منطلقات

لخطاب إسلامي معاصر

 

 

 

 

عباس الجراري

عضو مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي

 

 

 

 

 

عرض مقدم للمؤتمر الإسلامي الدولي

الذي نظمته مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي،

في عمّّان، بالمملكة الأردنية الهاشمية،

في الفترة من 27 إلى 29 جمادى الأولى 1426هـ

الموافق لـ 4 إلى 6 يوليوز 2005م.

 

 

 

 

 

 

لسم الله وبه أستعين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

السيد رئيس الجلسة

أصحاب الفضيلة العلماء والأساتذة

حضرات السيدات والسادة

 

 

      بسعادة غامرة مقرونة باعتزاز كبير، أحضر هذا المؤتمر الإسلامي الدولي الذي تُشرف على تنظيمه مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي الموقرة، استجابة لما نبه إليه صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم حفظه الله في "رسالة عمّان"(1) من ضرورة بحث الأزمة التي يجتازها العالم الإسلامي ووسائل تجاوزها ورفع تحدياتها المختلفة.

 

      وقد زاد في سعادتي واعتزازي اقتراح اللجنة المنظمة لهذا المؤتمر أن أشارك فيه بالكتابة في موضوع "الخطاب الإسلامي المعاصر". وهو ما أرجو أن أوفق إلى تناوله من خلال هذا العرض الذي أشرف بتقديمه إلى حضراتكم، والذي سأركز فيه على "منطلقات" ذاك الخطاب.

 

ـــــــــــــــــــ

(1) قرئت هذه الرسالة ـ وفق ما جاء في خطاب الدعوة الذي تلقاه الكاتب من مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي ـ ليلة السابع والعشرين من رمضان المبارك عام 1425هـ بحضرة جلالته، في افتتاح مسجد الهاشميين بمدينة عمّان، وأذن أيده الله أن تكون مرتكزاً للبحث والتخطيط لعمل بنَّاء مُجد لخدمة المسلمين يقوم عليه المتبصرون من علماء الأمة الوعاة، كما أذن جلالته أن تقوم على ذلك لجنة عالمية للتخطيط والإشراف على عقد مؤتمر إسلامي دولي ؛ ووجه وزير البلاط الملكي الهاشمي الدعوة لأعضاء تلك اللجنة، فعقدت اجتماعاتها وأعدت تقريراً مفصلاً ناقشت فيه مختلف القضايا المتصلة، وانتهت إلى الاتفاق على تعيين موضوع المؤتمر وضبط محاوره التي استمدت من نص "رسالة عمان"، مع إسناد رئاسة الأمانة العامة لهذا المؤتمر إلى مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي.

أيها الإخوة الكرام

 

      إن كل من يتأمل الأزمة التي يعانيها المسلمون اليوم، ينتهي إلى أنه لا مخرج منها ولا حل لمشكلاتها الشائكة إلا بالإصلاح.

 

      لقد أصبح هذا الإصلاح قضية حتمية، ليس فقط بحكم ناموس الحياة القائم على التطوير الدائم لهذه الحياة، ولكن كذلك لأن واقع الشعوب الإسلامية - بحكم تلكم الأزمة - غدا يوجب هذا الإصلاح ؛ إضافة إلى ما تفرضه العولمة من تعامل.

 

      إلا أن هذا التعامل لا يمكن أن يكون سَوِياً، أي صالحاً لتلك الشعوب، إلاّ إذا كان قائماً على ما لديها من قيم ومقومات، وفي طليعتها الثقافة التي ينبغي أن تكون قويّة حتى تستطيع المشاركة في العصر، إن لم نقل المواجهة لتحدياته، وحتى يتسنى لها قبل هذا وبعد، أن تستفيد من تلك العولمة وما فيها من إيجابيات لاشك أن الأخذ بها والانخراط فيها يؤديان إلى دعم الفكر الإصلاحي الداخلي، وإسعافه في تحقيق التغيير المأمول.

 

      وبذلك يخرج هذا الفكر من مجال الحلم والخيال، ومن مجرد التذمر والرفض، إلى مرحلة الإسهام الفاعل والمؤثر في العملية التغييرية ؛ بدءاً من نقد ذاتي بدونه لن تتاح أية مشاركة إيجابية في هذه العملية.

 

      صحيح أن المسلمين اليوم - وبحكم الظروف المتطورة والمعقدة التي يجتازونها داخلية وخارجية - مقبلون بكل تأكيد على مرحلة إصلاحية جذرية مفروض عليهم فيها أن يراجعوا كل تنظيماتهم وجميع شؤونهم، سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها. وهو ما لن يتأتى لهم على النحو السليم، إلاّ إذا بدأوا بالثقافة واستندوا إليها دعامة أساسية.               

 

      وصحيح كذلك أن الحديث شاع في الآونة الأخيرة، وعلى مختلف الأصعدة عن الإصلاح. إلا أنه غالباً ما يوجه في خط دعائي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه سلبي مُوحىً به من الخارج، بل مفروض من جهات معينة تعمد به إلى التخويف والتهديد؛ بعيداً عما هو مرجو له من تصحيح داخلي للمفاهيم والأفكار وأنماط السلوك، سواء على مستوى المسؤولين أو سائر هيآت المجتمع بمختلف تياراتها والأفراد، بقصد مواجهة القضايا الوطنية بجد، وليس بمجرد إطلاق شعارات إصلاحية.

 

      وذلكم ما يقتضي من المسؤولين أن يقتنعوا بأنه لا إصلاح بدون الإصغاء إلى القوى الداخلية والتعاون معها، وعلى رأسها قوى الثقافة. ولعلنا أن ننبه إلى أنه حتى الذين لا يرون في الإصلاح إلا جانبه السياسي أو الاقتصادي، فإن عليهم أن يراعوا ما لهذين الجانبين من اتصال بجوانب أخرى ثقافية واجتماعية هي التي تؤثر إن لم تكن توجه وتتحكم.

 

      وغير خاف أن العنصر الثقافي هو أساس اختلاف وجهات النظر للعولمة على مستوى الأوطان والشعوب التي ترى ضرورة التعدد الثقافي وتمارسه في تمسك واعتزاز بثقافتها الخاصة، ورفض للانسلاخ عنها باعتبارها أحد مكونات الهوية الذاتية. 

 

      إن الإصلاح حين ينطلق من الثقافة ومن البعد التغييري فيها، فإنه لاشك سيقويها في مجالاتها كافة، لتشع وتحدث بهذا الإشعاع فرصة لتنوير فكري قادر بوعيه الجديد على أداء دوره، وقادر كذلك على الصمود في وجه كل فكر مضاد وصدِّّه.

 

      والإيمان بأن الإصلاح الشامل ينبغي أن تكون انطلاقته ثقافية، نابع من الاقتناع بأنه لا جدوى من أي إصلاح، ما لم ينظر إلى المجتمع وقيمه وحاجاته وجميع ما يصبو إليه، ليس الآن أو على المدى القريب فحسب، ولكن على الأمد البعيد كذلك. وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الثقافة التي هي المفتاح لكل تقدم ورقي.

 

      إن الإشكال الذي يواجه المسلمين اليوم هو كيفية الاستجابة لهذا المطلب الملح الذي أخذ يفرض نفسه - سواء من الداخل أو الخارج - بضغوط شديدة لا مفر أمامها من الوصول إلى الحل الناجع لهذا الإشكال.

 

      ويكمن هذا الحل فى إيجاد التوافق اللازم بين حاجات الإصلاح ولوازم تحقيقه، وبين حقيقة الذات وثوابت الهوية، لا سيما وأن غير قليل من جوانب هذا الإصلاح تربطه بما عند الآخر الذي ينطلق من ذات مختلفة وثوابت مغايرة، وقبل ذلك وبعد يتحفز من مصالح يسعى إلى بلوغها، مهما يكن الثمن الذي يدفعه الطرف المستضعف.

 

      ويكاد الدّين أن يكون الثابت الأول الذي لا إمكان لإزاحته والتخلي عنه، لرسوخه في أعماق المجتمع، ولتاريخيته كذلك، ثم لأنه كان دائماً الدرع الواقية من كل أخطار الأزمات التي واجهت هذا المجتمع، على نحو ما وقع أثناء مقاومة الاستعمار.

 

      ومن هنا، غالباً ما يوضع الدين - خطأً - في مواجهة الحداثة التي تُُرْبَط - خطأ كذلك - بالإلحاد في صيغ مختلفة للائكية والعلمانية.

 

** ** **

 

      لذا، واقتناعاً منا بأنه لا سبيل لأي إصلاح تتطلع إليه الأمة الإسلامية، ما لم تنطلق فيه من مراجعة ثقافتها وما تنبني عليه من خطاب، فإنا نرى أن إبداع هذا الخطاب الذي يجب أن يكون إسلاميا ومعاصراً وجديداً، هو أساس كل محاولة للتحديث الذي كثر الحديث عنه وتعددت نداآته شرقاً وغرباً، وبدت معالم فرضه على المسلمين من الخارج على نحو غير ملائم لهم في الغالب.

 

      وأظننا في غير حاجة إلا أن نؤكد أن هذا الخطاب، وهو يتسم بطابع الإسلام، ينبغي أن يكون نابعاً من فكر المسلمين بكل ما فيه من تعدد وتنوع، نتيجة استيعابه لثقافات الشعوب المختلفة التي تدين بهذا الدين.

 

      كما ينبغي أن يكون مؤهلاً لإيجاد صيغة سليمة يميز فيها بين حقائق الإسلام الصحيحة والثابتة، وبين ما داخلها من شوائب وبدع وقع التركيز عليها وإبرازها خلال عصور الانحطاط، فأفرزت تقاليد جامدة مست حتى صلب العقيدة، وعمقت الخلافات بين المسلمين.

 

      ولن يتأتى شيء من ذلك للخطاب المقصود، إليه إلا إذا لَفَت النظر ونَبَّه بحزم وصرامة إلى أهمية الثقافة، أي إلى الفكر والمعرفة والتراث والبحث العلمي ومراكزه، وما إليها من معاهد وجامعات تشكو الفقر للأسف في جانب الدراسات العلمية الرصينة، بسبب عدم العناية بها والتشجيع عليها، رغم وفرة الأساتذة العلماء الباحثين الذين يعانون تبعات هذا الفقر داخل مؤسساتهم، ويضطر بعضهم بسببه إلى الهجرة لبلـدان أجنبيـة حيث يلقون ما يفتقدونه في أوطانهم.

 

      إن الفكر الإسلامي لم يعد اليوم - كما كان في السابق - محصوراً في علوم معينة ومعارف محددة، كان علماء الوقت قادرين على اكتسابها وتبليغها مهما يكن فيها من تنوع. وهو التنوع الذي كان ينقلها من الفقهي الشرعي إلى المنطقي والعقلي، ثم الأدبي والفني ؛ مع الإشارة إلى أن العلم الديني كان هو المَعْبر لما سواه.

 

      وذلكم ما يتحتم أخذه بعين الاعتبار، بعد أن اتسع نطاق ذاك الفكر باتساع آفاق الفكر الإنساني، ولا سيما بعد أن تعالت أصوات هنا وهناك تنادي بإبعاد الدين عن غيره من المجالات، مع الزعم أنه لا سبيل للنهوض إلا بالاستجابة لهذه المناداة.

 

      ومع اعتماد الخطاب الإسلامي الجديد على ذلك الفكر المتسع، بل وحتى يؤتي هذا الاعتماد ثماره، فإنه يلزم القيام بنقد الذات، بدءاً من الإجحام عن تحطيمها بما يبث فيها الفشل والإحباط نتيجة ما تعاني من تخلف، إلى التخلي عن تضخيمها والإفراط في التغني بما كان لها من أمجاد، وفي إشاعة شعارات استعلائية مفرغة من أي مضمون، أو كان لها مضمون في السابق، ولكنها لم تعد اليوم ذات أي مغزى أو مدلول.

 

      إننا إذ نُثير مسألة النقد الذاتي - ونعود إليها - فلأننا نراه لازماً وضرورياً، ولأننا لا نريد أن يستبد بنا وبالأجيال الحالية والقادمة شعور بالضعف والانهزام. فإنه ما زال في مقدورنا أن نواجه ليس الآخر فحسب، ولكن أن نواجه قبل ذلك أنفسنا، ونعمل جادين على تقويمها وتصحيحها. وهو ما يتحمل المفكرون مسؤوليته، ويجب أن يتحملوها في مختلف جوانبها وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها بنضالية متفائلة. 

 

      ولاشك أن مثل هذا الموقف الموضوعي سيقود في الوقت نفسه - بتسامح - إلى الكف عن الطعن في الآخر ورفضه، على الرغم من تقدمه، ومن إمساكه بخيوط هذا التقدم، يتحكم بها في مصير الشعوب المتخلفة ليملي عليها منظوره لإصلاح أحوالها. ولسنا في حاجة إلى أن نوضح أن الكف المطلوب رهين بعدم تجاوز الحدود. وإذا ما حدث هذا التجاوز، فإنه يستوجب الرد والمواجهة. وما قضية تدنيس المصحف الشريف عنا ببعيدة.

 

      ومن المؤكد أن هذا الموقف المتسامح سيؤدي إلى السعي لامتلاك تلك الخيوط وما يشدها من علوم ومعارف، ومن قيم سلوكية كذلك بما تدعو إليه من جدية واستقامة وحث على العمل والإنتاج. وهي القيم نفسها التي سبق الإسلام إلى التبشير بها والدعوة إليها، والتي بها استطاع المسلمون الأوائل أن ينشئوا حضارة زاهية وثقافة مزدهرة.

 

      وهو ما يفضي إلي البحث عن العوامل الحقيقية التي أدت بالمسلمين إلى التوقف عن مواصلة هذا المسير الحضاري والثقافي المتألق وإلى التخلي - نتيجة ذلك - عن ركب الإنسانية المتفوق ؛ وذلكم من خلال السؤال الذي غدا تقليدياً يتردد: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟".

 

      في هذا السياق، يبدو أن من أولويات تجديد الخطاب الإسلامي أن ينطلق من الوعي بواقع المرحلة التاريخية وما يعتمل فيها من مشكلات عميقة ومعضلات دقيقة، كمسألة النظام السياسي أو قضية الحكم في الإسلام(2). فهي - إلى جانب ما تستلزم من اجتهاد - تحتاج إلى أن يُمهَّد الطريق لها نفسياً وفكرياً، وأن تخف حدة الوقوف منها في حلبة الصراع والرفض، سواء من طرف خصوم الإسلام أو من قِبل المتخوفين بين المسلمين الداعين للعلمانية من أن يتحول الأمر إلى كهنوت طاغ ومتجبر، أو إلى نظام حكم يعتمد الدين ورجاله لإخفاء استبداده أو تبريره.

 

      ولعل تقوية الروح الديني من خلال قيم المجتمع ومقومات الحياة الخاصة والعامة لأفراده، أن يكون السبيل إلى أن تنهج المؤسسات خط الإسلام في كل مجالاته، ولا سيما السياسية والاقتصادية ؛ دون الانشغال بمشكلات مفتعلة، لا يقصد منها إلى غير العبث بشؤون الدين واستفزاز المسلمين، على نحو ما أثير حول إمامة المرأة، مما لا يعدو أن يكون مجرد بدعة قُصد منها إلى شغلهم عن الواقع المرير الذي يعانون أزماته على واجهات شتى ومستويات متعددة.

 

      وحتى يتسنى للخطاب المتطلَّع إليه أن ينهض بدوره في هذا المجال، فإنه ينبغي أن يكون متحليّا بالشجاعة الفكرية التي بها يستطيع مواجهة المشاكل الحقيقية بحلول ناجعة، والتي بها يستطيع كذلك استشراف المستقبـل

 

 

ــــــــــــــــــــــــ

(2) انظر في هذه المسألة ما كتبه صاحب العرض في مؤلفيه:

    - الإسلام واللائكية (معرفة الإسلام) - الرباط 1424هـ=2003م -منشورات النادي الجراري رقم: 26

    - الدولة في الإسلام (رؤية عصرية) - الرباط 1425هـ=2004م -منشورات النادي الجراري رقم: 27

وما قد يكون فيه من سلبيات مخبأة تحتاج إلى أن ترسم لها خطط كي تستأصل قبل أن تظهر وتستفحل ؛ حتى ولو اقتضى الأمر البحث عن بدائل لمعظم الاختيارات القائمة التي أظهرت تجاربها المديدة والمتكررة أنها عاجزة عن إيجاد تلك الحلول، وأنها في أحسن الأحوال تردد شعارات مهدئة ومسكنة، لعدم مصداقيتها، ولصدورها في الغالب عمن لا يتوافرون على الأهلية اللازمة، فضلاً عن الروح الإسلامي الذي هو المنطلق والأساس.

 

      لذا، فإن الخطاب الإسلامي المعاصر ينبغي أن يتصدره العلماء الحقيقيون، يوجهونه ويقودونه في انسجام مع الأمة التي تشارك فيه بفعالية، بعيدا عن أي مظهر للامبالاة أو الصدام، بل باستعداد للدفاع عنه ومواصلة بنائه ومتابعة تطويره، لمزيد من التمكن من رفع كل التحديات ؛ بدءا من محو الملامح المشوهة التي يراد إلصاقها بالإسلام، ولا سيما ملمح التطرف والإرهاب الذي لم يعد خافياً على أحد أنه ظاهرة عالمية، وأن نشأته الأولى تمت خارج البلاد الإسلامية، وأن أسبابه والدوافع إليه معروفة.

 

      ونظراً لأن القصد من هذا التشويه هو تنفير المسلمين من دينهم الذي هو بريء من مثل هذه التهمة، فإنه لابد للخطاب الإسلامي الجديد أن ينطلق من تأكيد البعد الروحي في نفس المسلم، عبر توثيق الصلة بالباري عز وجل ودينه الحنيف. وهو ما يتحقق بفهم صحيح للعبادات وإدراك للدور الذي لها، ليس فقط فيما يتصل بهذه الصلة، ولكن كذلك بما ينشأ عنها من سلوك سليم تجاه الذات والآخر، بكل ما يمكن أن يُقوِّم هذا السلوك ويوجهه نحو نسْج علاقات إنسانية تهدف إلى إشاعة الخير والنفع، وإلى بث الأمل في المستقبل وفي الأجيال الصاعدة.

 

      إننا - لهذا - نريده خطاباً ينزع من أفراد الأمة ما يَسكُنهم من يأس وجزع وتذمر واستلاب، وكل أسباب الفشل والإحباط ومظاهر الاغتراب والانهزام، ويعيد إليهم الثقة في نفسهم ودينهم ووطنهم ولغتهم وثقافتهم، ويبعث فيهم الحيوية وإمكانات النهوض والقدرة على أخذ المبادرة وعلى تحقيق النجاح وبلوغ الرقي والتقدم.

 

      وليس يخفى أن هذا الخطاب التصحيحي سيكون بالتأكيد مقنعاً ليس فقط للقائمين عليه والساعين إلى المشاركة فيه، ولكن كذلك لجميع أفراد الأمة حتى يتجاوبوا معه ويتفاعلوا بوعي ومعرفة وإيجاب، وقبل ذلك بإدراك لإشكالية التخلف بجميع أسبابه الداخلية والخارجية، وما يحتاج للتغلب عليها، وكذا ما يقابلها من متطلبات التقدم، على نحو ما سبق ذكره.

 

      والإقناع لا ينبغي أن يقتصر على هذا الخطاب من حيث هو يشكل أدبيات تُنشأ أو تبدع، أو تعاليم تُسطَّر وتقنَّن - وقد يتغنى بها إطراء وتمجيداً - ولكن من حيث هو يتضمن مشروعاً للإصلاح الشامل، بكل ما يقتضي هذا الإصلاح من تجديد وتغيير، ومن جدية في العمل لتنفيذه، وإشراك للجميع في ذلك بحميمية وغيرة وحماس، وفي مجال من الحرية كبير ومتسع ؛ مع التوسل بمختلف الأدوات التي أوجدتها ثورة الاتصالات على صعيد الأنترنيت، وكذا على مستوى البث التلفزي، والإعلامي عامة، وما لذلك وغيره من أثر كبير في التواصل، إضافة إلى أدوات التبليغ التقليدية.

 

      وإذا ما اتضحت هذه الأبعاد، فإن الخطاب الإسلامي المرجو إحداثه سيكون مقنعاً ليس فقط للمومنين بالتوجه الإسلامي، ولكن حتى للذين يرفضون هذا التوجه من المفكرين المسلمين الذين يرون في ثقافة الغرب السبيل الوحيد للخلاص والخروج من حلقة التخلف ؛ لأنهم ليسوا بالضرورة خصوماً لذلك التوجه، بقدر ما هم مقتنعون بأنه متجاوز، وبأن الدوران في فلكه ولو بالدعوة إلى إصلاحه لن يكون مجدياً في شيء.

 

      إن الهدف من هذه العملية الإقناعية، هو إيجاد توافق بين مختلف مكونات المجتمع وبنياته. والتوافق يقتضي مبدئياً أن يكون الخطاب جامعاً لما هو مشترك بين المسلمين كافة، ومستبعداً لما هو بينهم مُفرق ؛ ولكن يقتضي في الوقت ذاته قبول الاختلاف القائم بين سائر توجهاتهم، مهما يكن بينها من تعارض أو تناقض ؛ في مراعاة لمصالح هذا المجتمع المستقبلية، شريطة إيجاد قنوات للاتصال بين كل هذه التوجهات.

 

      ويلزم تبعاً لذلك وَصْلُ هذه القنوات مع غير المسلمين عبْر قيم تكون أساس كل تحاور وتعاون ؛ مع تحديد الأولويات التي ينبغي البدء بها والتركيز عليها، وفق ما سبقت الإشارة إليه ؛ مما تحتمه المرحلة التاريخية الدقيقة التي يجتازها العالم الذي يجب على المسلمين ألاّ ينعزلوا عن ركبه أو يتخلفوا عنه، بل أن يندمجوا فيه بأن يكونوا شركاء بما عندهم في بنائه وتقدمه، وليس عالة عليه وعلى الممسكين بزمام قيادته.

 

** ** **

 

      وبعد، فإن الحاجة ماسة بإلحاح إلى خطاب إسلامي يقدم صورة جديدة عن قيمنا ومبادئنا، وعن واقعنا كذلك، ثم عن تطلعات شعوبنا وما نسعى إلى أن نكونه في المآل القريب والبعيد.

 

      ومثل هذه الصورة لا يمكن أن تكون صحيحة إلا إذا كانت تعبر عنّا بحق، أي بما يجعلنا نُصدق أنفسنا ونعترف بالأدواء التي تفتك فينا وتشدنا إلى مزيد من التخلف والانهيار، ثم بما يجعل غيرنا يتعامل معنا بشيء من الثقة الموصلة إلى الاقتناع بخطابنا المعاصر، مقارنة بخطابنا التراثي الذي لم يعد له وجود على النحو الذي ما زلنا نثيره، رغم ما بين الخطـابيـن من تباعد أو تضادّ.

 

      وتلكم مسؤولية علمائنا ومفكرينا الذين هم مدعوون إلى أن ينفضوا عنهم غبار الخمول والعجز والإحباط واليأس من التغيير، والاكتفاء بالتفرج على الواقع أو التشفي مما يحدث فيه، طالما أنهم لا يد لهم فيه.

 

      كما أنهم مدعوون إلى أن يستعيدوا دورهم الريادي، باعتبارهم الآلة الأساسية في كل ما يحرك المجتمع، بأن يثيروا قضاياه، ويفكروا في همومه، ويبدعوا حلولاً لها برؤية مستقبلية متفائلة وواعدة بها تتحقق الحداثة.

 

      وهو ما يتطلب منهم أن يعيشوا بوعيهم وفكرهم داخل مجتمعهم، غير منعزلين عنه، وغير تاركينه إلى من يحرف مسيره متوسلاً بنداآت كاذبة أو شعارات جوفاء.

 

      وهذا يعني أن عليهم أن يجددوا رباطهم معه، وألاّ ينفصلوا عنه، بحكم التكوين، أو بسبب اعتلاء منصب، أو بدافع رفض بعض تقاليده. ويعني كذلك أن عليهم أن يتعاملوا بمرونة وتسامح مع أنفسهم ومع أمثالهم ثم مع غيرهم، وأن يتخلوا عن التمسك الشديد بما ورثوه من أفكار ونظم ومناهج قديمة بالنسبة للبعض، وبما يغريهم من آراء ونظريات جديدة بالنسبة للآخرين.

 

      ولعلهم بهذا أن يعملوا على إبداع صيغة متطورة للفكر الإسلامي القادر على تفعيل الإصلاح وإجراء التحديث، لكن في غير انسلاخ عن المقومات التي تقربهم من مجتمعهم، وتتيح لهم أداء رسالتهم التنويرية، في نطاق الثقة المتبادلة التي ينبغي أن تنبعث من الخطاب الإسلامي الجديد.

 

      إن عنصر الثقة في هذا الخطاب يجب أن ينطلق - كما مر - من فهم واقعي للعصر، أي للمرحلة المعاصرة التي هي على الرغم مما يعانيه المسلمون فيها من أزمات وتحديات، تبرز الإسلام في صورة تحث على التفاؤل، إذ تتجلى في الإقبال المتزايد على اعتناقه، في مجتمعات أجنبية عنه وبين شعوب غير إسلامية، وكذا على حسن انتشاره بين المسلمين وأجيالهم الشابة، ما بين فتيان وفتيات، على نحو لم يكن معروفاً من قبل، مما يدل على صحوة إسلامية مبشرة، لاشك أنها ستؤول إلى ما فيه صالح المسلمين، إذا ما رشدت واستطاعت استرجاع القيم الحقيقية التي بها تحصن العقيدة بمناعة واقية من كل انحراف أو تشويه، وتكون في الوقت نفسه حافزة على اكتساب مقومات النهوض والإصلاح لتحقيق التقدم.

 

      بهذا وغيره، يتبين أن الحاجة اليوم ماسة إلى فكر إسلامي عصري، يعبَّر عنه بخطاب يراعي كل المتغيرات التي عرفتها الإنسانية جمعاء، وما رافقها من مستجدات، ويتوسل بأسلوب جذاب غير منفر، ويتناول قضايا العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بروح علمي اجتهادي(3)، 

 

 

ــــــــــــــــــــ

(3) انظر في مسألة الاجتهاد ما كتبه صاحب العرض في المؤلفين المشار إليهما في الهامش السابق، وكذا في     كتابه: "لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام". الرباط 1425=2004م -منشورات النادي الجراري -رقم: 30

يستند إلى ثوابت الشرع ومقتضيات العقل، ومراعاة المصالح من خلال منظور شمولي متسامح يعتمد التيسير والتبسيط، بهدف التوفيق بين الدين والواقع في نطاق قابل للممارسة والمعايشة، وفي غير تناقض أو تصادم قد يؤديان إلى الرفض والإلغاء ؛ أي بهدف تفعيل النص الديني وإبراز واقعيته، وإبقائه حيا وذا تأثير إيجابي ومستمر في حياة المسلم  مهما تكن جوانب هذه الحياة حديثة، إذ هو في نطاق مرجعيته - ومثاليته كذلك - يبقى قادراً ليس فقط على مسايرة الحداثة ومواكبتها والتكيف معها، ولكن قادراً كذلك على احتوائها واستيعابها، وعلى التمييز بين النافع منها والضار، وعلى تنمية ما هو صالح منها وإغنائه لمواصلة الرقي والتقدم، وللدخول إلى ما بعدها بالإسلام.   

 

عباس الجراري