مفهوم مصطلح الإرهاب

***

 

       قبل أن نوضح مفهوم مصطلح الإرهاب، نرى أن نبين أن كل متتبع لأحوال العالم المعاصر وماجرياته اليومية، لا يلبث أن يلاحظ ظهور الإرهاب وانتشاره المتنامي في بؤر كثيرة، مما يولد مشاعر القلق لدا قادة الدول وشعوبها الراغبة في حياة آمنة مطمئنة يسودها الحق والعدل والسلام.

 

         وغير خاف أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، وإن استفحل أمرها في المرحلة الراهنة. ذلكم أنه مثلما وجد الشر دائماً إلى جانب الخير، وجدت الضلالة ملازمة للهداية، ووجد التشدد والعنف في مقابل اليسر والسماحة. فقد عرف الإرهاب في مظاهر شتى، منذ بدء الخليقة وعلى امتداد العصور ؛ ولا سيما ما يستند منه إلى الدين ويتستر خلفه، لما للدين من أثر عميق في تكييف وجود الإنسان وتشكيل نمط حياته وأسلوب تفكيره. إلا أنه اتخذ في العقود الأخيرة أبعاداً سياسية تجاوزت المحلي والإقليمي إلى آفاق عالمية أكسبته صفة "الإرهاب الدولي"، تحفزاً من العقيدة ومن المصالح، وتأثراً بواقع إنساني مليء بالتناقضات والاضطرابات التي تسود التوجهات والمفاهيم، بما فيها مفهوم الإرهاب.

 

         وعلى الرغم من أن الغموض يحيط بهذا المفهوم، باعتبار الإرهاب مظهراً للإجرام، خاصة وقد تنوعت أشكاله وتعددت دوافعه، فإن الذي لا مجال للاختلاف حوله، أن الإرهاب في أوضح معانيه هو سلاح الذي يعجز عن إثبات ذاته وتحقيق أهدافه بهدوء واتزان، وبمعرفة وعقل ؛ فيلجأ إلى التوسل بالأساليب التي تستجيب لها شهوته ويمليها عليه هواه ؛ بعيداً عن السلوك المنضبط الذي تقتضيه العلاقات الإنسانية القائمة على التفاهم والتسامح والتساكن، وتبادل الرأي والمصالح والمنافع، والمرتكزة على إقرار الاختلاف وقبول الآخر كما هو، للتعارف معه والتعايش والتعاون.

 

       وإن هذا السلوك القويم لينطلق من مبدأ الحرية في شتى مظاهرها، وأبرزها وأولها ما يتصل بجانب العقيدة، في غير قسر أو إلزام، إذ "لا إكراه في الدين" كما علمنا القرآن الكريم(1).

 

         وقد بشرت جميع الديانات السماوية بهذا النمط من التعامل الإنساني السليم المبني على القيم الأخلاقية، ودعت إلى التحلي به ونهج سبيله، جلباً للمصالح ودرءاً للمفاسد ؛ بما يحفظ الغايات التي أرادها الله من الخلق، والتي تتجلى في صون النفس وما يتصل بها، في رباط قدسي يشد بني البشر إلى الخالق عز وجل، كيفما تكن ألوانهم وأجناسهم ومعتقداتهم وما لهم من انتماآت حضارية وثقافية، وداخل إطار علاقة حميمة بينهم تؤسس على التمسك بهذه الحرية ومقاومة كل من يطغى عليها بخرق أو عدوان.

 

         وفي هذا النطاق يوضع التكريم الذي أخبرنا كتاب الإسلام أن الله تعالى خص به الإنسان من حيث هو، حين قال: "ولقد كرمنا بني آدم"(2).

 

         من هنا فإنه يمكن اعتبار كل عنف مادي أو معنوي، يرمي إلى بلوغ غايات غير مشروعة، نوعاً من الإرهاب، سواء أقام به أفراد أم دول أم منظمات أم مجموعات فوضوية.

 

         وإن ربط المفهوم بهذه الغايات اللامشروعة يستتبع اعتبار أي تصرف عنيف يسعى إلى نيل حق مشروع، غيرَ منخرط في الإرهاب، كالمقاومة لاسترجاع الأرض، والتحرر من

 

 

 

_______________________

(1) سورة البقرة – الآية 256

(2) سورة الإسراء – الآية 70

 

الاحتلال، وما إلى ذلك مما يمنح شرعية الدفاع عن الأنفس والأوطان(3).

 

 ** ** **

       إذا أردنا بعد هذا أن ننظر لغويا في مصطلح الإرهاب، فإننا نجد أن أصل كلمته – كما في لسان العرب – من الفعل رَهِبَ يَرهَب رَهْبة ورُهْبا ورَهَبا، بمعنى خاف. ومنه ترهَّب إذا توعَّد، وأَرْهب ورهَّب واسترهب إذا أَخاف وفَزَّع. ومن الرهبة اشتقت الرهبانية والرهبنة والترهُّب ؛ وهي كلها دالة على الانعزال للتعبد.

 

         وقد وردت هذه الكلمة بمختلف صيغها ومشتقاتها في اثنتي عشرة آية نسوقها فيما يلي، مرتبة على الصيغ التي أتت عليها:

 

·       رهْبة: "لأنتمُ أَشد رهبةً في صدورهم من الله"(4).

·       رَهَبا: "إنهم كانوا يسارعون فـي الخيرات ويدعوننا رغَبـا ورهَبـا وكانوا لنا   خاشعين"(5)، "اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمُم إليك جناحك من       الرهَب"(6).

 

___________________________

(3) هذه قضية سيعود الكتاب إلى تناولها في مباحث أخرى منه. وتجدر الإشارة في هذا السياق الذي يقتضي التفريق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة أن الرئيس الأمريكي جورج وولكر بوش في حديث له إلى وكالة الأنباء الفرنسية ومجلة باري ماتش(Paris Match) الأسبوعية أول يونيو 2004، وقبل الزيارة التي قام بها إلى فرنسا يومي الخامس والسادس من هذا الشهر، صرح بأن العراقيين الذين يقاومون الاحتلال الأمريكي ليسوا كلهم إرهابيين. وزاد فأكد أنه هو نفسه لن يتحمل أن تحتل بلاده.

(4) سورة الحشر – الآية 13

(5) سورة الأنبياء – الآية 90

(6) سورة القصص – الآية 32

 

    

·       تُرهِبون: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهِبون به عدو الله وعدوكم"(7).

·       يَرهبون: "ولما سكت عن موسى الغضبُ أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يَرهبون"(8).

·       فارهَبُون: "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهَبُون"(9)، "وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهَبُون"(10).

·       استرهبوهم: "قال أَلقُوا فلما أَلقَوا سحَروا أعين الناس واسترهبوهـم وجــاءوا بسحر عظيم"(11).

·       رهبانية: "وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها"(12).

·       رهبان: "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون"(13)، "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله"(14)، "يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله"(15).

 

 

 

___________________________

(7) سورة الأنفال – الآية 60

(8) سورة الأعراف – الآية 154

(9) سورة البقرة – الآية 40

(10) سورة النحل – الأية 51

(11) سورة الأعراف – الآية 116

(12) سورة الحديد – الآية 27

(13) سورة المائدة – الآية 82

(14) سورة التوبة – الآية 31

(15) نفسهـا – الآية 34

 

        

         وبتأمل هذه الآيات الكريمة نجد أن مدلولها جميعاً يدور حول ثلاثة معان تكاد كلها أن تكون معبرة عن شعور واحد وإن بدرجات متفاوتة:

 

1-         خشية الله وتقواه

2-         الرعب والخوف

3-         الـردع

 

      وبشبه هذه الدلالات وردت الكلمة في الحديث النبوي الشريف الذي تكفينا الإشارة منه إلى حديثين اثنين:

 

1-         ما جاء في دعائه عليه السلام: "رب اجعلني لك ... رهَّابا ..."(16).

2-         سئل رسول الله (ص) عن إطالته الصلاة ذات يوم فقال: "إني صليت صلاة رغبة ورهْبة ..."(17).

 

      مهما يكن، فإن هذه المعاني التي وردت بها اللفظة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف لا تدل بأي حال على ما يقصد اليوم من مصطلح الإرهاب.

 

        وقد قدم مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي تعريفاً للإرهاب بأنه "العدوان أو التخويف أو التهديد، مادياً أو معنوياً، الصادر من الدول أو الجماعـات أو

 

 

 

_____________________________

 (16) رواه ابن ماجة وابن حنبل عن ابن عباس ضمن دعاء نبوي كريم.

(17) رواه ابن ماجة عن معاذ بن جبل، أي صلاة داعياً فيها راغباً في الإجابة وراهِباً عن ردها. وفي رواية أخرى عند ابن حنبل: "... انها صلاة رغب ورهب ...".

الأفراد على الإنسان، دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله أو ماله بغير حق، بشتى صنوفه وصور الإفساد في الأرض"(18).

 

        وفرق المجمع بين الإرهاب والجهاد، مؤكداً "أن الجهاد والاستشهاد لنشر العقيدة الإسلامية والدفاع عنها وعن حرمة الأوطان ليس إرهاباً، وإنما هو دفاع عن حقوق أساسية. ولذلك كان من حق الشعوب المغلوبة على أمرها والخاضعة للاحتلال أن تسعى للحصول على حريتها بكل الوسائل التي تتاح لها"(19).

 

** ** **

 

       لقد استعملت لفظة الإرهاب ترجمة لكلمةTerrorisme (Terrorism)   الدالة على كل تخطيط يهدف إلى زعزعة استقرار بلد أو نظام، باللجوء إلى العنف والهدم والتخريب، وإشاعة الفوضى وتغليط الرأي العام. وقد يبدأ بالترهيب الفكري والنفسي والإنذار المرعب المعتمد على زرع الهلع والخوف، ثم لا يلبث أن يتحول إلى الفعل القائم على العنف بكل المستويات التي يمر منها هذا الفعل، والتي تصل إلى قتل الأبرياء وتدمير الممتلكات العامة.

 

        وأصلTerrorisme  (Terrorism) من مصطلح Terreur (Terror) الذي يعني الشعور العنيف بالخوف. وكان يطلق هذا المصطلح بالتعريف: La terreur – كما في معجم لاروس الكبير ودائرة معارفه – على فترتين من عهد الثورة الفرنسية ومحكمتها، كانتا تتسمان بالتسلط والقهر والاحتكام إلى قوانين استثنائية ؛ إذ ارتبطت الأولى (غشت -سبتمبر 1792) بالهجوم على باريز واغتيال الملك لويس السادس عشر، في حين تميـزت

 

____________________________

(18) ضمن قرارات الدورة الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الدوحة من 11 إلى16 يناير 2003 – الفقرة الثانية من القرار رقم 128 (انظر قرارات الدورات 1-14، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الدوحة 1423هـ-2003م).

الثانية (سبتمبر1793 - يوليوز1794) بحالة الاستثناء التي فرضها روبسبيير Robespierre وما رافقها من إعدامات.

 

         كما أطلقت تسمية La terreur blanche على المجازر التي عرفها جنوب فرنسا عام 1815، بسبب إدانة ملَكيين لجنرالات كانوا متهمين بثوريتهم، وانتمائهم لبونابارت Bonaparte، ونفذت في بعضهم أحكام بالإعدام. وفيها أدين كذلك جماعة من البروتستان.

 

         هذا، ولا تخفى الأعمال الإرهابية التي عرفتها أقطار أروبية كثيرة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي قام بها فوضويون وجماعات مناهضة للأنظمة القائمة، والتي اغتيل فيها ملوك وأمراء وقادة سياسيون(20).                

 

            أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه لا إمكان لحصر الأعمال الإرهابية والمنظمات والهيآت التي تقوم بها(21). وتكفي الإشارة منها إلى منظمة كـوكلـوكس كـلان    

_______________________

(19) نفسـه.

(20) للتوسع في هذا الموضوع، انظر:

                      Terreur et terrorisme – FD Hacker (1976)

● La machine ΰ terreur – L. Dispot (1978)

● Terrorisme et dιmocratie – F. Furet, A. Limier et Ph. Raynaud (1985)

● Histoire du terrorisme – Dominique Venner (2002)

● Le terrorisme – Marie Hιlθne Gozzi (2003)

وانظر استعراضاً لأخطر الأعمال الإرهابية في Histoire du terrorisme (ص: 217-244) بدءاً من اغتيال القيصر الإسكندر الثاني في روسيا عام 1881 إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، مع الإشارة إلى أحداث وقعت في الشرق العربي، كالحدث الخطير الذي أبرزه احتلال مكة المكرمة في 20 نونبر 1979 من قبل فئات أعلنت عدم رضاها عن سياسة الدولة السعودية، وكذا اغتيال الرئيس المصري أنور السادات يوم 6 أكتوبر 1981 كرد فعل على زيارته لإسرائيل ومحاولته خطوات سلمية معها.

(21) انظرها في مواقع ويب كثيرة، مثل:          www.mediasnews.com

Ku-Klus-Klan وتشتهر بـ : الْكِي كِي كِي KKK(22) ؛ وتنطلق في مبادئها من عنصرية تتجلى في تفوق الجنس الأبيض والمسيحية. وقد أسست عام 1865، وما زالت قائمة لحد الآن، من خلال فرق لها متعددة، وبالتعاون مع هيآت كثيرة أخرى مماثلة تصل إلى نحو ثمانين هيئة. وهي ترتكز في أعمالها الإرهابية على كنائس السود ومدارسهم ومتاجرهم، لاجئة إلى الإحراق والتدمير وكذا اغتيال الرجال واغتصاب النساء واختطاف الأطفال. ويمتد عندها هذا الموقف ليشمل سائر الأقليات.

 

         وقد عقدت هذه الأقليات والجمعيات المتضامنة معها ندوة صحافية(23)، في 17 سبتمبر 2002 بأطلنطا في ولاية جورجيا، ورد فيها أن الأحداث التي تعرضت لها الكنائس ما بين عامي 1999 و2001 بلغت 125 في التكساس، و52 في فلوريدا، و38 في جورجيا، و36 في كارولينا الجنوبية، و33 في كاليفورنيا، و32 في الميسيسيبي، و24 في لويزيانا، و23 في كارولينا الشمالية، و21 في إيلينوى وأوهايو.

 

       وإنه ليكفي تأمل هذه الوقائع وغيرها من الأحداث الإرهابية التي وقعت وتقع في بلدان كثيرة من العالم – مسيحية ولائكية وإسلامية – لإدراك أن النهج هو هو، وكذلك الوسيلة والهدف، لا فرق فيها جميعاً بين ما يصدر عن توجه ديني أو غيره، أو ما ينطلق من فكر يميني أو يساري، فضلاً عما هو محلي وما هو دولي ؛ مما يؤكد أن الإرهاب ليس خاصاً بالعرب والمسلمين(24) ، وأنه ليس مرتبطاً بالدين – أي دين– وبالإسلام على وجه الخصوص، مما يراد الترسيخ به لفكرة صراع الإسلام مع غيره.

________________

(22) انظرها كذلك في مواقع متعددة، مثل:                 www.terrorwatch.ch

www.religionnewsblog.com

(23) انظر موقع                                                     www.ncfbc.org

(24) مما تجدر الإشارة إليه – بأسف شديد – أن معجم المرادفات لميكروسوفت ويندووز (1998) كان أعطى كلمة "عربي" ترجمةً ومرادفاً لمصطلح إرهابي (Terrorist)، وهو ما اضطر إلى حذفه والاعتذار عنه بعد أن تلقى عدة احتجاجات.