ثـقـافـة المــاء

في الإســلام

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

عرض قدم للملتقى الدولي الثالث حول الماء

المنعقد بفـاس أيام 6-7-8 شعبان 1423هـ

الموافق 13-14-15 أكتوبر2002م،

بـتنـظيـم

من اليونسكو وأكاديمية الماء وجهات مَعْنية أخرى

في موضوع: "الماء والتنوّع الثقافي".

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

حضرات السيدات والسادة

 

      يسعدني أن أشارك في هذا الملتقى العالمي الذي تنظمه أكاديمية الماء بتعاون مع اليونسكو وجهات معنية أخرى، حول موضوع: "الماء والتنوع الثقافي"، والذي ينعقد في مدينة فاس العريقة، ذات الموقع الثقافي المتميز، والمكانة المتفردة في مضمار الماء وإبداع شبكة توزيعه منذ القديم.

 

      وأود أن أعرب عن خالص شكري وتقديري للمنظمين الذين تفضلوا بدعوتي، وكذا للمسؤولين عن المكتب الوطني للماء الشروب، وللسيد أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بربيش الذي قرب خطاي لحضور هذا الملتقى والمشاركة فيه، والذي أسعد بأن ينوب عنّي في إلقاء هذا العرض، بعد أن تعذر عليّ الحضور لظروف خاصة.

 

حضرات السيدات والسادة

 

       إن المبحث الذي طُلب مني أن أتناوله يتصل بالماء والإسلام. وحتى ينسجم مع الموضوع العام، فقد اقترحت له عنوانًا على هذا النحو: "ثقافة الماء في الإسلام" وإنه ليس بدعًا أن تلتئم العلاقة بين الثقافة و الماء.

 

       فالثقافة هي مجموع ما يختزنه الإنسان من مشاعر وأفكار ومعتقدات، يكتسبها بالوراثة والممارسة والتربية والتعليم، وما يحصله - بوعي أوْ لاوعي - من معارف وخبرات وقدرات تهذب طبعه وتربي عقله وترهف إحساسه وتحدد ملامح شخصيته. إنها بهذا أسلوب حياة ينبع مع الإنسان في البيئة التي ينشأ فيها، ويتكيف مع مختلف العناصر المكونة لها، ويبدع داخلها وبتأثيرها أنماطاً من السلوك لا تلبث أن تتحول إلى عادات وتقاليد.

 

       والماء هو أول مكون للبيئة، وأهم عنصر في إيجاد الحياة، بدءًا من الكون برُمته إلى ما فيه من إنسان وحيوان ونبات، وجميع المخلوقات التي يُعتقد أن وجود هذا الماء كان سابقًا عليها. وهو كذلك أساس بقاء الحياة بالنسبة لمختلف الكائنات التي يتوقف استمرارها على ما يتوافر لها منه، للشرب والتطهر والسقي ؛ إضافة إلى استعماله في منافع أخرى كثيرة، كالطاقة وما إليها من الأغراض التي أدرك الإنسان أهمية الماء فيها، على امتداد مراحل الحضارة البشرية ؛ مع الإشارة إلى استعماله في الكهانة والسحر، وفي الاستشفاء من بعض الأمراض.

 

       وشعورًا بهذه الأهمية التي للماء، وما لوجوده من دلالة على عظمة الخالق عز وجل، فقد أولته المجتمعات المختلفة منذ بدء الخليقة، مكانة بارزة عبرت عنها جميع الديانات السماوية وسائر الملل والنِّحل، على نحو ما تكشفه ثقافات الشعوب كافة.

 

       وقد وجدت - ومازالت توجد - معتقدات تقدس الماء وتحيط منابعه بأسرار وأساطير تبلورها في طقوس وعبادات، باعتبار هذه المنابع مواطن للآلهة أو لقوى خفية، وباعتبارها كذلك مساكن لمخلوقات خارقة، على نحو ما هو شائع عن حوريات البحر وعرائسه.

 

       ومن ثم كان للماء في الرؤية الإسلامية موقع متميز، يلخصه القرآن الكريم في قوله عز وجل: "وجعلنا من الماء كل شيء حي"(1) ؛ ويجليه مفصلاً وبشكل واضح من خلال حديثه عن ماء الإنسان المتمثل في "النطفة"، ثم الماء الذي ينزله سبحانه وتعالى "مبـاركـًا" من السماء، فيتوسل به الناس لإشباع شتى حاجاتهم وقضاء مختلف أغراضهم.

 

       وفي هذا السياق، أورد الكتاب العزيز ذكر الماء في ثلاث وستين آية، إضافة إلى آيات أخرى كثيرة تحدث فيها عن البحار والسيول والطوفان، وعن المطر وكيفية إنزاله، وعن العيون والأنهار، وما يجري منها في الجنة مما ينعم به الداخلون إليها، حيث يشربون من مائها العذب الصافي، مقابل ما يشربه أهل النار من ماء حميم يقطع الأمعاء.

       ولهذه المكانة التي للماء في الإسلام، فقد قامت حضارته وثيقة الارتباط به، إذ كان المسلمون - على غرار الذين سبقوهم في حضارات أخرى - ينشئون المدن ويقيمون العمران، قريبًا من الوديان ومنابع الماء، وحيث تكثر الآبار والعيون.

 

       وتيسيرًا منهم لوجود الماء في كل وقت، حتى حين تشح الأمطار، لاسيما ما يحتاج منه للشرب والسقي والتوضؤ والاغتسال، فإنهم لجأوا إلى شق الأنهار وحفر الترع، وبناء الخزانات والسدود، وجر القنوات، وتنظيم شبكات التوزيع، واتخاذ الحمامات والمتوضآت والسقايات العمومية في كل حي، مع العناية بالسقائين المعروفين في المغرب بـ "الگـرابـة". وهم الذين

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء الآية: 30

كانوا يوصلون الماء للدور، قبل أن يعمم توزيعه كما هو الآن؛ دون إغفال البِرك والفِسقيات المعروفة في المغرب بـ "الخَصَّات" التي غدت جزءًا من هندسة المساجد وحتى البيوت.

 

       إلى جانب هذه التدابير، لا يخفى ما كان للمسلمين من دراية بالاهتداء إلى أماكن المياه الباطنية، مما عرف عندهم بعلم "الرّيافة" و "الإنباط". وكانوا يستخرجونها بالدواليب والنواعير، أو "السواني" حسب تسميتها في المغرب.

 

       كما استعملوا وسائل تصريف المياه المستعملة حتى لا تختلط بالماء الصالح للشرب، في وقت استغلوه لتدفئة المنازل أو تبريدها، عبر قنوات تخترق الجدران. ثم إنهم اتخذوا الساعات المائية التي كانت معروفة في الحضارات السابقة، وطوروها وجعلوا لها أماكن خاصة، لاسيما في المساجد والمدارس العلمية، على نحو ما كان موجودًا في كثير من الحواضر المغربية.

 

       ومعروف أن الماء الذي كان متدفقًا في معظم المواقع المذكورة، كان خاضعًا للوقف الذي يجعل استعماله بالمجان ومن باب الإحسان، وكذا من باب أن "الناس شركاء فيه"، وفق ما في الحديث النبوي الشريف، وكما سنبين بعد.

 

       ومعروف أن الإسلام ربط بالماء كثيرًا من تكاليف العبادة، إذ جعل الطهارة شرطًا لأدائها، كالوضوء بالنسبة للصلاة لمن لم يكن على جنابة تقتضي إزالتها الغسل. ولا تتم هذه الطهارة إلاّ بالماء "الطبيعي" أو "المطلق" الذي يكون طاهرًا في نفسه ومطهرًا لغيره. أما الماء "المعتصر" أو "المضاف"، مما ينتج عن تقطير نباتات أو عصر فواكه، أو مما يكون ماء طبيعيًا ثم يضاف إلى شيء مما قطر أو عصر، فللمذاهب الفقهية فيه رأي يختلف جوازًا ومنعًا(1).

 

       ولم يستغرب بعد هذا، أن يحتل الماء مكانًا بارزًا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا سيما في التعبير الأدبي، حيث كثر الحديث فيه شعرًا ونثرًا عن البحار والأنهار والسحاب والمطر ومواطن الماء المختلفة، مع امتداح العذب منه، ووصف أوانيه وجلسات شربه، في مقارنة له أحيانًا بالخمر، وخاصة حين تمزج هاته بالماء الزلال كي تُخفَّف لمتناوليها وتستطاب.

 

       ولعناية الإسلام بالماء وما له من أثر في الحياة عامة، مع تزايد الحاجة إليه، فقد أمر بحسن استعماله والاقتصاد في هذا الاستعمال ؛ خاصة وقد جعل الله إنزاله من السماء يوازي هذه الحاجة ويستجيب لتلبيتها، إذ يقول تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء بقدَر"(2).

 

       وهذا ما جعل الرسول ص يحث على عدم الإسراف فيه عند الوضوء والغسل، مهما يكن متوافرًا ؛ إلى حد إمكان غسل الأعضاء مرتين أو حتى مرة واحدة عند قلته، بدلاً من الثلاث التي يتطلبها الوضوء الكامل. أما الزيادة عليها فمكروهة.

 

      وحرصًا على الماء الشروب عند ندرته أو غلائه أو صعوبة الوصول إليه، فقد أجاز الإسلام الوضوء بماء البحر، كما أجاز "التيمم" و "الاستجمار"

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) أباح المالكية والشافعية والحنابلة التوضؤ به وإن لم يروا استخدامه لإزالة الخبث.

(2) سورة المومنون الآية: 18

كما هو معروف. وتقديرًا لمكانة الماء وما ينتج عن استهلاكه وما قد يكلف هذا الاستهلاك، فقد جعل الإسلام الواجب في زكاة الحبوب "العُشر" إن سقيت بماء المطر أو الأنهار الجارية، في حين حدده في "نصف العشر" إن سقيت بماء تطلب تكاليف في جلبه وحفر آباره ومد قنواته.

 

       وتكميلاً لهذا الحرص على حسن استعمال الماء، دعا الإسلام إلى آداب سلوكية، من المؤكد أنها تؤثر على الكمية المستهلكة منه، كالنهي عن أن يشرب الإنسان وهو قائم، أو من فم الإناء، فضلاً عن أن يتنفس فيه حتى لا يُعاف ؛ مما يبرز مدى العناية بآداب الشرب، على نحو قوله: "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا"(1). كما دعا الإسلام إلى وسائل لتقطير الماء وتحليته وخزْنه في أحواض أو أوان، وكذا كيفية حفظه حين يكون بائتًا.

 

      وزيادة في إبراز أهمية الماء من منظور الإسلام، نبّه الحق سبحانه إلى ما قد يصيب الإنسان والحياة من هلاك، إذا هو لم ينزله، أو لو أنزله "أُُجاجا" غير صالح للاستعمال.

        

وهو اختبار يقع التعرض له عند انحباس المطر وحدوث الجفاف ؛ مما جعل الرسول (ص) يسن صلاة "الاستسقاء"، أي التوسل إلى الله والتضرع إليه، طلبًا للسقي بأداء ركعتين والاستماع إلى خطبة في الموضوع.

 

       وقد عرفت المجتمعات الإنسانية منذ القديم أزمات الماء، لاسيما في فترات الجفاف، مما جعلها تلجأ إلى الاستسقاء، على النحو الذي يتفق وما لها من معتقدات.

 

ـــــــــــــــــ

(1) رواه البيهقي عن أنس.

       وقد تواجه هذه المجتمعات نزاعات داخلية وخارجية، إذا ما آل الجفاف وندرة الماء عندها إلى المجاعة والقحط. وإن كثيرًا من مناطق العالم تعاني اليوم أزمة الماء، بسبب هذا الجفاف، في وقت تعيش مناطق أخرى معاناة الفيضانات بما تفضي إليه من هلاك وتدمير.

 

       وإن واقع هذه الأزمة يهدد بصراعات وحروب ستشن في المستقبل، للتحكم في منابع الماء، تبعًا لقلته وما ينتج عنها من حرمان السكان من الماء الشروب، وكذا ما ينتج عنها من تلوث في البيئة غالبًا ما يُؤدِّي إلى انتشار الأمراض التي تُودِي بحياة الكثيرين، والشيوخ والأطفال منهم على الخصوص.                        

 

       ومن ثم ستكون الغلبة في هذه الحروب والصراعات، للذين يتوافر لهم الماء بالتحكم في منابعه ومصادره، وللذين يمتلكون القدرة المالية والتقنية لتحلية ماء البحر، وكذا لاستخراج المياه الجوفية.

 

       وليست ندرة الماء هي وحدها المسؤولة عن هذا الواقع الذي يواجه العالم، ولكن هناك ظواهر أخرى تتدخل لتضخيمه، وأبرزها:

1- تزايد عدد السكان

2- تراجع معدل الأمطار نتيجة التغيرات المناخية

3- قلة موارد الماء غير الأمطار

4- ارتفاع معدل الاستهلاك بما يفوق نسبة تجدد المياه.

 

       وعلى الرغم من السدود الكبيرة والبحيرات التلية التي أنشئت في المغرب، فإنه يعاني عجزًا مائياً متزايدًا بسبب الجفاف وما يخلف من آثار وخيمة تنتج عنها أزمات اقتصادية واجتماعية، لاسيما في القرى والبوادي، حيث يقل الماء الصالح للشرب - بالقياس إلى المدن - وكذا حيث تتقلص تغذية المواشي ؛ إضافة إلى الانعكاس على المردود الزراعي وما يرتبط به من أمن غذائي، وإضافة كذلك إلى الهجرة التي يضطر إليها سكان المناطق المتضررة الذين ينتقلون إلى الحواضر، حيث يقيمون حولها أحزمة صفيحية، ثم لا يلبثون أن يثيروا مشكلات عويصة، كالبطالة والاضطرار بسببها إلى التسول أو السرقة أو ارتكاب جرائم فظيعة. 

 

       وقد بدأ يتبين أن الجفاف الذي يواجهه المغرب، لا يرتبط بظاهرة ظرفية عابرة - كما كان يُظن - ولكنه يشكل ظاهرة هيكلية وبنيوية تَنِم عنها عودته المنتظمة مرة كل سنتين أو ثلاث، بناء على الإحصائيات التي رصدت خلال القرن الماضي، مما يتطلب التكيف معه على جميع المستويات، وفي سائر الاستعمالات، منزلية كانت أو فلاحية أو صناعية. وتكاد الظاهرة أن تكون عامة، أي غير خاصة بالمغرب، مما استدعى عقد مؤتمرات محلية وإقليمية ودولية، ما زالت تقام اليوم بإلحاح أكثر من ذي قبل، بهدف معالجة هذه الظاهرة والتغلب على ما تخلف من أزمات.

 

       وفي هذا الصدد، أود أن ألفت النظر إلى جملة من الإجراآت الوقائية التي يلزم اتخاذها لضمان الأمن القائم على الماء، وتجنب العواقب الناتجة عن ندرته أو تلوثه. وهي إجراآت داخلة في سياق المنظور الإسلامي للماء وأهميته وضرورة حسن استعماله والاقتصاد فيه. وكنت قد ذكرت الكثير منها في ما سبق لي من كتابات في الموضوع ؛ وهي:

 

       1- الاهتمام بكيفية حفظ مياه الأمطار، واستعمالها، خاصة حين تكون غزيرة ومهدِّدة بالفيضان.

      2- زيادة العناية بالأمطار الاصطناعية.

      3- المحافظة على المياه الجوفية، وعدم الإفراط في استغلالها على مختلف المستويات، بما فيها الاستعمال الفردي المتجلي في حفر الآبار المنزلية.

      4- الحرص على عدم استعمال المياه العذبة في المجال الصناعي، وكذا محاربة تلويث الصناعة لها وللبيئة عامة.

      5- حماية موارد الماء ومصادره، ومراقبتها باستمرار، لحفظها من التلوث، وكذا من الانحسار الذي قد يصل ببعض الوديان والأنهار إلى اليبس والجفاف.

      6- العمل على مواصلة تنمية الثروة المائية بمضاعفة البحث عن مصادرها، وعن وسائل اقتصادية لتحلية ماء البحر.

      7- تقنين تشريعات واتخاذ إجراآت بهذا الصدد.

      8- تقوية شبكات التطهير، والتوسع في معالجة مياه الصرف لاستعمالها في المجالات الممكنة.

      9- مراجعة خطط التنمية بالنسبة لبعض المناطق القروية غير الصالحة للاستثمار الفلاحي، في إطار توازن بين كميات الماء اللازمة، والمكاسب التي تتيحها المزروعات ؛ مما يتطلب مراعاة المناخ المحلي والواقع المائي في هذه الخطط، وكذا الجانب الاقتصادي الراجع للمردودية.

      10- إعادة النظر في الوسائل التقليدية المستعملة في الري وسقي الأراضي الزراعية، نظرًا لما ينتج عنها من ضياع كميات هائلة من الماء ؛ مما يقتضي تطوير هذه الوسائل بما يقلل من الاستهلاك، وكذا استعمال وسيلة التقطير.

      11- إعادة النظر في المخططات العمرانية للمدن، بدءاً من بناء المساكن بحدائق فسيحة وأحواض سباحة تتطلب وفرة الماء، إلى إقامة المساحات الخضراء التي تزيد على ما هو ضروري لحفظ البيئة وتجميلها، والتي تحتاج إلى وفرة مماثلة أو تزيد، للمحافظة فيها على خضرة دائمة للعشب.

      12- مراجعة أسلوب استخراج الطاقة الكهربائية من الماء، والبحث عن وسائل أخرى لتوليدها.

      13- تحديث التقنيات، وتجديد الأجهزة المستعملة في شبكات الماء المختلفة، سواء في المنازل أو غيرها، وذلك بما يلي:

 

أ- تعميم الأنابيب والحنفيات التي تُنزل الماء بمقدار، وتتوقف تلقائيًا بمجرد عدم الاستعمال الدال عليه إبعاد اليد أو الإناء.

ب- استعمال طاردات الماء في المراحيض يكون استهلاكها أقل.

ج- ربط هذه الطاردات بشبكة للماء المستعمل الذي يعاد توظيفه.        

د- توجيه نظر الناس إلى الموقف الشرعي، والموقف الوطني كذلك، من مسألة الاستهلاك وضرورة الاقتصاد فيه، سواء في المجال الديني كالوضوء والغسل، أو في غيره كالشرب وسقي الحدائق المنزلية وغسل السيارات. وهو ما يقتضي القيام بحملة توعية واسعة لتحقيق ترشيد الاستهلاك على مستوى الأفراد والجماعات، بهدف الاقتصاد في هذا الاستهلاك ومحاربة الإسراف فيه.

هـ- ضرورة مراعاة عنصر التضامن والتكافل بين المواطنين، بالنسبة لأداء واجب استعمال الماء. وهو ما يعني إقامة عدالة بهذا الشأن تواجه السقي المفرط فيه للمساحات الخضراء وملاعب الگولف، وما إليها من مسابح فسيحة في الفنادق والمنازل. وهو ما يعني كذلك - وقبل هذا وبعد - النظر إلى المشكل، بالقياس إلى الذين يواجهون العطش مهدَّدين بالهلاك، وخاصة في المناطق القروية.

 

       وإن هذا التكافل هو المقصود في الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول (ص): "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام"(1)، إذ القصد مما الناس فيه شركاء، هو - كما سبق لي أن كتبت في الموضوع نفسه(2) "الحد الضروري واللازم الذي يحتاجونه، والذي بدونه يعرضون للهلاك وتعرقل عباداتهم. ويمكن أن يعطى مجانًا أو بثمن زهيد، ليس لقاء الماء في حد ذاته، ولكن لقاء ما يتطلب توصيله من نفقات. وقد يلجأ في هذا الباب إلى الدولة لدعمه أو إلى المحسنين. أما ما زاد على ذلك - أي على الحد الحيوي - مما يستهلكه الناس بتفاوت حسب مستوى حياتهم ومقتضى هذا المستوى وما فيه من      سعة ورفاه، فيكون بأجر، وربما بأجر تصاعدي يتناسب وما يتخذه المثرون في منازلهم من حمامات ومسابح وما إليها مما يستهلك فيه الماء بسرف شديد. ومثلها ما للنوادي والملاعب من تجهيزات رياضية، وكذا مالها من مساحات شاسعة خضراء تحتاج إلى كميات وافرة من الماء".

 

       أشكر لكم حسن إنصاتكم.

      والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

                                                                  عباس الجراري

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــ 

(1) رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عباس.

(2) كتاب "أهمية الماء في منظور الإسلام" ص: 76 -منشورات للنادي الجراري رقم: 19( 1421 هـ-2000م).