صراع أم حوار؟

 

بل هو حوار ... ولكن

 

 

 

 

 

ألقي هذا العرض في الندوة التي عقدها

 مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

 بتعاون مع معهد العالم العربي

 في باريز من 22 إلى 25 شعبان 1424هـ

 الموافـق 20-22 أكتوبر 2003م

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسائر

النبيئين والمرسلين

 

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

حضرات السيدات والسادة

 

 

       يسعدني أن أحضر هذه الندوة الثانية التي يعقدها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، بتنسيق مع المعهد العربي في باريس، والتي يدار موضوعها حول "الإسلام والغرب: تأثر وتأثير" ؛ في غير قصد لاقتران الإسلام الذي هو دين، بالغرب الذي هو مجموعة دول. ولو صيغ العنوان على هذا النحو: "العالم الإسلامي والغرب ..." لكان أوضح وأسلم، لا سيما والأمر يتعلق بتبادل التأثر والتأثير.

 

       وكما هو مسطر في البرنامج، فسوف أقدم عرضاً متصلاً بالمحور الثاني لهذا الموضوع، وهو المحور الذي طرح فيه السؤال: راع أم حوار؟". وعلى النحو الذي يبرزه عنوان هذا العرض الذي أسعد بتقديمه استهلالاً نظريا لعروض المحور، فإني لم أتردد في الإجابة عن هذا السؤال، إذ جعلتها كالآتي: "بل هو حوار ... ولكن ...".

 

       ويتضح من هذا العنوان، أن العرض قسمان:

 

       في الأول أوضح أن الحوار يفرض نفسه باعتباره المسلك الصحيح لمواجهة كل اختلاف.

 

       وفي الثاني أثير اعتراضاً أو شبه اعتراض، مفاده أنه إذا كان الحوار هو المسلك الصحيح، فإنه لكي يتحقق على نحو إيجابي يحتاج إلى شروط.

 

       نعم هو حوار وليس صراعاً، لماذا؟

 

       لن أتحدث عن حوارية الإسلام، ديناً وفكراً وممارسة، فذلكم جانب سال فيه مداد غزير، وتسنى لي شخصياً أن أنجز فيه أكثر من بحث، وهو لديكم معروف؛ ولكني سأشير إلى جوانب أخرى تحتم حواراً يبدو اليوم أكثر إلحاحاً والعالم يجتاز أزمات عصيبة، بعضها - إن لم يكن جلها - يمس المسلمين.

 

       ومنذ البدء، أقول إن مثل هذا الحوار يتطلب تحديد طرفه الآخر ؛ أي مع من يكون الحوار؟ سيقال إنه مع الغرب - كما هو واضح من عنوان الندوة - ولكن أي غرب يُقصد وما هو؟ هل هو كتلة واحدة وموقف واحد؟ أم كتل شتى ومواقف متعددة؟ ثم هل سيتم الحوار مع جميع مكونيه وسائر اتجاهاته؟ أم مع مكون واحد واتجاه معين؟ وإذا كان فما هو؟ هل هو أمريكا؟ أم أروبا؟ أم آسيا؟ وهل مع هذه أو تلك برمتها، أم مع بعض دولها؟ وهل بعد هذا يمكن أن تُذكر إسرائيل باعتبارها ربيبة الغرب في الشرق، على الرغم من اعتدائها المتوالي وعدائها المكشوف؟

 

       من هذا المنطلق، وطالما أن الحوار يفرض نفسه، فأي اعتبار يمكن أن يُعطى لما يراه صمويل هانتيجتون في "صراع الحضارات" من أن الصراع الآتي سيحدث بين الغرب الممثّل في أمريكا وأروبا من جهة، وبين الصين والعالم الإسلامي من جهة أخرى؟ مع أن التاريخ أثبت أن الحضارات لم تكن تتصارع، ولكنها كانت تتفاعل وتتعاقب ؛ ولم يكن يثير الصراع في الغالب سوى تباين الثقافات وما يكون من تشبث فيها بمقومات هوية معينة، وما تغري به من مصالح أو رغبة في بسط النفوذ.

 

       وأي اعتبار كذلك يمكن أن يعار لما يذهب إليه فوكوياما في "نهاية التاريخ"، من أن التاريخ بلغ أوجه في النظام السياسي الغربي الأمريكي، وفي الديموقراطية الليبرالية واقتصاد السوق، وأن أمريكا بمكانتها ينبغي أن تحقق هيمنتها على العالم؟

 

       ولعلي هنا أن أذكر بأن الصهيونية العالمية أخذت تعمق فكرة المواجهة مع العالم غير الغربي ؛ أي بالدرجة الأولى مع العرب والمسلمين الذين تضعفهم التفرقة، لا سيما وأن هذه المواجهة لا تستهدف الصين، أو هي في الواقع تستبعدها موقتاً لمكانتها وقوتها، مع العمل على محاصرتها. وهو ما سيتيح للغرب - وأمريكا بالذات - هيمنة وسيطرة على مناطق البترول وما تحتله هذه المناطق - أو معظمها - من مواقع استراتيجية.

 

       الحقيقة أننا في عصر العولمة التي أزالت الحدود، ويسرت إمكانات التواصل بين الأفراد والشعوب والحضارات والثقافات. وهو ما لا يمكن أن يتسنى إلا بالإقرار بجملة مسلمات، من أبرزها وحدة الجنس البشري، وتكامل البناء الحضاري والثقافي الذي هو إرث مشترك للإنسانية؛ مع الإشارة إلى أن التنوع الحضاري والثقافي إغناء لهذا البناء، وإلى أن الناس داخل هذا التنوع، في حاجة إلى التعارف وتبادل الأخذ والعطاء.

 

       وذلكم ما يحتم الحوار الذي كان دائما موجوداً، حتى حين يكون غير مباشر، أو حين يتخذ ظاهره الصراع. وبفضل هذا الحوار الصريح أو المضمر، شاعت على امتداد التاريخ قيم إنسانية، واتسعت آفاق الحياة البشرية على مختلف الأصعدة.

 

       إنه لا أحد يشك في أن الحياة المعاصرة بتطوراتها المختلفة والمتلاحقة، تثير تغيرات كثيرة، سياسية واقتصادية وعسكرية وعلمية وثقافية واجتماعية، تشيع التباسات عديدة متبادلة، وتثير اضطرابات في المفاهيم والمقومات، وتبعث في النفوس قلقاً لا يلبث أن ينعكس على معاملة الذات والآخر.

 

       وليس من شك في أن الدين - وسأعود إلى الحديث عنه - لما له من قيم ثابتة وعطاآت متجددة، وبما أراد الله أن يكون له من تأثير في البشر، يمكن أن يكون عنصر تهدئة وتطمين، وسلاحاً لمواجهة سلبيات العصر، ودواءً لمعالجة الكثير من الأمراض المتفشية فيه، وسبيلا إلى نشر العدالة والأمن والسلام بين الأفراد والشعوب ؛ لا سيما مع وجود ديانات متعايشة في كثير من البلدان المعنية بهذا الحوار، مما يدل على ما بينها من روابط توحي بإمكان التقارب.

 

       لذا، فإن الحوار مع الغرب لا ينبغي أن يستبعد عنصر الدين، ظناً بأن الدين قد انتهى في الغرب. والحقيقة أنه لم ينته، ولكن انتهت أو كادت حدة الخلافات المذهبية التي كان الغرب يعانيها، ربما بفضل التقدم العلمي، أو بسبب إدراك خطر الآخر ؛ وإن كان المسلمون لم يتغلبوا على هذه القضية بعد، على كثرة الجهود واللقاآت التي عقدت وتعقد للتقريب بين المذاهب، ولإجراء حوار إسلامي إسلامي.

 

 

       أخواتي إخواني

 

       هو إذن حوار وليس صراعاً، أو هكذا ينبغي أن يكون. ولكن هذا الحوار يقتضي جملة شروط:

 

       1- الاعـتراف بحرية الآخر وحقه في الاختيار. أقصد هنا بالنسبة للمسلمين - وهم الطرف الأضعف - حقهم في أن يختاروا ما يلائمهم من حضارة الغرب وثقافته.

 

       وحين أقول حضارة الغرب وثقافته، فإني أقول كذلك الحداثة وما بعدها. وحتى يعرفوا ما يلائمهم، ينبغي أن يتيحوا لأنفسهم فرصة التعرف إلى تلكم الحضارة والثقافة، وهذه الحداثة في جوانبها الإيجابية ؛ إن لم أقل ينبغي أن تتاح لهم هذه الفرصة، لأن الأمر لا يتعلق فقط باقتصاد وتجارة ومظاهر مادية ، ولكن قبل هذا وبعد بأفكار ومشاعر.

 

       وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين - عبر الأفكار والمشاعر - تعاملوا مع الحضارات التي احتكوا بها خلال التاريخ، وكذا مع الحضارة الغربية المعاصرة، على الرغم من موقفها، أي موقف أصحابها منهم. وكان المسلمون في السابق - ومن موقع الطرف الأقوى - يعملون على إحداث التوازن مع الآخر، والحفاظ على هذا التوازن. وهو ما أعطى للحضارة الإسلامية تألقها وإشعاعها. ولعل هذا هو ما تفتقده الحضارة الغربية اليوم، بنهجها سياسة الفرض والإجبار، ومعها سياسة الإقصاء والإلغاء.

 

       2- قبول التعامل معه - أي مع الآخر - سواء أكان متفقاً مع الطرف المحاور له أو مختلفاً معه، في الجنس أو اللون أو الدين، أو ما يرتبط بذلك كله من معرفة وثقافة وسلوك، مع الالتزام بهذا القبول باحترام وبفكر واقعي، وبمعرفة صحيحة ؛ مع توسيع الأفق وإزالة الأوهام المشاعة عنه.

       وذلكم ما يتطلب إدراك حقيقته، وبذل جهد للتغلب على الجهل به فضلاً عن تجاهله. كما يتطلب تجنب تشويهه، وعـدم الاحتراس منه أو التخوف، مهما تكن درجة الاختلاف معه ؛ وكذا عدم استصغار شأنه مهما يكن ضعيفاً.

 

       ولاشك أن مثل هذا السلوك يفضي إلى عدم إلصاق المآسي التي تعانيها البشرية اليوم به، أو بالدين الذي ينتمي إليه. كما يفضي إلى البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف هذه المآسي، ولا سيما ظاهرة التطرف والإرهاب. وهي أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، قبل أن تكون معزوة إلى الدين الذي تقلص للأسف مفعوله في التربية والتعليم والثقافة، تحت وطأة الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية، وما صاحب هذا الاستعمار أو نتج عنه من تسرب مذاهب وإيديولوجيات معادية للدين أو تكاد ؛ وإن كان - ومنذ سنوات غير قليلة - يعيش صحوة تحتاج إلى ترشيد حتى لا تتعرض لأي تشويه أو تحريف.

 

       3- مع هذا السلوك، يلزم التخلي عن سياسة الاستعلاء، وعن الوهم بامتلاك الحقيقة، والتخلي نتيجة ذلك عن احتقار الآخر ؛ مما سيؤدي حتماً إلى الاعتراف به وبثقافته وقيمه، وقبول الجلوس معه حول مائدة الحوار، بجميع مجالات هذا الحوار السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها ؛ دون التهيب من طرح الأسئلة الصعبة، أو التحرج من إثارة بعض المشكلات المعقدة والقضايا المتأزمة المزمنة، ولكن في لجوء إلى المصارحة، وعون على إيجاد الحلول، واقتناع بأن الآخر ليس خصماً أو عدواً.

 

       4- ينبغي ألا يقتصر الأمر على الاعتراف بالآخر، ولكن ينبغي كذلك مساعدته وإعانته - إن كان معوزا - على حماية موروثاته الحضارية والثقافية، واكتساب ما يغنيها من جديد؛ مع الرغبة الصادقة في تبادل التجارب معه والأخذ والعطاء، وفي البحث عن القواسم المشتركة، لتأسيس أرضية صلبة للحوار. وهو ما يعني إقامة جسور مع الآخر، تخفف من حدة الاختلاف معه، وتدعو إلى الاستفادة منه. وقد تُمكن من الاتفاق معه على مجموعة من القيم للنهج عليها، بدءًا من حقوق الإنسان الأساسية. كما تمكن من إشراكه في اتخاذ القرارات الحاسمة، وفي مواصلة بناء الكيان الإنساني، وفي مواجهة الأخطار والتهديدات التي تنذر بانهيار البشرية.

 

       إن الفرق كبير بين أن تكون جماعة ما واحدة متفردة بإدراك الحقيقة واتخاذ القرار وفرضه، وبين أن تكون هذه الجماعة مشتركة في ذلك مع غيرها، متعاونة ومتآزرة ومتكاملة.

 

       5- مع الاعتراف بالآخر ومساعدته، يلزم تبادل الاحترام معه، بكل ما يقتضي هذا الاحترام من تقدير وتوقير وتكريم واعتبار، وكذا الإشادة بما له من مكانة، وإبداء الرغبة في الاقتراب منه، والانفتاح عليه، والسعي إلى مزيد من التعرف إلى آرائه وأفكاره وخصائصه ومزاياه، للاقتباس منها والتقوّي بها ؛ مع انتفاء كل محاولة - كما أشير من قبل - للاستصغار أو الاستهانة، فضلاً عن الاحتقار والاعتداء، وما قد يترتب عن هذا السلوك الاستعلائي من أحكام مسبقة مهينة، ترى أن كل ما عند الآخر أو هو متصل به سيء وغير صالح، يستوجب عزله وتهميشه، ثم القضاء أو الهيمنة عليه.

 

       وعلى الرغم من أهمية الحوار مع طرف مماثل - أي الحوار الذاتي كالحوار الإسلامي الإسلامي مثلاً - فإن الحوار غالباً ما ينصرف عند الحديث عنه، إلى طرف مخالف يقتضي في أولى مراحله معرفة هذا الطرف، في الجانب أو الجوانب التي يراد فيها محاورته، إن كان ديناً أو حضارة أو ثقافة، أو غير ذلك مما يكون إطاراً للمحاورة ؛ مع العلم أن هذه الجوانب وما إليها تشكل مجالا أو مجالات للاختلاف قد تمس الفكر والقيم، ومع اعتبار هذا الاختلاف وما ينتج عنه من تنوع وتعدد ، ظاهرة بشرية رافقت الإنسانية  في جميع مراحلها، منذ خلق الله الكون والإنسان،  وجعل الاختلاف فيهما وفي متعلقاتهما من آياته، على تعدد درجاته واتساع دوائره. وقد بين تعالى كيف ينبغي أن يتم التعايش داخل هذا الاختلاف بالتعارف، حتى لا يقع التصادم.

 

       ومع أن التاريخ أثبت أن هذه الظاهرة كانت تفضي أحيانا إلى التنازع وإلى المواجهة التي قد تتطور إلى صراع وحتى إلى شن الحرب، فإنه أثبت كذلك أنها كانت في الغالب تحث على التفاهم والتفاعل، وعلى الاقتباس والإبداع والتنافس فيهما، وأنها بذلك حققت التطور الذي عرفته البشرية.

 

       6- لعل من أبرز أسباب الاختلاف، ما يكون متصلا بالدين، مما يستوجب العودة في هذا العرض إلى إثارة المسألة الدينية. فغير خاف أن الاختلاف في الدين والعرق بانعكاساتهما الحضارية والثقافية، وما لها من تأثيرات اقتصادية واجتماعية، كان كثيراً ما يشكل أساساً لمعظم الصراعات البشرية، أو يتخذ وسيلة لتبرير هذه الصراعات وإضفاء الشرعية عليها.

 

       هذا مع العلم أن الدين - وقد غدا اليوم بِجهلٍ واجهة للصراع - يستدعي مراجعة فهم الناس له ولقيمه، وتصحيح ما الصق به من تحريف، حتى يعود له دوره الكبير في إزالة عوامل التوتر والصراع، وفي إشاعة التفاهم وإحلال السلام ؛ مع الدعوة إلى أن يطبق كل أصحاب دين قيمه بصدق، قبل أن يبحثوا عن القيم المشتركة مع غيرهم.

 

       إن الدين من حيث هو ولا سيما في صيغته التي اكتملت بالإسلام - يدعو إلى الوسطية والاعتدال، وإلى المحبة والعدل والسلام، وإلى التآزر والتضامن، وإلى تحقيق رسالة الإنسان في الكون بحمل الأمانة التي عرضها الله تعالى على أعظم مخلوقاته ، فأبت حملها وحملها الإنسان.

 

       ثم إن الحاجة ماسة في ظل التطورات العالمية الجديدة وما رافقها من دعوة لعولمة تحاول أن تحتوي كل شيء، إلى أن يعار كبير الاهتمام للجانب الإنساني في الحياة، بما يُكونه من دين وفكر وثقافة. وهو ما يستوجب إعادة النظر في الموقف من الدين، لاستعادة دوره وبعث رسالته على نحو صحيح، باعتباره مقوماً للحياة والسلوك، وفاتحاً لآفاق النمو البشري، وليس وسيلـة تستغل لتحقيق هدف معين، فضلاً عن أن يكون هذا الهدف غير سليم ؛ وباعتباره كذلك أداة تطوير وتجديد وتقدم، وليس أداة تخلف وتأخر وانحطاط. كما أنه إلى جانب هذا الاعتبار، ينبغي الاقتناع بصلاحية الدين لمعالجة كثير من الأدواء التي تعانيها البشرية اليوم.

 

       وتحقيقاً لهذا الهدف وغيره مما يعين الدين على إدراكه - وهو كثير - يتحتم تجنب تعميق ما بين الأديان السماوية من فوارق، بأن يُركز على ما بينها من اتفاق في الأصل، بعيداً عما بينها في الفروع من خلاف لو لم يكن موجوداً لكانت ديناً واحداً.

 

       وينبغي إلى جانب هذا، أن يعتبر الحوار في هذه الأديان، حوار حياة لا حوار عقيدة ولاهوت ؛ وذلكم بتحويله إلى فعل في هذه الحياة، لاسيما بالنسبة للإيمان والسلوك، مما قد لا يُحتاج معه في سياق الحوار إلى محاولة تعميق العمل على التقريب بين الديانات. على أن التعامل مع الدين أو غيره من مقومات الكيان، يقتضي اللجوء باستمرار إلى النقد الذاتي، لتصويب أخطاء الاجتهاد وهفوات الممارسة، وتصحيح نهج المسير.

 

       أما بعد هذا كله، وحتى يعطي الحوار الإسلامي مع الغرب المسيحي ثماره، فإنه ينبغي العمل على تنقية الذاكرة وتصفية النفوس من رواسب الماضي، بأن تقدم الكنيسة اعتذارها للمسلمين عن الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ؛ وذلكم على غرار الاعتذار الذي قدمته لليهود في قضية المحرقة، وكذا حين صرح البابا بأن المسيحيين لم يكن لهم الموقف اللازم ضد النازية، ثم حين دعا قداسته إلى تعديل العهد الجديد وتجريده من كل ما يمس اليهود ؛ دون أن ننسى احتفال الفاتيكان بالذكرى الخمسين لقيام إسرائيل، في وقت تعمل هذه على تدمير الشعب الفلسطيني المدافع ببسالة عن أرضه وحريته وكرامته.

 

       أشكر لكم حسن إنصاتكم

       والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.