1)         عايشتم محطات رئيسة في مسار القطاع التعليمي بالمغرب. هل لكم أن تحددوا لنا الانتقالات المركزية في هذا المسار ؟

 

         كان التعليم في عهد الحماية قائماً – بالنسبة للأوَّلي منه – على الكتاتيب القرآنية التي كانت تفضي ببعض النجباء من تلاميذها إلى الحلقات العلمية في القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش، وما إليهما من زوايا ومساجد في مختلف أنحاء المغرب. ومثلها المدارس العتيقة التي كانت تلقن العلوم العربية والإسلامية في البوادي والجبال والمناطق النائية. ثم عزز هذا التعليم بالمدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية، كما عزز بمدارس للبنات كانت تحظى برعاية خاصة من ملك البلاد، علماً بأنه كانت توجد قبلها دار الفقيرات (الفقيهات) التي كانت شبيهة بالكتاتيب، والتي كانت تتعلم فيها الفتيات ما يخرجهن من الأمية، كما تتعلمن بعض شؤون التدبير المنزلي. وإلى جانب هذا التعليم الوطني بجميع أنماطه، كانت هناك المدارس التي أنشأتها حكومة الحماية، وكانت تقوم في الغالب على ما كانت تسميه مدارس أبناء الأعيان والمدارس الصناعية ؛ وكانت قليلة، وأقل منها المدارس التي كانت خاصة بأبناء الفرنسيين، وإن كان يلتحق بها بعض أبناء المغاربة.

         أما في عهد الاستقلال، فقد نودي بأربعة مبادئ، هي التعريب والتعميم والمغربة والتوحيد. ولكنها تعثرت وظلت مجرد شعاراتٍ يتداولها المسؤولون عن التعليم في كل الفترات. وكان – نتيجة لذلك – أن أُضعفت الكتاتيب القرآنية، كما أضعفت القرويين وابن يوسف وما إليهما، وتقلص أمرها ووجودها إلى ما سُمي بالتعليم الأصيل، وإن وقعت المحافظة عليه بعض الشيء بإنشاء دار الحديث الحسنية، وكذا بعدم مس المدارس العتيقة التي كان ينهض بها السكان المحليون، ثم بمحاولة تطوير القرويين، وهو تطوير متعثر، ويحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة جذرية لهذه الجامعة والرسالة المنوطة بها.

         ثم إن التعليم الحر تحول في معظمه إلى تعليم خاص يغلب عليه الطابع التجاري. وما بقي منه حـرّاً، فقد ضعف وكاد أن يموت.        

         أما المدرسة العصرية التي أنشئت في عهد الاستقلال لتبلور المبادئ المشار إليها، فقد قامت بجهود حميدة وكبيرة لا تنكر، وإن واجهت سلبيات وعوائق وإكراهات كانت في كل مرة تزيد لتحول دون تحقيق المرجو منها على النحو المتوقع والمأمول.

 

2)         ما هي العوائق التي اعترضت الحقل التعليمي في بداية الاستقلال ؟ وما هو المسلك الذي كان ممكنا أن يجنب هذا الحقل أزمته منذ المشاريع الأولى التي شهدتها هذه الفترة ؟

 

         في هذه المرحلة الصعبة والدقيقة من وضع الركائز الأساسية لبناء الاستقلال، نودي بالمبادئ التي أشير إليها، لكن وقع التعامل معها بأسلوب أضحت به – كما سبق أن قلت – مجرد شعارات تكاد أن تكون مفرغة من أي مضمون حقيقي وملموس.

         وعلى الرغم من أن الأمر لم يكن سهلاً، فإنه لو أُخذ بجد أكثر، لأمكن الوصول به إلى مداه المأمول. والسبب كامن في التسرع والارتجال، وعدم التخطيط، وعدم الإعداد لتنفيذ هذا التخطيط.

         ويكفي أن أذكر أنه كانت في السنوات الأولى لهذه المرحلة، تنظم مباريات لولوج سلك مُعلِّمي التعليم الابتدائي. وكان يتقدم لها بعض المتعلمين المؤهلين، ولكن كان يتقدم لها كذلك بعض الصناع والحرفيين الذين كان لهم إلمام ما بالقراءة والكتابة. وبعد أن تعلن النتائج التي لم تكن في الغالب تستجيب للعَدد المطلوب، فإن المباراة كانت تعاد مرة ثانية وثالثة. والمؤسف أن الذين كانوا لا يوفقون في أية مرة، كانوا يُقبلون ويُعيَّنون. وكان المسؤولون يوصون بأن يُعطاهم تدريس الأقسام الأَوَّلية، في جهل أو استهانة بما يتطلبه التعليم في هذه الأقسام من معرفة مضبوطة وخبرة تربوية.

 

3)         بناء على ذاكرتكم التعليمية والتربوية، ما هي الجوانب التي ظلت، في نظركم، تحتاج إعادة بناء بغية تفعيلها ؟

 

         لا شك أن أشياء كثيرة تحققت، بدليل وفرة المدارس والجامعـات التي نرى تزايدها كل يوم. ولكن – وعلى سبيـل المثال – ما زال تعميم التعليم مجرد شعار، إذ أن عدداً هائلاً من أطفالنا لا يلتحق بالمدرسة، خاصة في القرى والبوادي. ثم إن التعليم القروي ضعيف ومتقلص ولا يشجَّع عليه، وكيف والمدرسة تقع على بُعد أربعة أو خمسة كيلو مترات من مسكن التلميذ. كما أن وسائل العيش والاستقرار غير متوافرة للمعلمين والمعلمات في هذا النوع من التعليم.

         هذا إضافة إلى الأمية التي ما زالت منتشرة بنسبة تصل إلى نصف السكان في المغرب، وتزيد في البوادي والقرى. وهي تشكل داء – بل عاراً – لا يمكن التغلب عليه بالمدرسة فقط، ولكن لا بُد من تعبئة جميع الإمكانات وفعاليات المجتمع، والتطوع لذلك، من خلال دروس نهارية أو مسائية تقدم في المؤسسات التعليمية وفي المساجد التي شرعت فعلاً في ذلك، وكذا في المصانع والشركات، وفي الأندية وغيرها.

         ثم إن الحديث عن الأمية الأبجدية لا ينبغي أن ينسينا الأمية الثقافية التي يعانيها كثير من المتعلمين وحملة الشهادات.

 

4)         لا أحد يشك في أن قطاع التعليم من أهم القضايا الوطنية التي يتعذر التفكير في التنمية المجتمعية بدون استحضارها، غير أن السائد في التصور العام كون القطاع غير منتج. ما هي في نظركم العوامل التي أدت إلى هذه المفارقة ؟ وكيف لكم أن تضيئوا فعالية هذا القطاع بما يكشف هشاشة التصور الذي يفصل التعليم عن التنمية ؟

 

         هذا بالفعل تصور كان شائعاً، وما زال شائعاً لحد الآن. بل هناك من يلح عليه، باعتبار أن التنمية تحتاج إلى معارف وإلى مهارات لا يجدي العليم في إبرازها، لا سيما بعد أن أصبح معظم المتعلمين اليوم عاطلين. لكن هذا رأي خاطئ، حين يعبَّر عنه بإطلاق، إذ لا تنمية بدون النهوض بقطاع التعليم، أقصد أن التنمية في مختلف مجالاتها قائمة، وينبغي أن تقوم على العلم والثقافة، وعلى الفكر الواعي والقادر على الإبداع والعمل، واكتساب القدرة على تطوير هذا العمل، وكذا إيجاد فرص له جديدة.

         وبطبيعة الحال، وبحكم تطور العصر، فالعلم المطلوب في كثير من هذه المجـالات – وخاصة منها المادية والصناعية وما إليها – هو العلم الحديث القائم على التقنيات. لهذا، فما دمنا، أي مادام تعليمنا ناقصاً ومبتوراً على النحو الذي هو عليه، فستظل تنميتنا كذلك ناقصة ومبتورة. وهذا لا يعني أننا لا نتحرك في المضمار الصحيح ولا تُحقق إيجابيات كثيرة. ولكن العصر بتحدياته لا يرحم، والصراع القائم في العالم على القوة لا يرحم. ولسنا في حاجة إلى أن نثبت أن القوة اليوم في جميع أبعادها مرتكزة على مدى التحكم في مفاتيح المعرفة بجميع فروعها وأشكالها، بما في ذلك العلوم الإنسانية التي نُخطئ حين نحاول تهميشها أو النظر إليها بازدراء، وكأنها عبء يلزم التخلص منه ؛ في حين أنها هي وحدها القادرة على تكوين الفكر وتهذيب الذوق وإظهار ملكات الإبداع ؛ ومتى وُجدت هذه المقومات، أمكن تفعيلها لإحداث التنمية.

         وليس هذا فحسب، بل إن الحاجة ماسة كذلك إلى جهد ينبغي أن نبذله، حتى لا يبقى تعليمنا جافاً، وذلك بإدخال مواد جديدة، كالرسم والخط والموسيقى، مما كان يعنى به في السابق، مثلما كان يعنى بتلقين التربية المنزلية، وبالمطالعة التي كانت تهيأ لها مكتبات، ولا سيما في الثانويات التي كانت تهتم كذلك بتدريس مادة الترجمة تعريباً وتعجيماً.

 

5)         ألا ترون أن تحقيق المبادئ الأربعة (تعميم التعليم، التعريب، المغربة، التوحيد) استنفد جهدا كبيرا دون أن تتحصل عنه نتائج في حجم المجهود المبذول وخاصة التعميم والتعريب ؟

 

         هذا صحيح، ولكنه كان جهداً مبعثراً وغير منظم، إذ لم يكن قائماً على تصور واضح لتلك المبادئ، وكيف ينبغي تفعليها وإخراجها من عالم النظر إلى عالم التطبيق، أي من مجرد أملٍ يراود إلى واقعٍ حي وملموس.

         والمشكل ما زال قائماً لحد الآن، إذ ما زلنا نتخبط فيه. وتخبطنا يزيد حين يتعلق الأمـر – كما ذكرت في سؤالك – بالتعميم والتعريب.

         فالتعميم يمثل إشكالاً من جانبين: أولهما نشر التعليم على أوسع نطاق، والثاني نمط هذا التعليم الذي سيُعمم ونوعيته. وهو إشكال آخذ في الازدياد مع التوسع في إحداث المدارس الأجنبية، سواء منها التابعة للبعثات أو التي تسير على منهاجها.

         أما التعريب فمتعثر، بحكم واقع التعليم عامة، ثم بحكم الإكراهات التي تعانيها اللغة العربية.

         ومع ذلك، ومع كل المشكلات التي يواجهها تعليمنا، والتي هي وليدة عقود من الزمن تراكمت خلالها، من غير أن يوجد لها الحل الناجع، فإن كثيراً من هذه المشكلات بدأت تأخذ طريقها للحل أو التصويب والتصحيح ؛ وذلك بفضل الإصلاحات التي دعا لها ميثاق لجنة التربية والتكوين، والتي نأمل أن تكمل بما يُحسِّن ويُرقِّي أوضاعنا التعليمية، ولا سيما إذا ما تحقق إحداث المجلس الأعلى للتعليم.

 

6)         لا يخفى عليكم ما تعانيه اللغة العربية من إكراهات في الحياة اليومية، يعضده تذبذب القرار السياسي. ما المخرج في نظركم ؟

 

         نشعر جميعاً بأن اللغة العربية تعاني إكراهات في الحياة اليومية. وهذا مؤثر سلبي يلتقي مع إكراهات أخرى. ومنها ما تواجهه اللغة العربية على مستوى الإدارة المغربية، مما لا شك يحتاج التغلب عليه، إلى قرار سياسي حاسم ؛ إلا أن أهم إكراه لغوي بالنسبة للتعليم، كامن في الحاجة إلى تطوير تدريس هذه اللغة، وتيسير مناهج تلقين قواعدها، وحسن اختيار النصوص المحببة فيها وفي التدرب على أساليبها الجيدة والتمرس بها.

         وتلكم مسؤولية علماء اللغة والعارفين بها والمبدعين، وكذلك المربين والمعلمين الممارسين. وإن الأمل معلق على أكاديمية اللغة العربية التي لا شك أنها يوم تخرج إلى الوجود، سيكون لها أثر إيجابي كبير في هذا المجال وما يتطلب من إصلاح وتطوير.

         ومن عجيب أن تلاميذنا يقضون سنوات طويلة في تعلم اللغة العربية – وكذا اللغة الفرنسية - ثم بعد ذلك هم لا يحسنون استعمالهما ؛ مع أنهم إذا أرادوا أن يتعلموا لغة أخرى لإتمام دراستهم الجامعية – كالإسبانية أو الإنجليزية أو الألمانية أو الروسية – فإنهم يقضون فتـرة في حدود سنة – تزيد أو تنقص قليلاً – يكونون بعدها مؤهلين لتلك الدراسة، وحتى لكتابة أطروحة جامعية باللغة الجديدة. وهذا يدل على أن المشكل بالنسبة للعربية – وحتى الفرنسية – ليس مشكل لغة في حد ذاتها، ولكنه بالدرجة الأولى كامن في مناهج التدريس، إلى جانب الإكراهات الأخرى.

 

7)         في السياق نفسه انفتحت المدرسة المغربية على تدريس الأمازيغية، ما هو تقويمكم لهذا الانفتاح، خاصة وأنكم كنتم أول من اهتم بالأدب الأمازيغي بإشرافكم على مجموعة من الرسائـل والأطاريـح وتشجيعكم للبحث فـي هذا الموضوع ؟

 

         لا يجادل إلا جاهل في كون اللسان الأمازيغي يُشكل أحد المقومات اللغوية الوطنية، إضافة إلى ما ينبثق عنه من تراث حضاري وثقافي مُكمل لمجموع التراث المغربي المتميز بالتنوع والتعدد، ولكن بسمات تكاملية تفضي إلى الوحدة وتغنيها. وذلكم ما حفزني إلى ما أشرتم إليه من العناية بالأمازيغية في البحث الجامعي.

         وقد سبق لي أن انتقدت الإغلاق الذي وقع عند إحداث كلية الآداب، للشعب التي كانت للأمازيغية والعربية الدارجة في معهد الدروس العليا أيام الحماية. فقد كان لازماً وضرورياً تعويضها بشعب أو وحدات بحث في كليات الآداب للنهوض بهذا النوع من الدراسة، وبالتراث الشعبي عامة. وهو التراث الذي كنت شخصيا – بحكم عدم قبول الجامعة للعناية به – أتحايل لتدريسه، بإدماجه ضمن التراث المدرسي، بالنسبة للأدب المغربي.

         ومن ثم فقد كان محموداً هذا الانفتاح الذي وقع، والذي دعت له لجنة إصلاح التعليم. إلا أني أرى أنه كان خطأ قرار كتابة الأمازيغية بحرف التيفيناغ، لأن مثل هذا القرار سيعطل تدريسها وانتشارها. ولو تم استعمال الحرف العربي، على نحو ما فعل العلماء الذين وضعوا مؤلفات وشروحاً فقهية وغيرها بالأمازيغية، لكان حالها اليوم أفضل بكثير مما هي عليه، ولتجنبَت كثيراً من التعثرات التي تواجهها الآن في التدريس. أما في غير هذا المجال التعليمي، فإن لحرف التيفيناغ قيمته وأهميته التراثية لا شك.

         كما أني لا أرى فرضها في جميع المدارس، ولكن أن يتم تلقينها وما معها من تراث محلي في الأقاليم التي تتحدث بها، وذلك في نطاق خطة تجعل للجهات – أي لكل جهة من المغرب – حيزاً في برامج التعليم تكون اللهجة المحلية إحدى فقراته، إلى جانب تاريخ هذه الجهة وفنونها وتراثها عامة، وما له من خصوصيات تغني المجموع، هذا المجموع الذي سيتاح بحثه وتعميق النظر إليه في شعب التخصص المهيأة في الجامعة لمثل هذا الدرس الموسَّع.

 

8)        لا يخفى على أحد دوركم في تأسيس كرسي الأدب المغربي، والصعوبات التي اعترضتكم لا في التأسيس فحسب، وإنما في المسار كذلك، إلى أن أصبح للأدب المغربي شعب ووحدات في مختلف الجامعات المغربية. ومجهودكم في هذا السياق جلي في الأطاريح التي أشرفتم عليها، ومن عدد الأساتذة المتخصصين في هذا الحقل. ما هي انطباعاتكم عن حضور هذا الأدب في الكتاب المدرسي ؟

 

         لقد واجهتني بالفعل تحديات كثيرة منذ سعيت، قبل نحو من أربعة عقود، إلى إدخال درس الأدب المغربي - بفرعيه المدرسي والشعبي - ضمن مقررات كلية الآداب. ولم يكن من السهل رفعها ومواجهة الذين كانوا لا يرون قيمة لأدبنا المغربي، والذين كانوا يرون ألاّ يدرّس هذا الأدب، أو في أحسن الأحوال أن يدمج نص أو نصان منه عند تدريس الأدب العربي الذي كان مركزاً على الإنتاج المشرقي. ولكن الحمد لله أن الأمر تغير مع مرور هذه الأعوام الأربعين، إلى الحد الذي أضحى به البحث في أدبنا وفكرنا يكاد يكون على رأس ما ينجزه الدارسون في الجامعات المغربية المختلفة ؛ بعد أن تكوّن جيل من الباحثين المؤهلين الذين يواصلون المسير بحزم وجد، وبإيمان واقتناع، وبكثير من التوفيق والسداد.

         وما كان يلاحظ في الجامعة، كان مثله أو بعضه ينعكس كذلك على مقررات المرحلة الثانوية، ولكن الأمر تغير بفعل هذه الجهود المثمرة، وإن كانت الحاجة مازالت ماسة إلى إعادة النظر في اختيار القضايا والظواهر التي ترتبط بأدبنا، مع اختيار النصوص الملائمة وكذا المناهج. وهو وضع يلتقي فيه مع ما تعانيه حال اللغة كما أسلفت.

 

9)        تأسيسا على السؤال السابق، هل لكم أن تعطونا نظرة عن تطور هذا الحضور ؟ وألا تفكرون في التأريخ له على غرار ما أنجزتم في كتابكم (تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر من 1830 إلى 1990).

 

         إن في النية أن أنجز كتاباً عن النثر، شبيه بالكتاب الذي أشرتم إليه عن الشعر، بل إني آمل أن يتسنى وضع كتاب جامع عن أدبنا، خاصة وأن كل مادته عندي متوافرة. إلا أن الأمر ليس بالإلحاح الذي قد يُظن. فإن البحوث التي أنجزها طلابنا في دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة، والتي ينجزها آخرون في إطار الدكتوراه الجديدة، لتُعد اليوم بالمئات، وتغطي كثيراً مما نتطلع إلى معرفته، وهو ما يتطلب استكمال هذه المعرفة، ثم وضع كتاب أو كتب جامعة تقرب أدبنا وفكرنا للقارئ العادي وحتى للدارس المهتم.

         ويجرني الحديث عن هذه الرسائل والأطاريح العديدة إلى إثارة مشكل نشرها حتى تتم الفائدة منها، وحتى لا تصبح بدورها تراثاً مخطوطاً نندب حظه. وهو ما يستلزم مشروعاً وطنيّاً كبيراً يقوم على خطة محكمة لإنجازه، ليس هذا مجال تفصيل القول فيه.

10)  من بين ما يحسب لكم اهتمامكم بتدريس الأدب الشعبي إلى أن أصبح تخصصاً قائم الذات في الجامعة تمخضت عنه كتب وأبحاث عديدة. هل تتصورون إمكان دمج هذا الأدب في الكتب المدرسية ؟ وكيف يمكن استثماره في إكساب المتعلمين كفايات معينة ؟

 

         نعم، يمكن إدماج أدبنا الشعبي في الكتب المدرسية، بل يجب القيام بهذا الإدماج، وفق التوجه المحلي المشار إليه ثم ببُعد وطني بعد ذلك، لأن من شأن تعرف هذا الأدب خاصة، والتراث الشعبي عامة، أن ينمي المعرفة بحقيقة الذات ويُقوي روح المواطنة، ويزيد في الإحساس بالهوية وما يشكلها من قيم ومقومات.

         ومن أجل هذا، ونظراً لما يتميز به المغرب من تعدد وتنوع، فإني أرى ضرورة الاهتمام بالجهة وما تزخر به من تراث، وإعطاء حيز لذلك في المقررات الدراسية.

 

11)  الملاحظ في ميثاق التربية والتكوين تنصيصه على التجديد، ولا يخفى عليكم أن هذا التنصيص يقوم على فتح المدرسة على المعرفة. ما هي، بناء على تجربتكم، الصعوبات التي يطرحها تحويل المعرفة العالمة إلى معرفة  مدرسية ؟ خصوصا أن مفهوم التحويل يكتسي أهمية بالغة لدى المنظرين في الحقل التربوي ؟

 

         حقيقة أن التجديد الذي دعا له الميثاق يقتضي التفتح على المعرفة في شتى مجالاتها وجوانبها، ولا سيما ما يُستحدث منها في المرحلة المعاصرة عبْر المعلوميات وما تفرضه العولمة، مما لا مناص منه. وهو أمر ممكن إذا ما تم الإعداد له، سواء بالنسبة للبرامج أو للمكوّنين أو للأدوات اللازمة لذلك. ويبدو لي أن أطفالنا وشبابنا شاعرون بهذه الحاجة. وهو ما يدفعهم إلى الالتحاق بمراكز الانترنيت، وكذا مراكز اللغات الأجنبية، مع السعي إلى التسجيل في تخصصات يرونها أكثر ملاءمة لمتطلبات العصر.

 

12)  من بين رهانات هذا الميثاق أيضا، ربط المدرسة - الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، غير أن المتتبع يلاحظ أن هذا الرهان ظل شعارا للاستهلاك لا أكثر، بدليل ما يطفح به الواقع. ثم إن هذا الشعار ينطوي على زعم أن المدرسة - الجامعة كانت منغلقة على نفسها.

      انطلاقا من تجربتكم الطويلة في الحقل التعليمي ما رأيكم في هذا الزعم ؟

 

         هذا مشكل يحتاج حله إلى جهد كبير يبذل، ليس فقط بالنسبة للمؤسسات التعليميـة، سواء أكانت مـدارس أم جامعـات أم معاهد تكوين، ولكن كذلك من لدن القائمين على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في تواصل مع هذه المؤسسات التي بدأت تشعر بالحاجة الماسة إلى هذا التواصل وتعمل على تحقيقه. ولكن لابد للطرفين من منظور واضح للواقع ومشكلاته، والمستقبل ومقتضياته. ولابد لهما كذلك من تعبئة الوسائل والإمكانات اللازمة، وفتح المزيد من آفاق الشغل لاستيعاب أفواج المتعلمين المؤهلين للنهوض بالتنمية الشاملة، بناء على متطلبات هذا المنظور.

 

13)  إسهامكم المعرفي لم يقتصر على الأدب المغربي، بل اتسع ليشمل الحقل الديني، الذي راكمتم فيه عددا مهما من الكتب والدراسات. وهو ما توج بتعيينكم على التوالي خطيباً فرئيسا للمجلس العلمي للعدوتين، ثم مستشارا لصاحب الجلالة. لا يخفى عليكم أن تدريس مادة التربية الإسلامية في المدرسة المغربية يتطلب اجتهادا ينسجم مع المبادئ السمحة لديننا الحنيف. كيف تتصورون تدريس هذه المادة في المدرسة والجامعة لتجسيد هذا الانسجام ؟ 


         لست في حاجة إلى أن أبين أن الدين حاضر في شعورنا وفكرنا وسلوكنا وفي كل ما يصطلح عليه بالحضارة والثقافة، إذ هو في طليعة مكونات هويتنا. وذلكم ما يستدعي العناية بتدريسه في مختلف مستويات التعلم.

         إلا أن هذا التدريس يحتاج إلى شروط حتى يكون مجدياً، وحتى يكون مقبولاً كذلك. والأسف أننا ما زلنا نشكو نقصاً في هذا المجال، إذ يغلب على مقررات التربية الإسلامية - ومثلها مقررات التربية الوطنية - طابع الحشو والتنفير والتركيز في الإسلام على المسائل الخلافية مع البعد عن الحقائق وما يرتبط بالواقع وقضاياه المعيشة، والبعد كذلك عما يبرز وسطية الدين واعتداله وسماحته وسلميته وملاءمته لكل زمان ومكان. وهو ما يستوجب أن تعنى به المقررات الدراسية ؛ مع الاعتماد في ذلك على مناهج تربوية مناسبة لمثل هذا النوع من الدرس.

 

14)  أسهمتم في صوغ الأسئلة التي طرحها المغرب بخصوص قضيتنا الوطنية في محكمة لاهاي، كما أوليتم عناية كبرى بثقافة الصحراء المغربية تدريسا وإشرافا وتأليفا. كيف يمكن أن نتخذ الكتاب المدرسي واجهة لترسيخ هذا الوعي بقضيتنا الوطنية لدى الناشئة ؟

 

         ليس من شك في أن الكتاب المدرسي هو الوسيلة الأساسية - إلى جانب الإعلام - لتعميق الإيمان بقضية وحدتنا الترابية، وتقوية التعبئة للدفاع عنها، ولاسيما بالنسبة لأطفالنا وشبابنا الذين لم يعيشوا فترة المسيرة الخضراء، ولم يحضروا حدثها الكبير، ولم يتشبعوا بروحها وما اتسم به من حماس وإجماع.

         وهذا يحث على مزيد من العناية بالقضية في مختلف جوانبها التاريخية والحضارية والثقافية والدبلوماسية، سواء من خلال الدرس الجغرافي أو التاريخي أو الأدبي أو الفني أو غير ذلك مما يمكن أن يرسخ الوعي بها. وهو ما بدأ يجد مكانه في المقررات التعليمية.

 

15)  كلمة أخيرة.

 

         هي كلمة تنويه وتقدير لنيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر بالمحمدية، أن أخذت مبادرة إصدار هذه المجلة الرائدة، مع متمنياتي لها أن يحالفها التوفيق والنجاح في أداء رسالتها العلمية والتربوية ؛ وكذا مع ثنائي وشكري للأخوين الكريمين، اللذين يرأسان تحريرها، الأستاذين الباحثين السيد السعيد بنفرحي والسيد خالد بلقاسم.