التسامح الديني

وأثره في حضارة الأندلس

 

عباس الجراري

ـ * ـ

 

 

 

 

 

 

 

عرض تمهيدي قدم مرتجلاً في الجلسة الأولى لندوة:

"الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح"

التي نظمها بالرباط مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

أيـام 27-28-29 ذي الحجة 1422 هـ

الموافق 12-13-14 مارس 2002 م

 

 

يبدو ظاهرياً أن لفظ "التسامح" جاء على صيغة "التفاعل" التي تعني التبادل والتشارك في السماح. وهو مدلول غير مستبعد في حال وجود هذا السماح بين طرفين أو أكثر. ولعله المقصود عند الذين يستعملونه، ولا سيما اليوم، مسايرة للظروف التي يعيشها المسلمون ومن إليهم من المستضعفين، في مواجهة غيرهم، أو بالأحرى في التعامل مع غيرهم من الذين يتصفون بالطغيان، ويلجأون إلى ظلم من هم دونهم قوة، والعدوان عليهم. وحتى في غير هذه الحال، فإن صيغة "التفاعل" هنا قد تفيد تعامل المسلمين فيما بينهم من جهة، ثم تعاملهم مع مخالفيهم في العقيدة من جهة أخرى، على نحو ما يثبت التاريخ.

إلا أن للمصطلح مدلولاً نراه أقرب إلى الاستعمال الأصلي له، ألا وهو "السماح"، وكأنه مصدر يفيد معنى الفعل الأصلي الذي هو "سمح". كما أن له مدلولاً آخر ناتجاً عن توجيه صيغة "التفاعل" لتفيد المطاوعة التلقائية في اتجاه ما يدعو إليه الدين من سماح.

وأصل لفظة "التسامح" من: سَمَح يَسْمَح وسَمُح يسمُح سماحاً وسماحة بمعنى جاد بسخاء. وسمح لفلان وأَسْمَح: سهَّل. وأسْمح بمعنى: انقاد. وسامح بمعنى وافق على ما هو مطلوب. والمسامحة: المساهلة، وتسامح الناس إذا تساهلوا.

وعلى الرغم من أن لفظ التسامح لم يرد في القرآن الكريم الذي استعمل ألفاظا أخرى مؤدية للمعنى نفسه - كما سيتضح بعد - فإنه ورد بمشتقاته في الحديث النبوي الشريف.

فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسْمَح يُسْمَحْ لك"(1)، وروي عن أبي بكر في حديث الشفاعة والرجل الذي يكون في النار ويُسأل عما فعل من خير، فيقول: "لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء" ، فيقول الله عز وجل: "اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي".

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا نبي الله أي العمل أفضل" ؟ قال: "الإيمان بالله، وتصديقه، وجهاد في سبيله". قال: "أريد أهون من ذلك يا رسول الله" قال: "السماحة والصبر"، قال: "أريد أهون من ذلك يا رسول الله"، "قال: " لا تتهم الله تبارك وتعالى في شيء قضى لك به"(2). وروى كذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: "دخل رجل الجنة بسماحته، قاضياً ومتقاضياً "(3).

ـــــــــــــــــــــ

(1) رواه ابن حنبل عن ابن عباس.

(2) أخرجه ابن حنبل عن عبادة بن الصامت.

(3) رواه ابن حنبل عن عبد الله بن عمرو.

مهما يكن، فإن الإسلام دين سمح، يحث معتنقيه على أن يتعاملوا فيما بينهم، وعلى أن يعاملوا غيرهم من ذوي الديانات والملل الأخرى، بهذه السماحة، أي بدون تشدد ولا تضييق ولا غلو ولا عنف. وذلكم لأسباب كثيرة، منها:

 

 

1- أنه دين يكرم الإنسان من حيث هو، ويجعله بل يريده أن يكون عزيزاً في ذاته، متمتعاً بصفات وسجايا تميزه عن سائر المخلوقات، وتفضله على الكثيـر منهـا: "ولقد كرمنـا بـني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"(4).

وبهذا التكريم أتاح الله عز وجل للفرد المسلم أن يسمو بنفسه لربط علاقة معه تعالى يتسنى له بها - انطلاقًا من شخصية مكتملة تقدر ما لها من حقوق وما عليها من واجبات - أن يعبده على النحو اللائق. كما أتاح له أن يعيش في مجتمع متلاحم ومتوازن، تتوافر فيه أسباب حياة جماعية يسودها التناسق والانسجام، حتي حين يكون اختلاف عرقي أو عقدي داخل هذا المجتمع. وربما تأتي في طليعة هذه الأسباب: القدرة على قبول هذا الاختلاف، ومعرفة كيفية الانسلاك في إطاره بعدل وأمن وسلام.

2- أنه جعل هذا الاختلاف كامناً في الطبيعة البشرية والكونية عامة، إذ هو أمر مقصود لدى الخالق الذي أراد أن يكون الناس مختلفين في أجناسهم وألوانهم وعقائدهم ؛ وكذا في المقومات التي تجعلهم قادرين على التمييز، واختيار ما فيه الخير والصلاح، وتجنب ما فيه الشر والفساد: " ولو شـاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا مـن رحم ربك، ولذلك خلـقهم"(5)، تأكيـداً لمشـيئـته تعـالى وإرادته: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم"(6).

 

3- أنه بهذا منح الفرد حرية الاختيار، حتى فيما يتعلق بالدين، بعيداً عن أي إلزام أو إكراه: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين"(7)، "لا إكراه في الدين"(8) ؛ طالما أن الإيمان في منظور الإسلام ؛ لا يكون بالقهر والضغط والإلزام، ولكن بالاقتناع الفكري والانقياد النفسي والذهني بهدوء واطمئنان.

 

ـــــــــــــــــــ

(4) سورة الإسراء -الآية 70

(5) سورة هـود -الآية 118

(6) سورة الـروم -الآية 22

(7) سورة يونس -الآية 99

(8) سورة البقرة -الآية 255

 

4- ومن ثم فإنه ينهى عن محاربة غير المسلمين، لمجرد أنهم لم يختاروا الإسلام بل ينهى عن ذلك، ولا يأمر به إلا في حال الدفاع عن النفس والعقيدة ورد الظلم والعدوان: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"(9).

 

 

5- وبهذا، وحتى يُتجاوز الاختلاف وتتحقق الحياة الاجتماعية على النحو الصحيح، يدعو الإسلام إلى التواصل وتبادل المصالح والمنافع. وهو ما جمعه القرآن الكريم في "التعارف" الذي أمر به الحق سبحانه وحث عليه: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(10).

 

وتتجلى سماحة الإسلام في مظاهر متعددة يمكن تجميعها في ثلاثة محاور، والنظر من خلالها إليه:

الأول: بين المسلمين، من خلال الدعوة إلى إقامة مجتمع تسوده الأخوة والتضامن: "إنما المؤمنون إخوة"(11). وبهذا يتحقق المجتمع المتراص الذي يكون كالجسد الواحد: "مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(12).

ويبلور هذا التوحدَ مظهرُ التكافل الذي يجعل الفرد في كفالة الجماعة، لا سيما في حال الفقر أو العجز أو أي ضعف.

 

الثاني: مع غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي، أي الذين يكونون قلة، مما تكفي في الدلالة عليه أن الإسلام دعا إلى محاورتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وبمنهج قائم على الحكمة والموعظة: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"(13)، "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن"(14).

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(9) سورة الممتحنة -الآية 8

(10) سورة الحجرات -الآية 13

(11) سورة الحجرات الآية 2

(12) أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير.

(13) سورة العنكبوت -الآية 46

(14) سورة النحل -الآية 125

كما أباح لمعتنقيه أكل طعامهم والزواج منهم: "اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المومنين والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"(15).

وإن إطلاق اسم "أهل الكتاب" على غير المسلمين من معتنقي الديانات الأخرى لدليل على مدى التقدير الذي ينعمون به، إيمانا من المسلمين بما عند غيرهم من كتب ومن أنزلت عليهم من الرسل: "آمـن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون، كل آمن بالله وملائكته وكتـبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله"(16)، بل إنه تعالى يامر المسلمين بهذا الإيمان والتعبير عنه: "قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"(17).

 

ثم إن الإسلام يطلق على أصحاب هذه الكتب وغيرهم من المنتمين لملل ونحل أخرى مصطلح "أهل الذمة" الدال على ما لهم من عهد وضمان وأمان. وهي حقوق يتعهد بها المسلمون بحرص شديد عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: "من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة"(18)، و"من قذف ذمياً حدَّ له يوم القيامة بسياط من نار"(19). وإن أهل الذمة لا يطالبون مقابل ضمان هذه الحقوق إلا بواجب واحد هو دفع الجزية التي هي ضريبة تعفيهم من واجبين ألزم الإسلام بهما من يستطيع من معتنقيه، هما: الزكاة والجهاد.

الثالث: مع غير المسلمين في مجتمعات أخرى غير إسلامية، ويقوم على مبدأ السِّـلم الذي هو أساس التعامل الذي يدعو إليه الإسلام، معتبراً أن غير السلم هو مما يغري به الشيطان ويدفع إليه: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين"(20).

وتتأكد هذه الدعوة حين تكون مقبولة من الطرف الآخر: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"(21). ولا يخرج المسلمون من السلم إلى الحرب، إلا في حال الدفاع عن النفس والعقيدة، ولرد الظلم والعدوان - كما مر - مما يجعل القتال جهاداً في سبيل الله وإن أول آية شرعت القتال نزلت في هذا السياق، إذ أذن الله للمسلمين أن يقاتلوا، رداً

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(15) سورة النساء -الآية 6

(16) سورة البقرة -الآية 285

(17) سورة البقرة -الآية 136

(18) أورده الخطيب البغدادي عن ابن مسعود.

(19) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.

(20) سورة البقرة -الآية 206

(21) سورة الأنفال -الآية 62

على من يقاتلونهم: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"(22). وهذا ما يجعل السلام غير رديف للاستسلام والانهزام، وكيف وهو من أسماء الله الحسنى، ومنه اشتق لفظ الإسلام، وإليه تنسب الجنة التي هي دار السلام، إضافة إلى أنه تحية المسلمين، وبه يخرجون من الصلاة.

حين نتأمل التسامح في مختلف هذه المحاور ونحاول النظر إليه، كما عاشه المسلمون في بلاد الأندلس، نجد أن هذه البلاد كانت مجالاً رحباً لممارسته، إن لم نقل مجالاً يفرض هذه الممارسة، على نحو يكاد لتفرده وتميزه أن يكون مثاليا.

والسبب راجع إلى أن البيئة الأندلسية كانت تتسم بالتنوع والتعدد، ليس فقط في طبيعة أرضها وما يكونها من سهول وجبال وسواحل، وما يعلوها من ألوان الطقس المختلفة، ولكن كذلك في طبيعتها البشرية التي تتشكل من أجناس وأعراق صهرها الإسلام في بوتقته، غير مفرق بين سكانها الأصليين، والوافدين إليها من عرب وبربر ؛ مع وجود فئات اجتماعية متباينة من حيث مستواها المعيشي، بدءاً من طبقات الأمراء والحكام ومن إليهم من ذوي الغنى الفاحش، إلى الفقراء والمعوزين ؛ مما ظهرت معه موجة من الترف المسرف السفيه المقبل على الدنيا بلهف شديد، وإلى جانبها موجة من الزهاد الصارمين في التعامل مع النفس، بتقشف يرونه أقرب إلى تحقيق التعبد الصحيح البعيد عن أي انحراف.

وفي غمرة هذا التشكل البشـري، يظهر الاختلاف الدينـي الذي جعل المسلمـين - وهم الأغلبية وأصحاب الدولة الحاكمون - يعايشون غيرهم من ذوي العقائد الأخرى، ولا سيما من النصارى واليهود وكذا المجوس.

وانطلاقا من منظور الإسلام للتسامح على النحو الذي عرضنا في أول البحث، فإننا نستطيع أن نثير جانبين لإبرازه وفق ما تحقق في الأندلس:

الأول: يهم المسلمين فيما بينهم

 

ويبدو لأول وهلة في الجانب الاجتماعي المتمثل في التسامح الذي كان بين العرب والبربر إبان الفتح وبعده، قبل استقرار الدولة وحتى عند حدوث هذا الاستقرار. وهو تسامح تجلى حتى بين المنتمين لقبائل عربية مختلفة أو فروع لهذه القبائل، ممن وفدوا إلى الأندلس قادمين إليها من أقطار شرقية مختلفة ؛ وإن كان هذا التسامح لم يكن ليخفي عنصر المنافسة وما قد ينتج عنها من صراع ينكشف أحياناً ويتستر أخرى، نتيجة التنازع حول المصالح أو الامتيازات أو المواقع.

ـــــــــــــــــــــــ

(22) سورة الحج -الآيتان 40-39

ومن مظاهر هذا التسامح محافظة السكان المحليين بعد إسلامهم على بعض العادات والتقاليد التي كانوا يمارسونها قبل اعتناق الإسلام ؛ مما دفع علماء مسلمين إلى التأليف في موضوع البدع كمحمد بن وضاح في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكذا إلى كتابة فتاوى حول هذه البدع.

وبالإضافة إلى هذا الجانب الاجتماعي وما تم فيه من اندماج وانصهار، يبدو الجانب المذهبي لافتا للانتباه. ويظهر في وجود فرق ومذاهب على مستوى العقيدة أو السياسة أو الفقه، على نحو ما كتب ابن حزم في (الفصل في الملل والأهواء والنحل) وهي ظاهرة لم تتعارض مع الحضور الرسمي الكبير الذي كان لمذهب مالك، بعد أن كان طاغياً مذهب الأوزاعي إمام أهل الشام، بحكم أموية الأندلس في نشأة الدولة الإسلامية بها ؛ علماً بأن مذاهب أخرى كانت تجد صدى، وأهمها المذهب الشافعي والظاهري.

ثم إن الأندلسيين - في نطاق مالكيتهم - كانت لهم اجتهادات قام بها أتباع مالك وتلاميذه، أمثال يحيى بن يحيى الليثي وابن القاسم.

 

وقد بلغ الاختلاف المذهبي حداً اتهم البعض به في عقيدته كابن الإفليلي الذي كان ذا اهتمام كبير بالفلسفة، ومحمد بن مسرة الذي كان ذا نزعة اعتزالية، والذي اشتهرت في قرطبة مدرسته الفلسفية الدينية بين القرنين الثالث والرابع الهجريين زمن الحكم المستنصر، والتي اقتبست من المبادئ الغنوصية والأفكار الأفلوطينية، ومزجتها بآراء المعتزلة والباطنية.

ومع ذلك، فإنهم لم يتعرضوا لمكروه، طالما أنهم لم تظهر عليهم أطماع سياسية، على نحو ما حدث لابي الخير الذي قتل بسبب تآمره على الحكم الثاني، وكان معروفاً عنه أنه منتم للتشيع.

 

وقد كان لهذا التسامح أثره في التصوف كذلك، إذ تميز في الأندلس بسمات جعلت بعض ملتزمي التصوف السني ينتقدونه. ويذكر من بين الذين ظهروا باتجاه جديد في هذا المجال أبو العباس ابن العريف الصنهاجي، وأبو بكر الميورقي، وابن برّجان، وابن قسي في منتصف القرن السادس الهجري، قبل أن يذكر محي الدين ابن عربي في أوائل القرن السابع. وكان ابن العريف قد ظهر في المرية بمذهب صوفي يعتمد الزهد في كل شيء، بما في ذلك القول بالكرامات وما إليها من منن لا تكون إلا للعوام وليس للخواص ؛ في حين عرف ابن عربي المرسي بتصوفه وفلسفتة الإشراقية القائلة بوحدة الوجود التي تعني في تأثر بنظرية الفيض الأفلوطينية، أن العالم ليس شيئا غير الذات الإلهية، وأن الله هو عين الموجودات، ممّا دعاه إلى القول بوحدة الأديان التي هي الصورة التطبيقية لنظرية وحدة الوجود. وتنطلق هذه الفلسلفة من الشك في قدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق المطلقة.

 

وقد بلغ هذا التسامح مداه في ظهور شعر المعارضة للدولة، وفق ما نجد عند أبي الحسن ابن الجد، وعبد الجبار صاحب الأرجوزة، وابن سارة، وأبي بكر ابن الروح الإشبيلي، وأبي بكر اليكي.

من ذلك قول عبد الجبار عن أمراء الطوائف:

فأهـملـوا البـلاد والـعـبـادا

وعـطلـوا الثـغــور والجهــادا

واشتـغلــت أذهانهـم بالخـمر

وبالأغـــاني وسـمـاع الـزمـر

وزادهم في الجهــل والخـذلان

أن ظاهروا عصــابة الصلــبـان

فاستولت الــروم على البــلاد

واستعبدوا حرائــر العبـــــاد(23)

 

ومنه قول اليكي يهجو المرابطين:

إن المـرابط لا يكـون مرابطاً

حـتى تـراه إذا تـراه جـبـانا

تجلو الرعية من مخافة جـوره

لجلائـه إذ يلـتـقي الأقـرانـا

إن تظلمونا ننتصف لنفوسنـا

يجني الرجال فتأخذ النسوانـــا(24)

وقد تصدى مثل هؤلاء الشعراء لطبقة الفقهاء، كابن البتي أو ابن البني، وابن خفاجة، على نحو ما يقول الأول:

أهل الـرياء لبستم ناموسكم

كالذئب أدلج في الظلام العـاتــم

فملكتم الدنيـا بمذهب مـالك

وقـسمتم الأموال بابن الــقـاسم

وركبتم شهب الدواب بأشهب

وبأصبغ صبغت لكم في العالـــم(25)

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(23) الذخيرة لابن بسام - ق 1 م 2، ص: 430، ت. إحسان عباس - ط. الدار العربية للكتاب بيروت.

(24) المغرب لابن سعيد ج2، ص: 268، ت. شوقي ضيف - ط. المعارف - مصر.

(25) المعجب للمراكشي - ص: 171 ط. الاستقامة - مصر.

ويقول الثاني:

درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم فيها صدور مراتب ومجالس

الثاني: بين المسلمين وغيرهم (من النصارى واليهود)

وقد بدأ هذا التسامح على المستوى الاجتماعي، بما وقع من زواج مختلط كان له أكبر الأثر في صهر المجتمع في بوتقة اندماجية، لا فرق فيها بين الذين أسلموا من السكان المحليين. أومن ظلوا على عقيدتهم، بكل ما يترتب عن هذا التداخل من تواصل عبر الأعراف والعادات والتقاليد، وقبل ذلك عبر اللغة والثقافة عامة.

وتجدر الإشارة إلى أن عدداً هائلاً من هؤلاء السكان الذين كانوا على دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية قد أسلموا تدريجياً أو بتحول سريع ومفاجئ نتيجة الاقتناع، أو بسبب ضعف بنيات هذه الديانات وما كان يرتبط بها من سلوك غير لائق. وكانوا ينعمون في جميع الأحوال بجو من التسامح من قبل المسلمين. وكان هذا التسامح يتجلى مع الذين لم يسلموا ما لم تصدر عنهم مواقف تزعج الدولة الإسلامية أو تحاول خرق التشريعات الإسلامية السائدة، وما داموا محترمين للعهود والمواثيق وما تنص عليه من التزامات متبادلة. على أن هذا التواصل لم يكن يخلو من بعض الاضطراب الذي يشوش على الاستقرار، أعني استقرار المجتمع، ولكن من غير أن ينعكس سلباً على الحياة عامة، سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية ؛ مما أنتج حضارة متميزة بعطائها الذي أغنى البلاد في العهد الإسلامي، وظل يغنيها حتى بعد.

وفي هذا الإطار الاجتماعي، ظهر التغزل بالنصرانيات، على نحو ما فعل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحداد في أكثر من قصيدة. فهو في الإعراب عن حبه لمحبوبته النصرانية يقول:

وفي شرعة التثليث فرد محاسن

تنزل شرع الحب من طرفه وحـيا

وأذهل نفسي في هوى عيسوية

بهـا ضلت النفس الحنيفية الهديـا

فمن لجـفـوني بالتماح نويرة

فتاة هي المردى لنفـسي والمحيـا

سبتني على عهد من السلم بيننا

ولو أنها حرب لكانت هي السبيـا(26)

 

ـــــــــــــــــــــ

(26) الذخيرة - ق 1 م 2، ص: 709

وفي اضطراره إلى دخول الكنيسة كي يلقاها، يقول:

عساك بحـق عـيــسـاك مريحـة قـلـبي الــشاكــي

فـإن الحـســن قــد ولا ك إحـيــائــي وإهـلاكـي

وأولـعـنـي بصلـبــان ورهــبــان ونـســــاك

ولم آت الكنائــس عــن هــوى فـي،هــن لــولاك(27)

بل هو يحضر مناسبات دينها وأعياده، على حد ما فعل يوم الفصح:

أهيم فـيها والهـوى ضـلـة بين صوامـيع وبـيــعــات

أفصح وحدي يــوم فصـح لهم بين الأريطي والـدويحـات

وقـد أتوا منه إلـى مـوعـد واجتمعوا فيه لميــقــــات

لموقف بـين يـدي أسـقـف ممسـك مصبـاح ومنســـاة(28)

ثم هو لا يجد حلاً غير اللجوء إلى القس كي يعينه ويغيثه بعد أن يصرح له بحبها:

أحـقًـا وقــد صــرحت ما بي أنه

تـبســم كاللاهي بنا المـتـعـبـث

وأقســم بالإنجـيـل إنـي لمـائـن

وناهيك دمعي من محــق محـــنث

ولابد من قصي على القـس قصتــي

عـساه مغـيث المدنف المتـغــوث

فلم يأتهــم عيـسى بديـن قــساوة

فيقسـو على مضنـى ويلهو بمكـرث(29)

ومن الشعراء الغزليين من هام بغلام يهودي، على حد قول أبي الحسن ابن الزقاق الذي كان يجالس هذا المحبوب يوم السبت الذي غدا مفضلاً عنده:

وحبب يـوم الـسـبت عـندي أننـي

يُنادِمُنِي فيه الـذي أنـا أحــبـبت

ومن أعجـب الأشـياء أني مسلــم

حنيف ولكن خيـر أيامـي السبــت(30)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(27) نفسه ص: 707

(28) نفسه ص: 705

(29) نفسه ص: 706

(30) النفح - ج 4 ص: 19 و 300 (ت. إحسان عباس) - دار صادر - بيروت.

وإن من أبرز مظاهر التسامح مع غير المسلمين ما كانوا يتمتعون به من حرية دينية تتيح لهم أن يؤدوا عباداتهم وطقوسهم في أماكنها، من بيع وكنائس وأديرة ظلت قائمة على ما كانت عليه، محافظة ليس فقط على أبنيتها وما فيها، ولكن كذلك على قيميها وما ينهضون به من تدريس لديانتهم، على ما بين طوائفهم من اختلاف.

وفي سياق هذا التسامح، يشار إلى غير المسلمين ولاسيما اليهود الذين كانت تسند إليهم مناصب عالية ووظائف سامية في الدولة، كالدبلوماسية وتسيير الإدارة والاقتصاد والمال وجمع الضرائب وحتي في الجيش، كما حدث في العهد المرابطي، كحسداي بن شبرط الطبيب الذي تحمل مسؤوليات شتى في ظل الدولة الإسلامية، ولاسيما في بلاط عبد الرحمان الثالث.

ومثله الحاخام اسماعيل بن النغريلة (واسمه الأصلي صمويل ناغد) في ظل الدولة الزيرية، وفي بلاط حبوس الزيري بغرناطة. فقد قربه حبوس الذي جعله في غرناطة مسؤولاً عن جباية الضرائب في إمارته، كما قربه ابنه بعده، باديس بن حبوس الذي عينه وزيرًا مكلفاً حتى بشؤون الحرب.

وقد حقق اليهود في عهده مصالح كثيرة، ووصلوا إلى مناصب رفيعة، على حد ما أحرز إسحاق بن يعقوب الذي تولى شؤون الشرطة في غرناطة.

وكان لإسماعيل هذا مجلس شعراء من المسلمين واليهود يمدحونه. ومن الذين مدحوه أبو أحمد عبد العزيز بن خيرة المعروف بابن المنفتل. وله فيه قصائد كثيرة، منها هاته التي يقول فيها:

قرن الفضائل والفواضل فشـأى الأواخر والأوائـل

سقطوا بـرفعة فضـله كالشمس في شرف المناقـل

هذا ابن يـوسف الـذي ورث الفضائل عن فـواضل

شـرف الزمان بمـثله شـرف الأسـنة بالـعوامل

مـن لم يلـذ بجـنـابه لم يأمن الدهر المخاتـــل(31)

 

ومنها كذلك هاته التي يقول فيها:

وما اكتحلت عيني بمثل ابن يـوسف

ولست أحاشي الشمس من ذا ولا البدرا

 

ــــــــــــــــــ

(31) الذخيرة - ق 1 م 2 ص: 763

ويقول معلنا يهوديته:

ومـن يك موسى منهم ثم صنـوه

فقل فيهم ما شئت لن تبـلـغ العشـرا

فكم لهـم في الأرض من آية ترى

وكم لهم في النــاس من نعمة تتـرى

أجامع شمـل المجـد وهو مشتت

ومطلق شخص الجود وهو من الأسرى

فضلت كرام الناس شرقاً ومغربـا

كما فـضـل العقـيان بالخطر القطـرا

ولو فرقوا بـين الضلالة والهدى

لما قـبـلـوا إلا أنامـلك الـعـشـرا

وقد فزت بالدنيا ونلت بك المنى

وأطمع أن ألقى بك الـفوز في الأخرى

أديــن بديـن السـبت جهرًا لديكم

وإن كنت في قومي أديــن به ســرا(32)

ومن مادحيه كذلك الأخفـش بن ميمون القنداقي المعروف بابن الفراء، وفيه قال متعلقاً به:

أهوى الذي تيمـني حبه وما درى أني أهــواه

أكـاد أفنى من غرام به لاسيما ساعة ألقـــاه

والله ما يذكرني ساعـة ولا وحـق الله أنســاه(33)

وقال كذلك:

إذا مـدحـت فـلا تمـدح سـواه فـفي

يمـنـاه بـر محيط للعـفاة زخـر

يصغي إلى المدح من جــود ومن أدب

كمشتكي الجدب قد أصغى لصوت مطر(34)

 

ــــــــــــــــــــــ

(32) الذخيرة - ق 1 م 2، ص: 764-765

(33) المغرب - ج 2، ص: 182

(34) نفســه - ص: 183

 

وقد أفضى هذا الوضع الامتيازي إلى ضيق المسلمين بتصرفات اليهود، وفق ما عبر عنه شعراء كثيرون.

يقول أبو الحسن أو أبو الحسين يوسف بن الجد، معتبرًا تحكم اليهود إيذاناً بقيام الساعة:

تحكمت اليهود على الفروج وتاهـت بالبـغـال وبالسـروج

وقامت دولة الأنذال فـيـنا وصـار الحكـم فــيها للعلوج

فقـل للأعور الـدجال هذا زمانك إن عزمت على الخـروج(35)

ويقول أبو حفص عمر الزكرمي، مستنكراً انقلاب الأوضاع، وكان قد طولب بمكس كان يتولاه يهودي:

ياأهل دانـية لـقد خـالـفـتـم حكم الشــريعة والمروءة فــينا

مـا لي أراكم تامرون بضـدّمـا أمــرت، تـرى نسخ الإلاه الدينا

كنا نطــالب لليهـود بجــزية وأرى الـيهود بجـزيـة طلـبونا

ما إن سمعنا مالكاً أفتى بـــذا لا لا ولا من بعـده سـحنـونــا

هـذا ولـو أن الأئمة كـلـهـم حـاشاهم بالمكس قــد أمرونــا

ما واجب مثلي يمكس عـدلــه لو كـان يعـدل وزنه قـاعونــا

ولقد رجونا أن ننال بمدحـكـم رفدا يكون على الزمـان معينــا

فالآن نقـنع بالسـلامة مـنكـم لا تأخـذوا منــا ولا تعطونــا(36)

وقد بلغ طغيان الوزير ابن النغريلة مداه بالاستهزاء بالمسلمين، وأقسم أن ينظم القرآن في موشحات يغنى بها، على حد قوله مضمناً الآية 91 من سورة آل عمران:

نقـشـت في الخـط سـطـراً مـن كـتـاب اللـه مـوزون

لن تنـالـوا البــر حـتــى تنـفـقــوا مما تحـبــون(37)

فكان نتيجة لهذا الطغيان أن قتلته صنهاجة، وكان أبو إسحاق الالبيري قد خاطبها بقصيدة يغري فيها باليهود ؛ وفيها يقول:

ألا قـل لصـنهاجة أجمعين بـدور الزمـان وأسد الـعرين

مقـالة ذي مـقة مـشـفق صحيح النصـيحة دنيا وديـن

 

ــــــــــــــــــــــ

(35) الذخيرة - ق 2 م 2، ص: 562

(36) أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر للسلفي ص: 37-38، إعداد وتحقيق: إحسان عباس ار الثقافة -بيروت.

(37) المغرب - ج 2، ص: 114

لـقـد زل سـيـدكـم زلة أقـر بها أعـين الشـامـتـين

تخـير كـاتـبه كـافـراً ولـو شــاء كان من المومنين

فـعز الـيهود بـه وانتموا وسادوا وتاهوا على المسلميــن

وهي قصيدة طويلة استعرض فيها مظاهر استبداد اليهود بغرناطة، وما كان لهم فيها من سلوك:

لقد ضجت الأرض من فسقهم وكـادت تمـيد بنـا أجمعين

تأمل بعـينـيك أقـطـارها تجدهم كلاباً بـهـا خـاسئين

وإني حـللت بغـرنـاطـة فكـنت أراهم بها عابثـيــن

وقـد قـسـموها وأعـمالها فـمنهـم بكـل مـكان لـعين

وهم يقـبـضون جـبايتـها وهم يخصمون وهم يقضمـون

وهم يـلبسون رفـيع الكـسا وأنتم لأوضـعهـا لابــسون

وهـم أمـناكم عـلى سـركم وكـيف يكـون خؤون أمـين

إلى أن يقول:

ورخـم قـــردهـم داره وأجرى إليها نـير العـيـون

فـصارت حـوائجنا عـنده ونحن عــلى بابـه قـائمون

ويضـحك مـنا ومـن ديننا فإنـا إلى ربنـا راجـعــون

ويختمها بحث الأمير على ذبح هذا الوزير الطاغية، مع اختلاف بين المؤرخين إن كان المقصود اسماعيل أم يوسف:

فـبادر إلى ذبـحـه قـربــة وضـح بـه فهو كـبش سمين

ولا ترفع الضغط عن رهـطـه فـقـد كـنزوا كل علق ثمين

وفـرق عـداهـم وخـذ مالهم فأنت أحـق بما يجـمـعـون

ولا تحـسبن قـتلهم غــدرة بل الغدر في تـركـهم يعبثون

وقد نكـثوا عـهدنا عـندهـم فكيف تلام عـلـى الناكثـين ؟

وكـيف تكون لـهم ذمـــة ونحن خمول وهـم ظاهرون ؟

ونحـن الأذلـة من بـيـنهم كأنا أسـأنا وهم محـســنون

فلا تـرض فـينا بأفـعـالهم فأنــت رهـين بمـا يفـعلون

وراقـب إلاهــك في حـزبه فحـزب الإلاه هم الغالبـــون(38)

ـــــــــــــــــــــ

(38) الديوان ص: 96-100، ت. محمد رضوان الداية - ط. مؤسسة الرسالة - بيروت.

ومع هذا كله، فقد كان جو التسامح يتيح للثقافة اليهودية أن تزدهر، إذ أتاح للعبرية أن تتطور تأثراً بالعربية، كما أتاح تجديد أدبهم وشعرهم خاصة، بتأثير من الشعر الأندلسي - والموشحات والأزجال على الخصوص - سواء من حيث الأشكال أو المضامين التي بدأت تتفتح على موضوعات ذاتية، على نحو ما نجد عند ابن النغريلة وموسى ين عزرا ؛ إضافة إلى أنهم كانوا يكتبون بالعربية، ليس فقط في المجال الأدبي، ولكن حتى في الميدان الديني الخاص بهم، نظراً للشيوع الذي كان بينهم للعربية.

ومن اليهود الذين برزوا في الثقافة العربية وقول الشعر: إسحاق بن شمعون اليهودي القرطبي الذي قال عنه صاحب المسهب، على حد ما ذكر ابن سعيد، أنه "أحد عجائب الزمان في الاقتدار على الألحان، وكان قد لازم ابن باجة وأحسن الغناء بلسانه ويده ... وكان له نظم رائق كفاك منه قوله:

قم هات كأسك فالنسيم قد اتسـق

والعود عن داعي المسرة قد نطـق

ولديك من حث الكؤوس أزاهـراً

في الخز يمرح كالأراكة في الورق

والزهر زهر والرياض سماؤهـا

والفجر نهر والشقائق كالشــفـق

وكان كثير المقام على شرب المدام، وهو القائل:

خـبرت العـالمين فلـم أجــد من

يثيــر لـي المـنى غـير المـدام

تجـلي الهـم عـن فكـري وتبدي

لي الـلــذات أجـمـع في نظـام

وتطمعـنـي بمـا لا أرتجـيــه

بأحــلـى من لــذاذات المـنـام

وتـخـرج بي إذا والـيت حـثـا

بها في الشرب من خلق الطغـــام

ولــو أنـي أحـكم لـم أذرهـا

تحـل بغير آفــاق الكــــرام"(39)

ومنهم اسماعيل بن يوسف بن النغريلة الذي كان يجيد قول الشعر بالعربية والعبرية. أنشد له صاحب المسهب كما ذكر ابن سعيد:

 

ـــــــــــــــــــــ

(39) المغرب - ج 1، ص: 127 -128

يا غائبا عن ناظري لم يغب عن خاطري رفقاً على الصـب

فما له في البعد من سـلـوة ومـا له سـول سوى القـرب

صورت في قلبي فلم تبتعـد عـن ناظـر الفكـرة بالحـب

ما أوحشت طلعة من لم يزل ينقل من طرف إلى قلـــب(40)

ومثله ابنه يوسف الذي أورد ابن سعيد: "أنه كان صغيرا لما قتل أبوه بغرناطة وصلب في نهر سنجل، فهرب إلى إفريقية وكتب من هناك إلى أهل غرناطة شعره المشهور الذي منه:

أقتيلاً بسنجل ليس تخـشــى حشر جسم وقد سمعت النصيح

غودر الجسم في التراب طريحاً وغدا الروح في البسيطة ريحا

أيهـا الغادرون هلا وفــيتم وفديـتم شبه الذبيح الذبـيحـا

إن يكـن قتله لكم دون ذنـب قد قتلنا من قبل ذاك المسيحـا

ونبـياً من هاشـم قد سممنـا خر من أكلة الذراع طريحــا(41)

 

لقد أظهرت التجربة الإسلامية في الأندلس - عبر التسامـح الديني في شتى مظاهره - مدى التعايش الذي يتيحه الإسلام مع غيره من سائر الديانات والملل والنحل عامة، بعقل وعلم، وبواقعية وتوازن واعتدال، دون إلزام أو إكراه، ودون خشية على العقيدة من التحرر الفكري مهما يكن تجرؤه وإطلاق العنان لنفسه، بعيداً عن الاكتفاء بإعمال النقل والتقليد، فضلاً عن التحجر والتعصب.

 

وبفضل هذا التسامح وما أنتج من تلاقح عرقي، وتواصل ثقافي وحضاري، برزت طاقات للإبداع خلفت تراثاً عربياً إسلامياً متميزاً طبع أوربا والإنسانية عامة.

لقد كانت الحواضر الأندلسية، وفي طليعتها قرطبة وإشبيلية، وأكاد أقول هذه الحواضر بدون استثناء، مراكز فكر وعلم وأدب وفن، تزخر بالمكتبات ومراكز التدريس والنساخة والمصحات الاستشفائية والمراصد الفلكية، ومجالس الشعر والغناء، وما كان يدور فيها جميعاً من حوار يشارك فيه المسلمون وغيرهم.

 

وهكذا ظهر نوابغ كان لهم التميز والتفرد في شتى أنماط الدراسات، على نحو ما تكشف الأسماء اللامعة التي أبدعت هذا التراث العربي الإسلامي المطبوع بسمات أندلسية، من أمثال ابن جزم وابن باجة وابن رشد وابن طفيل وابن عربي وابن عبد البر والشاطبي وابن زيدون وابن قزمان. وإذا كان المجال لا يتسع للتذكير بما أنتج هؤلاء، فإنه تكفي الإشارة إلى الرشدية التي تنسب لأبي الوليد محمد بن رشد (الحفيد) الذي قـام

 

ــــــــــــــــــــــ

(40) نفســه - ج 2، ص: 115

(41) نفســه

بعملية التوفيق بين الحكمة والشريعة، أو في الحقيقة بين الدين والفلسفة الأرسطية، في تركيز على العقل وإعمال التأويل.

وهكذا، ازدهرت مختلف الدراسات الدينية كما ازدهرت الفلسفة والطب والعلوم الدقيقة كالرياضيات والفلك، إلى جانب الفلاحة وما يتعلق بالزراعة والنبات مما انكب عليه التراجمة لنقله من العربية، وهو الذي كان منطلق النهضة الأروبية الحديثة.

فبالإضافة إلى المظاهر الفكرية التي تمت الإشارة إليها، فإنه لا بأس من لفت الانتباه إلى بعض المظاهر الفنية ولا سيما الموسيقى. فقد تجلى التسامح على هذا الصعيد الفني في التمازج الذي وقع بين الأنغام المحلية الشعبية التي وصفت بأنها "نصرانية" وبين الإيقاعات الوافدة التي حملها المسلمون معهم، خاصة ما كان منها مزدهراً في الحجاز من ألحان عربية، وكذا في العراق على يد أعلام المدرسة الموصلية، وعلى رأسهم زرياب. وهو ما أنتج فناً أندلسياً برزفيه علماء أمثال ابن باجة الذي كان له فضل التطوير والتنقيح والتهذيب.

وفي هذا الجو الموسيقي وما كان يدور في مجالس الأدب والغناء حيث يلتقي الشعراء والملحنون، نشأت الموشحات والأزجال التي ربما كانت لها بوادر ومحاولات في بلاد المشرق، على مستوى النظام العروضي، ولكنها لم تنتج مثل هذه الألوان الجديدة التي تسنى ظهورها في الأندلس بسبب الحرية التي كان ينطلق منها مبدعو الشعر، وهم ينسقون مع الملحنين والمغنين.

وبعد، فذلكم هو الوضع الذي أنتجه التسامح الذي عاشته الأندلس في ظل الدولة الإسلامية التي استمرت ثمانية قرون وهو ما أعطى للأندلس، ومنها إلى أروبا إشعاعاً فتح الآفاق واسعة للحضارة والثقافة في العصر الحديث. هذا بخلاف ما كانت تنهجه ديانات أخرى انغلقت على نفسها، وحرمت كل تفكير لا يستجيب لسلطان رقابتها الصارم، في توقيف لحركة العقل وبث روح الكراهية. وهو وضع لا يمكن إبرازه، أو بالأحرى الزيادة في إبرازه، إلا بالمقارنة مع معاملة النصارى للمسلمين، وحتى لليهود، بعد عملية الاسترداد، وكذا قبل ذلك وفي الفترة السابقة على المرابطين والموحدين، في بعض الولايات المسيحية التي كانت بها أقلية مسلمة يضطر أصحابها مقابل المحافظة على دينهم أن يتنازلوا عن أراضيهم وممتلكاتهم، ويظهروا غاية الطاعة والخضوع.

وتجدر الإشارة في إطار هذه المقارنة إلى الموقف المتسامح الذي كان للمسلمين مع اليهود، والموقف الاضطهادي الذي كان يعاينه هؤلاء في الممالك النصرانية، خاصة بعد الاسترداد الذي ألجأهم إلى الهجرة أو إلى إظهار التنصر.

ومع ذلك، وبعيداً عن كل تعصب أو ميل إلى مجرد الافتخار والاعتزاز بالتاريخ، فإننا في أمس الحاجة إلى وقفة تأمل ومراجعة لمعرفة السلبيات التي أفضت إلى نهاية الأندلس.

وإذا كنا ما فتئنا نطالب أنفسنا بالنقد الذاتي للتحرر من اجترار إيجابيات الماضي وكذا سلبياته، ومن كل العقد والمركبات التي تراكمت مصاحبة عصور التخلف، فإننا اليوم نطالب بهذا النقد أصحاب الحضارة المعاصرة، والأقوياء منهم الذين يتحكمون أو يريدون أن يتحكموا في زمام العالم، كي يراجعوا أنفسهم، ويعيدوا النظر في عقيدة المسلمين وتاريخهم وحضارتهم، حتى يزيلوا ما علق ويعلق بأذهانهم من خلط والتباس يشوشان على أية رؤية مستقبلية لعالم يسوده الأمن والاستقرار والعدل والاطمئنان، في استعداد نفسي وفكري لتعايش حقيقي تندمج به الإنسانية، في منأى عن أي مظهر من مظاهر الغلو والتعصب، وفي غير حقد أو كراهية، وما إليها من المشاعر التي يريد البعض أن يبعثها، تحاملاً على الإسلام، وتنكراً لما أسدى المسلمون للإنسانية من أياد بيضاء على الصعيد المعرفي والمنهجي، والثقافي والحضاري عامة، وما زالوا مؤهلين لأدائه.