حوار الأديان

بين عوامل الفشل والنجاح

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

عرض مقدم للندوة الدولية التي تعقدها الإيسيسكو

تحت الرعاية الملكية السامية، في افتتاح الأنشطة التي ستشهدها

مدينة فاس باعتبارها عاصمة الثقافة الإسلامية هذا العام،

وذلكم بتعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية و جامعة القرويين

و جمعية الزاوية الخضراء للتربية والثقافة

في موضوع: "دور جامعة القرويين في تأسيس حوار الأديان وترابط الحضارات" بمدينة فاس، خلال الأيام 18-19-20 من ذي الحجة 1427هـ

الموافقة 8-9-10 يناير 2007م.

 

 

لسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجميع النبيئين والمرسلين

 

سيادة رئيس الجلسة معالي الصديق العزيز الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

حضرات السيدات والسادة

 

 

يشرفني أن أشارك في هذه الندوة الدولية الهامة التي تعقدها الإيسيسكو تحت الرعاية الملكية السامية، في افتتاح الأنشطة التي ستشهدها مدينة فاس باعتبارها عاصمة الثقافة الإسلامية هذا العام، بتعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية وجامعة القرويين وجمعية الزاوية الخضراء للتربية والثقافة، في موضوع: "دور جامعة القرويين في تأسيس حوار الأديان وترابط الحضارات"، ويسعدني أن يكون عرضي متصلاً بأحد محاورها المقترحة، تحت عنوان: "حوار الأديان بين عوامل الفشل والنجاح".

 

 

الأخوات والإخوة الكرام

 

في السياق العالمي وما تعرف الإنسانية من تطورات على جميع المستويات، ظهرت إشكالية متمثلة في بعدين متعارضين:

 

أولهما: وجود أسباب ومظاهر متعددة للتعايش والسلام والمحبة والسعادة.

ثانيهما: وجود أسباب ومظاهر أخرى كثيرة للتنافر والتناحر والتصارع والتصادم.

 

وليس من حل لهذه الإشكالية على ما فيها من تناقض سوى مزيد من التعارف والتعاون، والتقريب بين الاختلافات، ولا سيما النابعة من تباين الهويات. وهو ما لا يتأتى إلا بالحوار، بكل ما يتطلب من اعتراف بالآخر واحترامه وتبادل الأخذ والعطاء معه، في نطاق من الحرية يمس الفكر والتعبير عنه باعتبارهما في طليعة حقوق الإنسان.

 

وإذا كانت مجالات الحوار كثيرة، فلعل أهمها وأبرزها ما يتصل بالثقافة وما إليها من قيم ومقومات، وخاصة ما يرتبط بالمعتقدات، أي بالدين.

 

ولعلنا لم نعد في حاجة إلى أن نثبت مدى سلمية الإسلام وتوجهه التعايشي ودعوته للحوار ؛ فذلكم مما سال فيه مداد كثير، وغدا معروفاً للمسلمين وحتى لخصومهم ؛ والأدلة عليه من النصوص ومن أحداث التاريخ والواقع كذلك واضحة.

 

** ** **

 

ومع هذا، فالحوار متعثر بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، على الرغم من الجهود الكثيرة التي بذلت وتبذل في هذا المضمار. وما أظننا في حاجة إلى استعراضها كلها أو بعضها سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

 

لماذا هو كذلك ؟

 

أولا: هناك عوائق من التاريخ ينبغي العمل على محو آثارها، وعلى رأسها الحروب الصليبية، والطرد من الأندلس، والاستعمار، ثم احتلال فلسطين.

 

ثانياً: هناك كذلك واقع التخلف الذي يعانيه المسلمون، من فقر وجهل وتهميش، على كثرة عددهم وتعدد ثرواتهم ومواقع أوطانهم الاستراتيجية. وهو تخلف يعمل الغرب المسيحي واليهودي على ترسيخه، رغم كل مظاهر استهلاك نتاج التقدم الغربي الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، دون أن تشارك في صنعه. وهو واقع يفضي إما إلى الكفر بالدين وفقد الأمل فيه، وإما إلى التشدد والغلو وما ينتج عنهما من عنف وتطرف باسم هذا الدين. كما يفضي إلى الإدمان على التخدير وغيره من العلل والأدواء التي غدت للأسف متفشية.

 

ثالثاً: ثم هناك الانطواء على الذات نتيجة ذلك وتمسك كل طرف بموقفه، في تجاهل متعمد للطرف الآخر يتجلى في عدة مظاهر، منها:

1-            عدم رغبة غير المسلمين أقصد النصارى واليهود في التعرف إلى الإسلام على حقيقته، مع اللجوء أحيانا إلى محاولات التشويش والتشويه، وفق ما تكشف مواقف بعض المستشرقين ورجال الكهنوت، وما يبدونهُ في هذه الأيام من استخفاف بالإسلام والنبي الكريم، مما يعتبر استفزازاً لمشاعر المسلمين.

2-            عدم رغبة المسلمين كذلك في معرفة الديانات الأخرى، على عكس ما كان في التاريخ، سواء في المشرق أو الأندلس أو المغرب، من خلال المناظرات التي كانت تعقد في المساجد وغيرها من المجالس العلمية، والتي كان العلماء المسلمون يناقشون فيها غيرهم من أصحاب تلك الديانات، بحرية وبدون أي حرج. وقد كان لعلماء جامعتي القرويين وابن يوسف وغيرهما من المؤسسات العلمية والتعليمية المغربية أثر إيجابي كبير في هذا المجال. ويكفينا أن نشير إلى بعض العلماء المعاصرين الذين برزوا فيه باهتماماتهم الكلامية والفلسفية ومعرفة الملل والنحل والمذاهب والخلاف العالي والمناقشات العقدية مع بعض المستشرقين ؛ أمثال العلامة المرحوم حسن الزهراوي الرحماني المراكشي (المتوفى عام 1399هـ الموافق 1979م)، وشيخه العلامة المرحوم امْحمد بن احمد الرافعي الأزموري الجديدي (المتوفى سنة 1360هـ الموافقة 1941م).

 

رابعاً: إلى جانب هذه العوائق يوجد النزاع الخفي بين الإسلام والمسيحية، أو في الحقيقة بين المسلمين والمسيحيين. وهو في الأساس نابع من شعور كل طرف بقوته ومكانته وتاريخه وعدد أتباعه، مما يثير منافسة غير ظاهرة.

خامساً: تضاف كذلك الحاجة عند الطرفين إلى المعرفة، أي معرفة الآخر، ولا سيما في جانب العقيدة، مع احترام الاختلاف فيها، وعدم محاولة إزالته أو الاستخفاف به، ومع الانتباه الحذر إلى ما يروجه بعض الداعين لوحدة الأديان، من ضرورة إلغاء الديانات بإذابتها في دين واحد، وفي إطار إنسانية عالمية تقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر وعلى فعل الخير، بعيدا عن العقائد والشرائع وما تدعو إليه وتفرضه من التزامات، سواء في العبادات أو المعاملات.

 

سادساً: على أن هذه المعرفة بالآخر ينبغي أن تسبق بمعرفة متجددة ومتطورة للذات، بالاجتهاد في الدين وفهم نصوصه وفق معطيات الواقع المتغير، وكذا بالحوار الإسلامي-الإسلامي، والتقريب بين المذاهب التي غدا الخلاف بينها للأسف مجالاً للتطاحن والتحارب، مما يعمقه خصوم الإسلام ويستغلونه للتفرقة بين المسلمين.

 

** ** **

 

توجد إذن عوائق تحول دون قيام حوار إيجابي، ولكن توجد كذلك متغيرات حالية يعرفها العالم. وهي تنذر بالمزيد من التناقضات والمشكلات، وخاصة ما يتعلق بصعوبة التعايش في سلام، مما يجعل الحاجة ماسة إلى تغيير هذا الواقع. ولا سبيل لهذا التغيير غير البدء بالحوار.

 

هل معنى هذا أن الحوار الذي أجري لحد الآن قد فشل ؟

 

هو لم ينجح على النحو الذي ينبغي، ولم يؤت ثماره المرجوة، ولكنه ما زال ضرورياً، وما زالت الحاجة ماسة إليه، لأنه الوسيلة الوحيدة لمنح الأمل للأجيال الصاعدة في مستقبل يسوده التعايش والسلام ؛ بل لعله لا خيار سواه، لأن العالم اليوم مخير بين أمرين: إما الصراع والصدام، وإما التفاهم والتعاون أقصد في جانبهما المعرفي والعملي مع الإشارة إلى أن جانباً من ذلكم الصراع والصدام قائم في الحقيقة بين الدين عامة وبين العلمانية والإلحاد. وهو ما يغذي بطريقة أو بأخرى ما بين أصحاب الديانات وحتى بين المنتمين للدّيانة الواحدة من نزاع.

 

وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان الحوار ضرورة ملحة، فإنه لكي يثمر يحتاج إلى شروط أساسية ينبغي أن تتوافر في الطرفين، أهمها:

 

أولاً: المعرفة الصحيحة.

ثانياً: عدم التعصب للاقتناعات والمسلمات والمواقف الذاتية.

ثالثاً: التحلي بالشجاعة لإثارة جوانب الخلاف الحقيقية، بعيداً عن تحاشيها أو التغافل عنها، أو مجرد ملامستها بسطحية واحتشام.

رابعاً: العمل على إزالة العوائق المعرقلة لأي تفاهم وتعايش، ولا سيما عائق احتلال فلسطين.

خامساً: مساعدة دول الغرب المسيحي للدول الإسلامية، أو بالأحرى عدم وضع العوائق والعراقيل في طريقها حين تشقه بجهودها الخاصة، كي تتغلب على ما تعانيه من فقر ومرض وجهل وما إليها من مظاهر التخلف، ثم كي تنهض وتمتلك مفاتيح التكنولوجيا المتطورة وما يرتبط بها من عوامل التقدم والرقي.

 

هذا مع العلم أن المساعدة إذا تحققت لن تكون في صالح دول الجنوب فحسب، ولكن ستفيد منها كذلك دول الشمال، لأسباب كثيرة أبسطها أن الغني بحكم طبيعة الكون والبشرية لا يمكن أن ينعم بغناه وإلى جانبه فقير معوز، وأن العالِم لا يستطيع أن ينتفع بعلمه وإلى جواره أمي جاهل، دون نسيان ما يمتلكه المسلمون من إمكانات مادية وطاقات علمية يعرف الغرب أهميتها ويستقطبها ويشجعها على البقاء في أحضانه وخدمته.

 

يضاف إلى هذه الشروط، شرط آخر لازم، ويتمثل في وجوب تغيير المنظور الذي يتعامل به كل طرف مع الآخر، إذ ليس في الغرب إلا خصوم الإسلام، بل هناك منصفون وحكماء. كما أنه ليس في البلاد الإسلامية إلا التزمت والجهل والتطرف والإرهاب، بل هناك تسامح واعتدال وعلم وتفتح وتطلع إلى الحداثة في إطار الأصالة وما إليها من قيم يمكن أن تكون منطلقاً جديداً للتفاهم إذا ما تم الاعتراف بها وقبولها واعتمادها في الخطاب.

 

** ** **

 

ومع ذلك، يثار السؤال: هل يتحقق هذا النوع من الحوار ؟

إن الجواب سيكون بالإيجاب إذا ما حسنت النيات، ووقع الإصغاء إلى صوت الحكمة، وروعيت مصلحة الإنسانية. وهذا الصوت لا يمكن أن يصدر إلا عن علماء حكماء مزودين بأدوات، أهمها:

 

أولاً: المعرفة الكافية والفهم الصحيح.

ثانياً: حسن الاستماع والإصغاء.

ثالثاً: الرؤية الموضوعية والنزيهة.

رابعاً: القدرة على تبادل الرأي بعقلانية وهدوء واتزان.

خامساً: الشجاعة لإحداث التغيير.

وهنا من حقنا أن نطرح سؤالاً آخر: هل علماؤنا مقتنعون بأن يكون لهم دور في هذا الحوار، ومؤهلون للقيام به ؟

 

والسؤال نفسه يوضع حول مؤسساتنا العلمية الإسلامية من جامعات ومجامع وما إليها من مراكز العلم والبحث، وبصفة خاصة حول جامعتي القرويين وابن يوسف وقد آلتا إلى ما هما عليه.

 

إن الجواب يقتضي مجالاً آخر لا يتسع له هذا العرض.

 

وبعد، فإني بروح متفائل، ولبلورة ما نتطلع جميعاً إليه، أقترح أن تصدر عن هذا المؤتمر الهام توصية بتشكيل هيئة عليا بإشراف الإيسيسكو لعلماء حكماء يمثلون جميع الدول الإسلامية، تكون مهمتهم القيام بدور حواري فاعل مع الآخر، على النحو الذي تتطلبه المرحلة، مع الإفادة من كل التجارب السابقة، بما لها من إيجابيات وسلبيات.

 

أشكر لكم حسن إنصاتكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

عباس الجراري