وابل فطَل والله بما تعملون بصير"(20). فالله تعالى في هذه الآيات الكريمة ينهى المُومنين عن أن يزيلوا أعمالهم ويجردوها من أي نفع. فتبطل إما بالمن الذي هو التذكير بما يقوم به الإنسان لغيره، وإما بالأذى وهو الإضرار والإساءة، كسَبِّ الشخص الذي يتصدق عليه، أو تعييره أو حتى الكبر عليه.

 

ففي هذه الحالة يكون القصد من العمل هو إبرازه للغير والظهور به أمام الناس، للتباهي والتفاخر والحصول على مدحهم وثنائهم، في غير إيمان بالله واليوم الآخر وما قد يلقى فيه من ثواب أو عقاب. ولهذا قال تعالى: "... ولا يومن بالله واليوم الآخر" ؛ وهذا هو الرياء الذي هو السمعة بين الناس والتظاهر بالخير أمامهم للحصول عليها. وقد شبههـا الحق سبحانه، أي شبه هذه الحالة، بصفوان، وهو الحجر الصافي يكون عليه بعض التراب الذي يوهم بأنه تربة خصبة قد تنتج إن نزل عليها المطر، ولكنه إذا نزل جرف ذلك التراب وبقي الحجر أملس، وهو مدلول صلد. وبذلك فأصحاب هذه الحالة لا يجنون أية فائدة مما فعلوا لأنهم لم يحسنوا الفعل وأضاعوه بالمن والأذى.

 

________________________

(20) سورة البقرة الآيتان: 263-264

أمّا في الحالة الثانية، وهي التي يسعى أصحابها إلى رضا الله، فإنهم يكونون مقتنعين بما فعلوا، غير شاكين ولا مترددين وهم ينفقون ويُعاودون الإنفاق الذي غدا راسخا في نفوسهم لا يتكلفونه ولا يمنون به.

 

وقد شبه الله هذه الحالة الثانية بالأرض ذات الأشجار المثمرة، وقد وجدت في مكان مرتفع يزيد منظرها ابتهاجا، وهي تثمر وتنتج، إن أصابها مطر قليل أثمرت كذلك وإن دون الضِعْفين.

 

ومثلما يكون التفاوت في هذا العطاء، يكون التفاوت في الأجر بالنسبة للمنفق حسب نية العَمل ومدى الإخلاص فيه.

 

إن هذا التصوير القرآني هو أروع ما يمكن أن يمثل به لحال العمل الذي يكون لوجه الله، والعمل الذي يكون مقصودا به الظهور أو تحقيق أغراض أخرى.

 

هذا، وقد شاع بين الناس ألا يقوم أحدهم بعمل إلا إذا كان سيحقق من ورائه أجراً ماديا أو مدح الناس له أو ما إلى ذلك. أمّا إذا كان العمل لا يدرك به شيء أو ينال ربح، فإن أحدا لا يقدم عليه. وحتى أعمال الخير والإحسان فإن أصحابها يسيئون إليها بالمَن والأذَى ؛ ومن الأذى كثرة الإخبار بهذه الأعمال للحصول على المدح والثناء.

 

وهنا وفي مجال التصدق والإحسان، نشير إلى الحديث الشّريف: "سبعة يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله" من بينهم "... رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يَمينه ..."(21).

 

____________________________

(21) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

** ** **

 

وهكذا، ومن خلال هذه الدعوة للتوسط والنهي عن الغلو، مع توضيح مفهوم العبادة الحق، تتبين وسطية الإسلام الدالة على اعتداله ويسره وتفتحه وسِلمِيته، مما يجليه موقفه من ثنائيات متعددة في الحياة الإنسانية، على نحو الدين والدنيا، والفقر والغنى، والحق والباطل، والتنافس والصراع، والسلم والحَرب ؛ وغيرها من الثنائيات التي تشكل معادلات ما زالت البشرية حتى اليوم تواجهها، وتعاني صعوبة التوفيق فيها بين مقتضيات السلوك مع الذات، في إطار الحرية وسائر الحقوق وما يقابلها من واجبات، وبين متطلبات السلوك مع الآخر بتفاهم وتحاور.

 

وقد تسنى للإسلام بوَسَطيته أن يوجد حلا لهذه المعادلات، وأن يكون بذلك عقيدة ونظاما، أو عقيدة يقوم عليها نظام مؤسس على الفضيلة المتمثلة في قيم ومقومات تمس مختلف جوانب الحياة، تربوية وعلمية وسياسية واقتصادية واجتماعية مما يقوم به كيان الفرد والمجتمع.

 

وهو ما أتَاح للمسلمين في عصور نهضتهم إبداع حضارة متسمة بالتسامح والتعايش، بعيداً عن أي انغلاق أو ظَلامِية.

 

ومن ثم، يتضح أن الإسلام برئ مما يلصق به باطلاً من تطرف وإرهاب أصبحا يشكلان ظاهرة عالمية تقتضي البحث في أسبابها ومُلابساتها ومتطلبات علاجها، - وفق ما سنوضح فيما بعد لوضع حد لها والقضاء عليها، مع النظر إليها على الخصوص عبر ما أصاب منها المجتمع المغربي المعروف بأمنه واستقراره.