الإعجاز في القرآن الكريم

و عالمية خطابه

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

ألقيت هذه الكلمة في افتتاح الندوة الدولية

التي انعقدت تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في موضوع: "الإعجاز في القرآن الكريم و عالمية خطابه"،

والتي نظمتها الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – فرع المغرب – بتعاون مع شعبة الدراسات الإسلامية بكلية آداب جامعة محمد الخامس - أﮔـدال، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – إيسيسكو –

ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية و المجلس العلمي المحلي للرباط،

وذلك أيام الخميس والجمعة والسبت 8-9-10 ربيع الثاني 1428هـ

الموافقة 26-27-28 أبريل 2007م،

بمدرج الشريف الإدريسي في كلية آداب جامعة محمد الخامس - أﮔـدال – الرباط

 

لسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

حضرات السيدات والسادة

 

 

       أود في البدء أن أعرب عن غامر ابتهاجي وفائق سعادتي بالحضور والمشاركة بكلمة في الجلسة الافتتاحية لهذه الندوة الدولية التي تعقد برعاية ملكية سامية، لتدارس موضوع هام هو: "إعجاز القرآن الكريم وعالمية خطابه".

 

      وتتجلى أهمية هذا الموضوع في أنه، على الرغم من كثرة ما كتب عنه على امتداد العصور، ما زال محتفظاً بخصبه وغناه وجدته، والحاجة إلى مزيد من درسه وتحليله، لا سيما في هذا العصر الذي توالت فيه التحديات التي تعترض المجتمعات الإسلامية، وتمسها في عقيدتها ولغتها وقيمها ومقومات هويتها عامة، والتي لا سبيل لمواجهتها وتجاوزها إلا بمراجعة الذات وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها، وإمدادها وتقويتها بكل جديد نافع، ولكن كذلك بالعودة إلى الأسس الثابتة والأصول الراسخة التي قام عليها الفكر الإسلامي إبان عهده الذهبي، انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة واجتهاد علماء هذا العهد في التفسير والتأويل والاستنباط.

 

      وليس من شك في أن احتفاظ كلام الله اليوم – كما كان خلال التاريخ – بالقدرة على إنهاض الأمة وإصلاح أوضاعها، يعتبر أحد أهم جوانب إعجازه. ذلكم أن الإعجاز في مفهوم اللغة هو الفَوْت والسبق بما لا مجال لبلوغه وإدراكه. وقد أيد الله تعالى أنبياءه بمعجزات مادية انقضى مفعولها في النفوس بانقضاء الأزمنة التي ظهرت فيها والذين كانوا يعيشون فيها. ومثلها ما خص به الحق سبحانه نبينا صلى الله عليه وسلم، من ظواهر للتحدي خارجة عن قدرة البشر، كانشقاق القمر وحنين الجذع وما إليهما من معجزات مادية عديدة ؛ في حين ظلت المعجزة الكبرى التي أيده بها الله عز وجل – لإثبات صدق رسالته وبقائها قائمة ومستمرة – تتمثل في الوحي الذي قال صلوات الله وسلامه عليه: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".(1)

 

      وقد تحدى القرآن الكريم الذين يطعنون في هذا الوحي، أو يشكون فيه كيفما كانوا، أن ياتوا بمثله: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً(2). ثم تحداهم أن ياتوا بعشر سور منه: قل فاتوا بعشر سور مثلِه مفترَيات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(3). وبعد ذلك تحداهم أن ياتوا بسورة واحدة: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهـداءكم من دون الله إن كنتم صادقيـن(4)، أم يقولون

 

________________________________

(1) رواه البخاري ومسلم وابن حنبل عن أبي هريرة.

(2) سورة الإسراء – الآية 88

(3) سورة هــود – الآية 13

(4) سورة البقـرة – الآية 23

افتراه قل فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(5). وزاد في تعجيزهم أنه تعالى أكد عدم إمكانهم الإتيان بسورة واحدة، سواء في الحاضر أو المستقبل، مع تحذيرهم النار إن لم يومنوا بهذا القرآن: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين(6).

 

      وغير خاف أن أَوجُه الإعجاز في كتاب الله العزيز عديدة ومتنوعة، تبدأ من رائع فصاحته وحسن نظمه وجميل بيانه وبديع بلاغته وما فيه من جوامع الكلم، إلى إخباره بأنباء القرون الغابرة وقصصها، وبالمغيبات التي لم تكن قد وقعت، وغيرها مما يشد إليه الأفئدة ويبهر الأسماع.

 

      إلا أن من بين أهم أسباب بقاء المعجزة القرآنية واستمرارها، أنها جاءت معتمدة على العلم والعقل ؛ وهما من أعظم الوسائل وأقرب السبل على الدوام للإقناع بالإيمان، والاهتداء به وتعميقه ؛ ومن ثم إدراك نظام الكون وأسراره وعظمة خالقه على مر الحقب وتعاقب الأجيال.

 

      ويتمثل هذا الجانب العلمي في المعارف التي أوردها القرآن الكريم، أو أشار إليها، مما لم يكن متداولاً بين العلماء، ولا معروفاً لديهم ؛ والتي لا تلبث أن يظهرها التطور العلمي ويثبتها، كلما تقدم وتجددت مع الزمن اكتشافاته الصحيحة.

 

 

________________________________

(5) سورة يونـس – الآية 38

(6) سورة البقـرة – الآية 24

      على أن هذا الوجه المعجز لا يعني أن الذكر الحكيم يتضمن جميع المعارف، بما فيها من حقائق ودقائق، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان ؛ ولكن يعني أنه يشتمل بالإجمال على أصول هذه المعارف وأسسها ومفاتيحها، وما يتصل بها من سُنن تسعف في فهم الوجود وتدبر أمره، بدءاً من خَلْق الإنسان وغيره من الكائنات إلى مختلف مظاهر الكون وما فيه من عجائب يفضي تأملها إلى تثبيت الإيمان بوحدانية الخالق وإرادته وقوته ؛ بعيداً عن النظريات العلمية المتغيرة أو المُعرَّضة للتغيير.

 

      كما يعني أن هذا الوجه المعرفي يعتمد منهجاً علميا يقوم على الاستقراء والمشاهدة الحسية للظواهر والتفكر فيها، والاستنتاج منها بما يوصل إلى الحقائق الثابتة، ومنها إلى الحقيقة المطلقة الكامنة في ذات الله عز وجل ؛ مما ينفي أي تنافر بين العلم والدين، أي بين حقائق الدين وحقائق العلم حين تثبت نظرياته وتصح، لأن مطلبهما واحد هو الوصول إلى الحق الذي هو فرد لا يتعدد ولا يتغير، وإن اختلفت طرائق إدراكه.

 

      وكان الفيلسوف أبو يوسف يعقوب الكندي (تـ 250 أو 260 هـ)، وهو أول من حاول التوفيق بينهما، قد انتهى إلى أن بلوغ الحق بواسطة المعرفة الربانية المتمثلة في الوحي، أيسر من المعرفة التي تتيحها العلوم المكتسبة، بما فيها الحكمة التي هي الفلسفة. وهذا ما أكده التاريخ الحديث، بعد أن بدأت تظهر الاكتشافات العلمية التي لم تجد تعارضاً مع ما جاء به كتاب الله عز وجل، في حين كان لها تصادم مع مزاعم الكنيسة.

 

      وهنا يكمن أحد أبرز أسس "عالمية الخطاب القرآني" التي جعلتها ندوتكم الموقرة في طليعة محاورها المقترحة للبحث. وما أحوجنا اليوم، بل ما أحوج الإنسانية كلها، على اختلاف معتقداتها، وهي تواجه صراعات شديدة وحروباً ضارية، وتعاني من جرائها أزمات سياسية واجتماعية، ومشكلات فكرية ونفسية، إلى أن تعي هذا الجانب وتتدبره – أعني جانب عالمية الخطاب القرآني – باعتباره يشكل للمسلمين المرجع والملاذ، والجامع لشتات الذات، وحاميها من التمزق والضياع، وهاديها إلى سبل التآزر والتعارف ؛ وباعتباره كذلك يمثل لغير المسلمين قيمة حضارية وثقافية، ومقوماً فكرياً ومنهجياً لا غنى عنه لقبول الآخر وإشاعة روح التسامح والتعايش معه.

 

      أشكر لكم حسن إصغائكم، وأدعو لكم بالتوفيق والسداد.

      والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

                                                              عباس الجراري