مقومات الذات:

من النقـد إلى التفعيـل

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

عرض مقدم للندوة الدولية التي تعقدها

المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)،

بتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة الكويت،

في موضوع: "تفعيل مقومات الهوية الثقافية الإسلامية

في مجال الفهم والتفاهم بين الشعوب والحضارات".

وذلك بالرباط أيام 8-9-10 صفر 1428هـ الموافقة 26-27-28 فبراير 2007م

 

لسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

معالي رئيس الجلسة أخي الكريم الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

 

 

       بابتهاج فائق وسرور بالغ أحضر هذه الندوة الدولية الهامة التي تعقدها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، بتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت الشقيقة، في موضوع: "تفعيل مقومات الهوية الثقافية الإسلامية في مجال الفهم والتفاهم بين الشعوب والحضارات". ويسعدني أن أشارك فيها بعرض يتناول: "مقومات الذات: من النقد إلى التفعيل".

 

 

حضرات السيدات والسادة

 

      في خضم ما يعيشه العالم من أحداث وما يعاني من غليان، نقف     – نحن العربَ والمسلمين – وقد صُوبت نحونا سهام الاتهام بالعنف والإرهاب، والعجزِ عن الاندماج في العصر ومواكبة ركب التقدم الذي يعرفه.

 

      ولعل من المحتم علينا في هذا السياق، وقبل أن نلقي باللائمة على غيرنا، أن نسأل أنفسنا عما كان واجباً علينا أن نقوم به لصدِّ مثل تلك السهام وردّها. وإن هذا الواجب ليبدو اليوم أكثر إلحاحاً، سواء نحو ذاتنا أو نحو الآخر، بقصد تعديل الصورة التي تبرز ملامح سلبيةً تتنافى وما كان ينبغي أن تكون عليه ؛ ليس في نظره هو فحسب ولكن، قبل ذلك وبعد، في نظرنا نحن المَعْنيين والمسؤولين عن هذا التعديل الذي ينبغي أن يكون منصفاً ومقنعاً.

 

      وإن من الإنصاف أن نشير إلى أننا محتاجون إلى الاقتناع والإقناع بأن الصراعاتِ القائمةَ الآن ليست وليدة خلافات عقَدية بين المسلمين وغيرهم، أو فيما بينهم، ولكنها نتاج صدام مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية، ونتاجُ الرغبة في التحكم وفرض السيطرة بعد ذلك.

 

      وإن هذه السيطرة لتتجسد اليوم في العولمة التي غدت كالأخطبوط الممتد بأطرافه لاحتواء كل ما حوله. والحق أننا حين نتحدث عن هذه العولمة التي أصبحت تفرض نفسها على الجميع، نحتاج إلى أن نفرق بين نوعين منها:

 

      أما الأول فهو المتمثل في العولمة الاقتصادية التي يبدو لأول وهلة أنه لا خطر منها، ولكنها لا تلبث أن تَكشف المخاطر الكبرى التي تتهدد الاقتصادات الوطنية التي ستواجه النفوذ المالي للتكتلات الرأسمالية القابضة على زمام هذه العولمة ؛ في وقت لا تستطيع تلكم الاقتصادات، لا سيما في غياب مجموعات إقليمية، أن تصمد لتنافس الإنتاج والتسويق، بعد أن زالت الحواجز والقيود التي تعوق حرية تنقل البضائع. وهو ما كشفته الوضعية الحالية بعد أن أُغرقت الأسواق المحلية بسلع أجنبية كثيرة، هي في أغلبها أقل جودة من البضائع الوطنية، ولكنها أرخص منها ؛ مما يجعل المواطنين في مجتمعاتنا بحكم إمكاناتهم المحدودة، يقبلون عليها لإشباع حاجاتهم، دون النظر إلى مستوى الجودة.

      وأما النوع الثاني فهو المتجلي في العولمة الثقافية التي لا مجال لقبولها، فضلاً عن الانخراط فيها كما هي، أي على حساب قيمنا الثقافية ومقوماتنا الحضارية التي سيكون علينا أن نضعها جانباً للارتماء في أحضان قيم ومقومات يفرضها المبشرون بهذه العولمة والمتحكمون فيها، بسبب التقدم الذي أحرزوه.

 

      إلا أنه مهما يكن مستوى هذا التقدمِ الذي بلغه الآخر على مختلف الأصعدة وجميع المستويات، إلى حد أصابه بعقدة التفوق، فإنه لا يمكنه إغلاق الباب دون الذي ما زال يتخبط في متاهات التخلف ويعاني بدوره عقدته ؛ بل إن عليه أن يقترب منه ويحاوره ليفهمه ويتعاون معه، مثلما الحاجة قائمة بإلحاح على هذا المتخلف لكي يبذل جهداً مضاعفاً عساه يلحق بصاحبه ويبادله التعارف والتآلف. ولعل المطلبين معاً متداخلان، أي لا إمكان لبلوغ أحدهما إلا بمدِّ اليد إلى الطرف المواجه له والتنسيق معه.

 

      وما نقصده من هذا الأمر، ليس هو إعادة التجربة الاستعمارية التي كانت فرصة أمام الدول الأوروبية المتقدمة يومئذ، لإعانة البلدان التي استعمرَتْها على الوصول إلى بعض مراقي التقدم، ولكنها فشلت بسبب المنظور الاستعلائي الذي كان للمستعمِر وطبيعةِ سلوكه مع المستعمَر، والحرصِ على عدم فتح أية نافذة أمامه ليطور نفسه ويخرج من الحالة التي أرْدته لقمة سائغة.

 

      ومن ثم، فإن الذي نقصد إليه هو مد يد العون للمجتمعات النامية كي تنهض للحاق بالركب ؛ وذلك بإمدادها بالأدوات التي من شأنها أن تحقق هذا اللحاق. ونعني بالأدوات ما يُعتبر مفاتيح للتقدم، وليس فقط لاستهلاك إنتاجه. وحتى في غير هذه الحال، فلا أقل من ترك الأدمغة المؤهَّلة في هذه المجتمعات تقوم بما في إمكانها داخل أوطانها، ولعل في إمكانها الكثير بدلاً من استقطابها وإغرائها بالهجرة. وهذه لا شك مسؤولية كبرى تتحمل عبئَها الدولُ الوطنية التي لم تلتفت بعد إلى مثل هذا الدور، منشغلة بالمشاكل الأمنية الآنية الناجمة عن هذه الهجرة.

 

** ** **

 

      هنا تثار الذات باعتبارها إشكالية معقدة، تقتضي لحلها أن يُنظر إليها بموضوعية هي وحدها الموصلة إلى فض ما بها من تشابك.

 

      ونود منذ البدء أن نُذكر بأن الإنسان – في فطرته – مجبول على حب ذاته، ولكن الحب الحق ليس هو الذي يُصنِّم هذه الذات، ويقدسها إلى حد مَرَضي يجعلها عاجزة عن التفاعل، سواء مع نفسها أو مع غيرها، ولكنه هو الذي يحرر صاحبها ويحثه على تحريرها، حتى تصبح قادرة على ذلكم التفاعل الذي يُفضي إلى فهم الآخر وكذا إدراكِ مدى تعلقه بذاته، والذي نعتبره الخطوة الأولى نحو الحوار الصحيح، إن لم يكن مرادفاً له. ومتى تحقق التفاعل على هذا النحو بين الذاتين، أمكن الوصول إلى ما يتوخى من ذلكم الحوار. على أن التحرر المطلوب هو الذي ينبغي أن يقودنا إلى التعامل مع الذات، في غير انغلاق، وبمرونة تجعلنا قادرين على فحصها بدقة وعمق، أي على نقدها بعقل وفكر، لاستبعاد ما داخَلَها من شوائب وسلبيات على مر الحقب والعهود.

 

      هذا مع العلم أن الانغلاق على الذات، دون التفتح على الآخر، ليس نابعاً فقط من موقف أناني محتمل يقدس تلك الذات، ويرفض هذا الآخر، ولكن كذلك لأن الحمولة الذاتية غنية وممتدة في مضمار تراثنا الحضاري والثقافي. وهي بهذا لا تجد، بل لن تجد سهولة في التخلي ولو عن بعض ما أصبح كاهلُها مثقلاً به.

 

      ومع ذلك، فإن مجهوداً كبيراً ينبغي أن يُبذل لاستبعاد ما قد يكون في هذا التراث من جوانب مشوبة، أو هي لم تعد نافعة في هذا العصر وما يكتنفه من تحديات ومشكلات. ورغم هذا، فإننا إذا كنا نؤكد ضرورة التخلي عن التوجّه الأناني في التمسك بالذات، فإننا لا نغفل وجوب عدم الخلط بين هذا التأكيد وبين المطلب الضروري لحاجتنا الماسة إلى بث روح التمسك بهذه الذات والتشبثِ بها، في تقدير لها واعتزاز، وفي محاورتها كذلك. وتلكم معادلة لا شك في أن حلها ليس بالأمر اليسير.

 

** ** **

 

      وما نتوخاه من حل لهذه المعادلة – رغم صعوبتها – هو تصفية الذات، ومنحُها القدرة على محاورة الآخر وإقناعِه بالدليل العقلي والمثال السلوكي، مع السعي إلى إبلاغ جميع نخبه وسائر فئات مجتمعاته، مثلما نحن مطالبون بمخاطبة نخبنا وطبقات مجتمعاتنا كافة.

 

      والتصفية تبدأ من النقد، أعني نقد الذات الذي كثيراً ما تحدثنا ونتحدث عن الحاجة الملحة إليه، والبدءِ به قبل أي شيء آخر. إلا أن هذا الحديث غالباً ما يبقى مجرد كلام يذاع أو شعارٍ يشاع، إذ يظل مفرغاً من أي مضمون يبلوره ويضبطه.

 

      ولعل السؤال المطروح، أو الذي علينا أن نطرحه، هو: ما المطلوب من هذا النقد ؟ وما هي غايته ؟ وليس الجواب بالأمر العسير، وإن كان تنفيذه يثير كثيراً من العسر، إن لم يكن مرفوضاً عند البعض.

 

      والسبب أن النقد المتوخَّى يقتضي أن يمس عدداً من التقاليد الثقافية والاجتماعية التي تراكمت على امتداد قرون، وأن يمس قبل هذا وبعد مجموعة من المفاهيم والتأويلات المتداولة، والتي حَجَّرت بتداولها المصنَّم كل محاولة لإعادة النظر في النصوص الأساسية المشكلة لفكر الأمة، وفي طليعتها نصوص التراث الإسلامي الذي أصبح اليوم عرضة أكثر من غيره للطعن والاتهام، والذي نحتاج إلى تجديد قراءته وتأمله وتفسيره والاجتهاد فيه، بمناهج عقلية وروح تحديثية، وفق معطيات العصر المتطورة وتطلعاتنا فيه.

 

      ولعل القضايا العقدية والتشريعية مما تقوم عليه من قواعد ثابتة أن يكون لها حظ من هذه القراءة المتجددة، إذ بها سيُتجاوز عن كثير من الخلافات التي قسَّمت الأمة، والتي ارتبطت بالفقه الإسلامي، في سعي إلى تقريب حقيقي بين المذاهب، في غير غلو ولا تشدد، وليس إلى توحيدها كما يُظن، فضلاً عن محاولة فرض مذهب معين أو التبشير به، سواء في السر أو العلن، بغية تحقيق الاستقطاب، مما يزيد في تعميق الطائفية والمذهبية رغبةً في بلوغ أهداف سياسية.

 

      من هنا، فإن الحديث عن الذات في اتجاه نقدها يحتاج إلى أن نَكشف أموراً كثيرة، منها:

 

أولاً: الحاجة إلى التعرف على الأسس الصحيحة التي نهضنا بها، وإعادةِ النظر فيها وتأملها لتجنب ما أصابنا من تخلف بالانحراف عنها.

 

ثانياً: الحاجة إلى التعرف على أسباب هذا الانحراف.

 

      ومع ذلك، فمهما حاولنا إبراز الحقائق الذاتية والتعريفَ بها، ومحاولةَ إقناع الآخر بها بعد تصفية إرثها مما يشوبها ويشينها، فإن شيئا من ذلك لن يتم ما لم يُصاحَب بالتطبيق وإعطاءِ صورة ملموسة عنا عبر جميع أشكال السلوك الفردي والجماعي، وليس فقط بمجرد الكلام.

 

** ** **

 

      وإننا حين نتحدث عن ضرورة تصفية إرث الذات بهذا الأسلوب، فلأننا نريد أن يتم الاحتفاظ لهذا الإرث بجوهره، وليس بما ارتبط به من مظاهر، على نحو ما نشاهده اليوم من تمسك بعض المسلمين بعادات وتقاليد هي ليست من صميم ما نحن مطالبون بإحيائه والارتكاز عليه، وإثارتِهم مشاكل بذلك، على غرار ما هو مُثار حول الحجاب واللحية واللباس عموماً، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة.

 

      ومثل هذا ما يطرح كذلك من قضايا مفتعلة، يتسارع المفتون – بحق وبباطل – إلى تشريحها والحسم فيها تحريماً وتحليلاً، كمسألة إمامة المرأة وكيفية أداء الصلاة، في ميل إلى شكليات بتشدد يؤثر على بعض المسلمين، ولا سيما البسطاء منهم قليلي المعرفة الدينية، يرتمون في أحضانه، خاصة حين يرون شيوع بعض الانحراف والانحلال في المجتمع، من غير أن يُحرَّك ساكن لردعه.

      يضاف إلى ذلك، ما يخطط لاستفزاز مشاعر المسلمين، قصد شغلهم بمس المقدسات، كادعاء بابا الفاتيكان أن الإسلام دين لاعقلاني وعنيف، وكالرسوم التشويهية التي وُضعت لنبينا الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. وهي بطبيعتها والموقف منها تحرك الغيرة وتستدعي الرد والدفاع، ولكنها في نهاية الأمر – وكما هو المقصود من إثارتها – تلهي عن مواجهة التحديات الحقيقية، الخارجيةِ منها والداخلية.

 

      فمعروف أن تحديات خارجية وسياسات أجنبية تهدد الكيانات الوطنية وتشكل خطراً عليها، غير أن هذه الكيانات نفسها تعاني أخطاراً عليها من الداخل، بسبب اضطرابات ذاتية تبدأ من قُطرية عليلة، لتصل – كما بينا – إلى طائفية قومية عرقية ومذهبية دينية ضيقة تؤدي إلى الاقتتال، على نحو ما نعيشه كل يوم ونعانيه من شتى مظاهر الفتنة، سواء ما كان منها موقظا أو ما كان نائماً ويتم إيقاظه. وهو مما لا شك تستغله القوى العالمية المغرضة لمزيد من التشتيت والتفتيت، وحتى يبقى لها المجال متسعاً للتدخل والتصرف، وفق ما يحقق لها كل ما تصبو إليه من مطامح ومطامع.

 

      وإن أية أمة ممزقة ومفرقة لا يمكنها أن تعي ذاتها، فضلاً عن ذات غيرها. والوعي هنا ينصب في البداية على إدراك ما فيها من مواطن الخلل، أي جوانب التخلف التي يتحمل عبء الانتباه والتنبيه إليها ومعالجتها وتصحيحها، أو تجاوزها والتخلي عنها للحاق بركب التقدم والرقي، جميع المسؤولين القائمين على شؤون هذه الأمة، ولا سيما النخب السياسية والفكرية التي غلب على بعضها التسابق إلى السلطة والتهافت على المناصب، فلا ترى ما حولها وما ينخر جسمها المتآكل ؛ في وقت غلب على البعض الآخر شعور يائس أفضى بهم إلى الانعزال والتفرج على المشهد، بسخرية حيناً وتألم حيناً آخر، في تشرذم وإحباط، ولا مبالاة بما يقع.

 

      وإذا كنا نلح على عنصر النخب في الأمة، ولا سيما النخبة الثقافية، فلأنها هي المسؤولة – أو المفروض أن تكون المسؤولة – عن توعية المواطنين وتربيتهم وتكوينهم، وطنياً وعلمياً بكل ما يتطلبه العلم المعاصر من أدوات وآليات ؛ ولأنها بقدر ما يكون لها من مصداقية يكون لها من تأثير عليهم.

 

      وإن هذا الدور الأساسي والحيوي الذي ينهض به المثقفون – قبل غيرهم – هو الذي يميزهم على الصعيد المجتمعي. وهو الذي يمنحهم مركز الصدارة في الفكر والإبداع، وما ينشأ عنهما من منظور للشأن العام، بدءاً من تحريك المياه الراكدة لتنقيتها، إلى تغيير الواقع، ثم إلى إنتاج ما هو أفضل منه.

 

      ومتى تخلت النخبة عن أداء هذا الدور، أو تقاعست في أدائه، فإنها مع مرور الوقت تفقد نفوذها، وتجد نفسها متجاوزة أو في وضع هامشي، تاركة المقعد فارغاً لمن يملأه، أي إلى نخبة ناشئة، مؤهلة بثقافتها الجديدة ونوع تكوينها وطبيعة رؤاها للحاضر والمستقبل.

 

      وإلحاحنا على نقد ذاتنا لتُعافَى وتَصح وتقوَى، لا ينبغي أن يُخفي ضرورة قيام الآخر بمثل هذا النقد الذي هو في أمس الحاجة إليه. وإن عليه فيه أن يبدأ بتغيير عقليته القائمة على تفوقه، والنظر إلى غيره بدونية واحتقار.

 

      وهي مسؤولية نخبه السياسية والثقافية التي آن الأوان لتدرك مدى استبداد الجهات العسكرية والاقتصادية، وتحكمها في مختلف المصالح. ولن تستطيع بلوغ هذا الإدراك، إلا إذا استرجعت مكانتها ونظرت بموضوعية إلى ذاتها، واستعدت لتنظر إلى الآخر بإنصاف. والذات والآخر هنا يتبادلان المواقع، حسبما يمليه السياق. وهما مطالبان في جميع الأحوال بتحاور حقيقي، هو وحده المؤدي إلى تبادل الأخذ والعطاء، أي إلى التفاعل.

 

** ** **

 

      ولكي يتم مثل هذا التحاور وينجح في بلوغ مقاصده، فإنه لا بد من توافر شروط، أهمها:

 

أولاً: الرغبة فيه والاقتناع بجدواه وبضرورة إجرائه، لإنقاذ البشرية من         الصراعات والكوارث التي تتهددها.

 

ثانياً: تحديد محاوره الحقيقية التي من شأنها إذا ما أثيرت أن تفضي إلى        بلوغ غاياته.

 

ثالثاً: عدم التحرج فيه من طرح جميع التساؤلات التي تدور في خلد      الطرفين، وما يكنه كلاهما من تخوفات وما يضمره من دفائن مسكوت عنها تحتاج إلى أن تكشف وتوضح ليُبدَّد ما هو منها مجرد    وهم وباطل.

 

رابعاً: تنقية مجاله من المشكلات التي يعانيها الطرف المستضعَف. وهي   مشكلات متعددة، أبرزها ما يحدث في الشرق الأوسط والعراق، وكذا    احتلال فلسطين وما له من تداعيات تزيد حدة بالخلافات الداخلية وما    تقوم به إسرائيل اليوم من حفر يصيب كيان المسجد الأقصى في       العمق، ويسعى إلى تغيير معالم القدس الشريف،  بكل ما يضمر هذا      التغيير من نوايا عدوانية.

 

خامساً: اعتباره أساس التغلب على الاختلاف، في نطاق ما يميز كل طرف،    وما يغني الإنسانية في مضمار التواصل بين الحضارات والثقافات،     وكذا في نطاق حقوق الإنسان، وخاصة منها ما يتعلق بالهوية وما لها     من مكونات أساسية، وما للدين فيها من أهمية ؛ دون الخلط بينه وبين   ما يُنْسب إليه ظلماً وعدواناً من إرهاب هو في حقيقته ظاهرة عالمية      لها أسبابها الموضوعية المعروفة.

 

سادساً: العناية فيه بالتعريف بحقائق الدين وقيمه الإنسانية العليا، وما يمكن      أن يَجمع الديانات كافة ؛ في غير مس بالجوانب الاعتقادية      والممارسات التعبدية.

 

سابعاً: الاتفاق على قواعد خلقية ومقاييس سلوكية يمكن أن يقع الإجماع   عليها، باعتبار أن القيم المثلى واحدة أو تكاد ؛ أقصد تلكم التي توجه      الإنسان في تصرفاته وتتحكم فيه. هذا مع العلم أننا حين نشير – نحن      المسلمين – إلى القيم الإسلامية، ويشير المسيحيون – على سبيل المثال – إلى قيمهم، فإن ذلك يكون لا شك سبيلاً إلى التلاقي والتفاهم     على الصعيد الإنساني. والسبب أن هذا الجانب لا يمكن إلا أن يكون       مستجيباً لما جاءت به الأديان، والذي فيه يكمن خير البشرية جمعاء.

 

ثامناً: الدخول فيه بروح متسامح متفتح، قابل للأخذ والعطاء، وساع إلى   امتصاص مشاعر الكره المتبادلة بين الطرفين، بإزالة العوامل المغذية    لها، وفي طليعتها مساندة الولايات المتحدة الأمريكية المطلقة      لإسرائيل.

 

تاسعاً: تشكيل هيئة حكماء من مختلف الأطراف، للإشراف عليه وإجرائه،      ومباشرة مقتضياته ؛ مع ضرورة إشراك جميع النخب لإغناء    أرضيته، توخياً للإجماع حوله، وكذا إشراك سائر فئات المجتمع، ولا     سيما الشباب المؤهل لاستلام المشعل واقتحام عدد من الميادين لم تكن   مطروقة من قبل.

 

عاشراً: إيلاؤه أولوية تجعله حوار إصغاءٍ وتأمل واعتبار، وليس حوار صُم     لا يُسمَع ولا يَبقى له أثر.

 

      وبعد، فإننا نود – إلحاقاً بهذه الشروط – أن نضيف أننا إذا كنا نريد أن نقتنع نحن بجدوى الحوار ونقنع به غيرنا، فإن ذلك يقتضي من هذا الغير أن يلغي أي وهم بإمكان إلغائنا، أو تهميشنا، أو الاستخفاف بنا، أو تشويهنا، على اعتبار أنه هو وحده على حق، وأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن معرفته هي الصحيحة، وأن توجهه هو السليم. وهذا يعني أن ينظر إلينا بعين المساواة وما تستدعي من احترام وتقدير، ومن انفتاح وتفاهم، ليصل الأمر إلى التلاقي والتعايش، ثم إلى التعاون الممكن.

 

      وذلكم ما يؤدي إلى ترجيح عناصر الائتلاف وتغليبِها على جوانب الاختلاف، ويفتح الطريق لتفعيل الهويات الثقافية وجعلها قادرة بحق على التفاعل. هذا مع تأكيد أن ما نشترطه على الآخر نشترطه في البدء على أنفسنا.

 

      أشكر لكم حسن إنصاتكم.

      والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

عباس الجراري