التأثير الموريسكي في الطرب المغربي

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

 

 

عرض قدم للحلقة الثانية من ندوة لجنة التراث بأكاديمية المملكة المغربية حول الموريسكيين، أيام 22 ـ 23 ـ 24 ـ جمادى الثانية 1421 ه الموافق 21 ـ 22 ـ 23 شتنبر 2000 م بمدينة شفشاون.

 


 

      ليس من السهل الحديث عن التأثير ـ أي تأثير ـ لاسيما فيما يتعلق بالمجالات الثقافية.والسبب أن الثقافة تتسرب في المجتمع ببطء، وأن هذا التسرب يحتاج إلى قابلية لامتصاصه واستيعابه.

      وعلى الرغم من أن هذا الموضوع صعب وشائك،  فإننا سنحاول تناول التأثير الموريسكي في الطرب المغربي من خلال ثلاثة محاور:

الأول:يبحث في الأنماط الغنائية والموسيقية التي كانت شائعة في المغرب قبل التأثر بما حملته الهجرات الموريسكية، والتي كانت في عمومها مزيجا من الأنغام البربرية المحلية العريقة، وما حملته الحضارة العربية الإسلامية، مما هو متأثر بنظام القصيدة الشعرية والألحان الوافدة.

ويشار في هذا المجال إلى ما يلي:

      1 ـ ما كان منتشرا في الحواضر، وغالبا ما كان مرتبطا بالأذكار والأوراد المنثورة والمنظومة، وإنشادات "فقراء"الزوايا والطرق. ومن أبرزها "الملحون"، في اعتماد على السرد والترتيل أكثر من اعتماده على الأداء الملحن والمنغم . ومثله المرددات المتصلة بمناسبات الأفراح وغيرها مثل "العروبيات"و"السلاماتي"،مما كان يؤدى موقعا، وربما كان مرافقا بالزغاريد والولاويل ومصحوبا بالضرب على "لكوالات" أو "التعارج"، مع استعمال"الطبول"و"الغيطات".

      2 ـ ما كان سائدا في بوادي السهول، كسهل زمور وسوس حيث عرفت بعض الإيقاعات القائمة في أدائها على "المزمار"وبعض الآلات الصدمية ولاسيما "لكوال"و"البندير"وكذا آلات وترية أولية وأهمها "الكنبري".

ولعل بعض هذه الأنماط البدوية كان يواكب مناسبات الحصاد وما كان فيها من رقص جماعي يشترك فيه النساء والرجال.

وقد اشتهرت "العيطة "في مناطق "الحوز"كعبدة ودكالة والشاوية والرحامنة. ويطلق عليها "العيطة المرساوية "تمييزا لها عن "العيطة الملالية"الآتي ذكرها بعد.

      3 ـ ما كان معروفا في الجبال، ومقترنا في معظمه بالرقص مثل "حيدوس"في الأطلس المتوسط، و"أحواش"في الأطلس الكبير. وهي رقصات جماعية تعتمد الصياح والتصفيق والضرب على الأرض بالأقدام، كما تعتمد بعض الآلات الصدمية، وخاصة "البندير".وفي بعض تجمعات الأطلس الصغير، يغلب استعمال "الطبول"الكبيرة.

وتجدر الإشارة إلى بعض المرددات المنتشرة في رحاب المناطق الجبلية ك"الطقطوقة"و"أعيوع"في الشمال و"العيطة الملالية"وما هو شبيه بذلك.

الثاني:يستعرض العوامل التي كانت فاعلة في التأثير، والتي امتدت في الحقيقة على مدى نحو تسعة قرون، منذ تم فتح الأندلس على يد المغاربة إلى أن انتقلت آخر الهجرات الأندلسية إلى المغرب.

ويمكن إجمالها في عاملين أساسيين:

1 ـ التواصل الذي كان بين المغرب والأندلس، ولا سيما في عهود الوحدة بين البلدين. وكان تأثيره بطيئا وبالتدريج، مما كان مسايرا لطبيعة العلاقات وما كان يطغى عليها من أهداف، لم تكن الجوانب الحضارية والثقافية إلا تابعة لها.

2 ـ الهجرات الأندلسية إلى المغرب، ويميز فيها بين أشكال ثلاثة:

      أ ـ الهجرات الأولى التي كانت محدودة، والتي كانت تتمثل في وفود الأندلسيين أفرادا أو جماعات، إما في إطار رسمي أو غيره، أو حتى لظروف خاصة، على نحو قدوم عدد كبير من الفقهاء على إثر ثورة الربض في عهد إدريس الثاني . ومثلهم أولئك الذين استقدمهم الموحدون في عهد عبد الواحد الرشيد عام 637 ه (1240 م)لتعمير مدينة الرباط.

      ب ـ الهجرات التي وقعت موذنة بانهيار دولة الإسلام بالأندلس، بدءا من سقوط قرطبة (1236 م) وبلنسية  (1238 م) وإشبيلية(1248م)، إلى سقوط قادس والمرية وكل الشاطئ  (1485 ـ 1489 )،ثم تسليم غرناطة عام 897 ه (1492 م).

      ج ـ الهجرات الكبيرة التي قام بها الأندلسيون الذين بقوا تحت الحكم الإسباني، بعد نحو قرن من تسليم غرناطة. وهم الذين عرفوا ب "الموريسكيين"،على اختلاف في تعريفهم، إن كانوا هم الذين حافظوا على إسلامهم أو الذين أخفوا دينهم وأظهروا التنصر.وكانوا قد عانوا محنا شديدة طوال هذه الفترة، وإن حاولوا القيام ببعض الانتفاضات.

      وبهذا يتضح ما يلي:

أولا:أن التأثير الأندلسي بدأ قبل هجرات الموريسكيين.

ثانيا: أن تأثيرهم هو تجميع أو خلاصة لما كان من تأثير للأندلس في المغرب حضاريا وثقافيا على مدى تسعة قرون.

ثالثا :أنهم كانوا قد ضعفوا حين هاجروا إلى المغرب، بسبب معاناتهم؛ وما حملوه هو الصبابة التي حافظوا عليها أثناء المحنة.

رابعا:أن تأثيرهم ـ مع ذلك ـ كان قويا لسببين:

      1 ـ للتعاطف الذي كان بين المغاربة وهؤلاء المتمسكين بدينهم.

2 ـ للمنظور الذي أصبح للمغاربة بعد أن انتهى وجودهم

في الأندلس، وغدوا مستعدين لقبول الأندلسيين أكثر من ذي قبل، إلى درجة الاعتزاز والافتخار.

الثالث:مظاهر التأثير.

      وتتجلى في مظهرين بارزين:

      1 ـ دخول أنماط موسيقية جديدة، هي:

            أ ـ "الآلة" أو ما اشتهر ب "الموسيقى الأندلسية"وهي ـ كما يدل عليها اسمها ـ تعتمد الأداء الآلي القائم على الوتريات والصدميات وبصفة خاصة على الرباب والعود والطر (ضابط الإيقاع)، وإن كان هذا الأداء يرتكز على نصوص شعرية لضبط إيقاعاته، وخاصة من الموشحات والأزجال.وهي بناء متكامل محكم ومنظم يقوم على نوبات وصلت منها إحدى عشرة نوبة ، هي الأصبهان ـ الحجاز الكبير ـ الحجاز المشرقي ـ العشاق ـ الماية ـ رمل الماية ـ الرصد ـ غريبة الحسين ـ رصد الذيل ـ عراق العجم ـ الاستهلال الذي يبدو أنه من إضافات المغاربة.

والنوبة عبارة عن مجموع المكونات النصية واللحنية التي يتشكل منها العمل الموسيقي، في نظام تركيبي معقد ومنضبط. وهي تقابل ما كان معروفا في المشرق بالدور أو المرة.

 وتؤدى على طبوع خمسة هي: البسيط ـ القائم ونصف ـ البطايحي ـ القدام ـ الدرج الذي يرجح أنه من إضافات المغاربة.

ووفق موازين هذه الطبوع تقوم الهيكلة اللحنية والأدائية على النحو الآتي:

            .)تقسيم الميزان:

                  ـ التصديرة(افتتاح بطئ)

                  ـ القنطرة.

                  ـ الانصراف(إقفال الميزان بسرعة).

.)التراتن(شغل)التي يقصد منها إلى إغناء اللحن وإشباعه بمثل:أنانا ـ طيري طان يالالان.

.)الجواب الذي تعاد به بعض المقاطع اللحنية التي تنشد عليها أبيات الصنعة .

.)البغيات أو التواشي، ومثلها المشاليات. وهي معزوفات آلية تكون كمقدمات وقد تميزت في المغرب بحكم نوع الهجرات مدرسة لها أصول بلنسية وغرناطية، وكان لها ظهور في بعض الحواضر ولا سيما فاس وتطوان وشفشاون والرباط ، في حين تأثرت الجزائر بمدرسة قرطبة، كما طغت على تونس المدرسة الإشبيلية.

            ب ـ الطرب الغرناطي، ونميل إلى أنه النمط الذي حمله الموريسكيون. فعلى الرغم من كونه من "الآلة" إذ كان يطلق عليه "نوبة غرناطة"، إلا أنه يختص ببعض الملامح التي تتجلى نصا وأداء في طغيان النفس الحزين والإيقاع البطئ مما لا شك يعكس المعاناة القاسية التي كابدها هؤلاء على مدى نحو قرن قبل أن يستقروا في المغرب. ثم إنه بحكم هذه الظروف الصعبة غدا متقلصا بالنسبة لأصله الذي هو "الآلة"،إذ يقتصر على مدخل يعزف بآلة وترية قد تكون العود أو ما إليها مثل "المندولين".وبعده يقوم المنشد بأداء موال يرافقه عزف بالآلة نفسها، ثم تنشد القصيدة في إطار موسيقي يستعان فيه بعدد من الآلات ويظهر صوت المنشد تعقب أداءه في كل مرة ترديدات المجموعة الصوتية المصاحبة له.

 وقد ظهر في المغرب اتجاهان لهذا الطرب: أحدهما في الرباط متأثر مباشرة بالأصل الغرناطي. والثاني في وجدة، وفيه بصمات مما كان رائجا من هذا الطرب في القطر الجزائري، ولا سيما في تلمسان.

ومن الأعلام الرباطيين في هذا الطرب ـ والآلة على العموم ـ ممن عاشوا في القرن الماضي يذكر:محمد الرطل، والحاج قاسم بنعسيلة، والمكي الفكيكي، وأحمد زنيبر، وعبد السلام بن يوسف، وبا محمد اكديرة، والمختار الوديي، والطيب بلكاهية، ومصطفى المعروفي، ومحمد السبيع، ومحمد امبيركو، والمكي امبيركو، وأحمد بناني .ويرفع لواء هذا الفن اليوم السيد أحمد بِّيرو.

      2 ـ تطوير بعض الأنماط التقليدية، ونكتفي فيه بالإشارة إلى ملمحين:

            أ ـ تأثر كثير من الأنواع الغنائية في أدائها بألحان "الآلة".ويظهر ذلك في أداء أشكال غنائية وفي إنشاد قصائد "الملحون"بصفة خاصة، إذ لم تعد تعتمد مجرد السرد، ولكن غدت منغمة ومؤداة بالآلات، وأهمها "الكوال".

ويكفي التمثيل في "الملحون" بقصيدتين:

            .) قصيدة" التوبة" لمحمد بن سليمان وفي خرجتها يقول:

            يا راسي لا تشقى            ألتاعب لابد من لفراق

            لا تامن فالدنيا               ابناسها غرارا

            فهي تؤدى على نوبة "عراق العجم".

            .) قصيدة "المزيان" لعبد القادر العلمي، وهذه حربتها:

            حن واشفق واعطف برضاك ياالمزيان

            لا اسماحا ميعاد الله يا الهاجر

            فإن أداءها يبدأ على الاستهلال ثم يتم الانتقال إلى رمل الماية فالحجاز .

      وقد مس التأثر في "الملحون" كذلك نظام الأداء، إذ يبدأ المنشد "القصيدة" بمقدمة قد تكون "سرابة" أو "موالا" أو "تمويلة" يتبعها "الدخول" ثم "الحربة"التي هي اللازمة، وبعدها "القسم" الذي يفصل تكرار "الحربة" بينه وبين قسم آخر، لتختم "القصيدة"بجزء يطلق عليه "الدريدكة"ويتميز بالأداء السريع.

      ومثل هذا يقال عن فن "السماع" الذي يتمثل في الأناشيد التي كان يستمع إليها قائمة على السرد والترتيل، والتي كان يغلب عليها الطابع الديني، ولا سيما ما يتصل منه بالمديح النبوي، وإن شاعت التسمية لتشمل كل ما يتعلق بالموسيقى والغناء.

وقد رافق هذا التطوير استعمال آلات موسيقية في أداء بعض الأنماط المحلية، كالغناء السوسي الذي دخله "الرباب"، إلى جانب ما كان معروفا من آلات، ك"البندير" و"الحديدة"و"المقص". وشاع ذلك حتى تميز "الرباب" السوسي في شكله عن "الرباب" المعروف في " الآلة"؛ إلا أن يكون غناء سوس قد عرف "الرباب" قبل.

      ب ـ تأثر وضع كلمات الأغاني بما حملته النصوص الشعرية والتوشيحية والزجلية التي كان يعتمد عليها أداء "الآلة". وتنطبق هذه الظاهرة على كثير من الأشكال الغنائية التي دخلتها الإيقاعات العروضية في تلويناتها الجديدة، وأبرزها "الملحون" الذي كانت" قصائده"قائمة على وحدة البيت والقافية، ثم لم تلبث أن وسعت نطاق إيقاعاتها بما يبرز في الأوزان الآتية:

      .) المبيت ومنه "المثنى" القائم على بيت من شطرين، ثم "الثلاثي" المكون من ثلاثة أشطار، و"المربوع" أو "الرباعي" من أربعة و"خامس لشطار" أو "الخماسي" من خمسة.

      .) مكسور الجناح ويتكون من أقسام كل واحد منها يبدأ ب "الدخول" الذي هو عبارة عن شطر (صدر) بدون عجز، تتبعه مجموعة أشطار قصيرة يطلق عليها "لكراسا"أو "لمطيلعات"؛ بعدها ياتي بيت على وزن "الحربة"وقافيتها، ثم يختم بالحربة.

      .)المشتب، ويتكون من أقسام يتشكل كل واحد من بيت يفصل بين أول أشطاره وبقيتها بمجموعة أشطار تسمى كذلك "لمطيلعات" .

      .)السوسي ويكثر استعماله في "المحاورات" وتتشكل قصيدته من أقسام كل منها يتضمن بيتا من شطرين ثم مجموعة أشطار حرة الوزن والقافية وبعدها بيتان أو ثلاثة موزونة ومقفاة، على وزنها وقافيتها تبنى "الحربة".

      وتجدر الإشارة إلى أن النصوص الشعرية التي تعتمدها "الآلة" ـ من قصائد وتواشيح وأزجال ـ قد تأثرت بدورها بأشعار ملحونة. وهو ما يتجلى في "البراول" التي غالبا ما تؤدى على طبع "الدرج"، مما يرجح أن هذا الطبع من إضافات المغاربة كما مر.

 

      النظم على غرار النصوص التوشيحية والزجلية = البراول. 

 

عباس الجراري.