حضارة إنسانية

 

وهويات مختلفة

 

 

 

 

 

 

 

 

عرض مستخلَص من المحاضرة المرتجلة

التي ألقاها عباس الجراري بدعوة من النادي الدبلوماسي المغربي،

في قاعة بلا فريج بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون،

مساء الثلاثاء 24 رجب 1423هـ

الموافق فاتح أكتوبر 2002م.

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

أصحاب المعالي والسعادة

حضرات السيدات والسادة

أصدقائي الأعزاء

 

             أستسمحكم - بداية - في أن أعرب بكلمتين عن شعور غامر أحسست به منذ تلقيت الدعوة لهذا اللقاء، وزاد إحساسي به اللحظة وأنا أدخل هذه القاعة.

             أما الأولى، فكلمة شكر للنادي الدبلوماسي المغربي، على دعوته الكريمة، مع التنويه بالنشاط المتميز الذي يقوم به ؛ وأخص بهذا الشكر الأخ العزيز سعادة السفير الأستاذ مولاي أحمد الإدريسي الذي قرب خطاي للاجتماع بحضراتكم في هذه الأمسية.

 

             وأما الثانية، فعن السعادة التي تغمرني ممزوجة بالاعتزاز، وقد وجدت نفسي بينكم في هذه الوزارة الموقرة، وكأني لم أغادرها قبل ستة وثلاثين عاماً، بعد أن كنت منخرطاً في سلك أطرها على مدى أربعة أعوام قضيت ثلاثاً منها في سفارة المغرب بالقاهرة.

      

             وبعد، فعلى الرغم من أني كنت أود أن أنتهز مناسبة هذا اللقاء، لإثارة إحدى القضايا المباشرة التي تواجهها السياسة المغربية حالياً، حتى نتبادل الرأي والفائدة من مناقشتها، فقد اقتضى النظر أن أتناول موضوعاً هو كذلك مرتبط بالواقع السياسي الراهن، لولا أنه يتسم بشيء من الشمولية والاتساع، مع مرتكزات فكرية وتاريخية منها ينطلق هذا الواقع.

 

             والحق أني، سواء بهذا الموضوع أوغيره، سأكون وأنا أعرضه على المتخصصين في الدبلوماسية المبرزين فيها، كواسق التمر إلى هجر، أو مستبضعه إلى طيبة أو خيبر ؛ إذ أنتم بطبيعة عملكم ومالكم فيه من ممارسة دائبة، في واجهة الميدان، وذوو معرفة وخبرة بمثل هذه الموضوعات.

             لذا، فإني لا أزعم الإتيان بجديد أو بشيء غائب عنكم، وإنما أقصد إلى مناقشة قضية أتمنى أن تُتاح الفرصة في آخر العرض لتبادل وجهات النظر معكم حولها.

             هذه القضية هي كما جاءت في العنوان: "حضارة إنسانية وهويات مختلفة".

 

أيها الإخوة الكرام والأخوات الفضليات،

 

             لا يخفى أن العالم الآن يعيش تحولات دولية ستكون لها لاشك عواقب وآثار لا يدري أحد مداها، وإن كثرت حولها التكهنات والتنبؤات. والعرب والمسلمون يواجهون في سياق هذه التحولات تحديات عديدة، ويعانون تناقضات مع ذاتهم ومع الآخر، في نزاع شديد يصل إلى حد التشتت والتمزق، وبث روح الانهزام واليأس.

             وأبرز هذه التناقضات حيرتهم أمام ما يشاع من تهم تمس دينهم وحضارتهم وثقافتهم وحتى وجودهم، في وقت لم يفتأوا يبدون رغبتهم في الانخراط في العالم الجديد، وإن لم يستعدوا لذلك على النحو اللازم. وتتجلى هذه الحيرة في مظاهر كثيرة، لعل في طليعتها كيفية التوفيق بين هذا النظام ومتطلباته، وبين هويتهم وما يشكلها من قيم ومقومات.

             وإن أذنتم، فسأتناول هذا الموضوع من خلال مقدمة وثلاثة محاور وخاتمة.

              في المقدمة، أود أن أوضح مفهوم مفردات هذا العنوان، إذ بناء عليه سيوجه النظر إلى الموضوع.

             أما الحضارة في معناها اللغوي فمشتقة من حضَر الشخص يَحْضُر حضارة إذا سكن الحضَر فهو حاضِر. كما يقال حضِر (بكسر الضاد) يحضَر حضَراً (بفتحه فيهما) إذا صار حضِراً (بكسره) ، أي يقيم في الحضَر الذي هو المدينة ؛ وتقابلها البادية التي يطلق البادي على من يسكنها. من هنا فإن الحضارة هي عكس البادية، والتمدن مثلها أي مثل الحضارة.

             وارتبط بهذا المدلول اللغوي أسلوب أو نمط من الحياة متحضر ظهر مع بداية التجمع والالتئام في حواضر - أي في مدن - لم تلبث أن تشكلت منها مجتمعات منظمة ومنتظمة في دول.

            

             وبظهور هذا النوع أو هذا المستوى من الحضارة - أو قريب منه - خرج الناس من مرحلة العيش البدائي القائم أساساً على التنقل والصيد، إلى مرحلة تعتمد الزراعة والتجارة والتوسل ببعض المواد الأولية لصنع أدوات وأجهزة، في محاولة للتكيف مع البيئة، والتجمع في قرى أو مدن للاستقرار. وارتبطت هذه المرحلة بنشأة الكتابة والنظرة التقديسية لبعض مظاهر الكون قبل أن تظهر الديانات السماوية.

             ومع التطور الذي عرفته الحياة الإنسانية في مختلف المجتمعات عبر العصور وما تعاقب عليها من دول، مس الحضارة ازدهار كبير آل إلى ما نعيشه اليوم وننعم به. فكان أن أخذ مفهومها يتسع عند بعض الدارسين ليشمل مظاهر العمران المادية، وكذا ما يقترن بها متصلاً بمشاعر الأفراد وأفكارهم ومعتقداتهم وما لهم في هذا كله من عادات وتقاليد متوارثة، ومالهم كذلك من إبداعات يجددون بها هذا التراث ويضيفون إليه، مما يشمله مصطلح الثقافة. في حين ضاق المفهوم عند آخرين ليقتصر فقط على الجانب المادي، في مقابل الجانب الآخر الدال عليه هذا المصطلح، أقصد الثقافة ؛  وهو المنحى الذي أميل شخصياً إليه. ثم إن الحضارة تعتبر إنسانية، أي في ملك البشرية جمعاء، تغنيها وتنميها، وتستهلكها مستفيدة من ثمراتها جيلاً إثر جيل.

             وأما الهوية - وهي بضم الهاء - فمجموع ما يكون به الشيء هو هو، أي ما يكون به وجوده وماهيته. وهي بالنسبة للإنسان ما تتحقق به ذاته وشخصيته. ولها مكونات بها تتشكل، يمكن حصرها في أربعة عناصر ومقومات:

1 - الوطن أو البيئة

2 - اللغة مع ما يكون معها من لهجات

3 - الثقافة بما فيها من تراث

4 - الدين

             ويعتبر هذا المقوم الأخير أهم المكونات جميعاً، لما له من أثر في تكييف سائر العناصر الأخرى، إذ هو الذي يكيفها ويطبعها ويمنحها الروح.

             وبحكم هذا التشكيل، تكون الهويات مختلفة أي غير مؤتلفة، لكل منها خصوصيات ومميزات قد تتسع أو تضيق لتحقق بعض التقارب أو التباعد، ولكنها في جميع الأحوال تكون - وينبغي أن تكون - قابلة للالتقاء وتبادل الأخذ والعطاء.

 

             بعد هذه المقدمة التي أرجو ألا أكون أطلتها، أبدأ بالمحور الأول أثير فيه ما بين الحضارة والهوية من علاقة. وهي علاقة وطيدة لأن الإنسان الذي اهتدى ويهتدي للحضارة مبتكراً ومجدداً، إنما فعل ويفعل ذلك بفكره وعقله وماله من قدرات إبداعية، أي بما له من ثقافة.

             والحضارة في بعدها المادي تنتقل وتتوارث جيلاً بعد جيل - كما سبق أن ذكرت - حتى حين تنهار وتخلفها أخرى. وكنت في بعض دراساتي المنشورة قد أبرزت أن عمر الحضارات، أو الحضارة الإنسانية بمختلف أجيالها وأسرها، يكاد يكون واحداً لتسلسله واتصاله، ومحدوديته كذلك في الزمن إذا ما قيس بعمر الحياة والكون وما عرفته البشرية من مراحل أولية وبدائية، قبل أن تهتدي إلى التطور الذي به دخلت مرحلة التمدن الذي به يؤرخ لنشأة الحضارة بالمفهوم المتداول. هذا مع العلم أن حضارات سابقة عليها قد بادت بعد أن كان لها وجود وحضور في أزمان غابرة، منذ أن خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض، وقبل أن يدعوه لدياناته التي بها لاشك فتح صحفاً جديدة من الحضارة تبدو أكثر تماسكاً وأقوى على البقاء، بسبب نفعية عطاآتها، وعن طريق التوارث الذي به يتحقق التواصل.       

            

             مهما يكن، فإن الحضارات تشكل حلقات في سلسلة يأخذ بعضها بتلابيب بعض، إذ كلما ظهرت حضارة وتألقت وبلغت أوج ازدهارها، إلى حد الشعور بالغرور الذي يفضي بها إلى الانغلاق، والذي يفقدها التوازن مع نفسها وبيئتها والمحيط الذي تتعامل فيه، أصابها انهيار يتيح المجال لغيرها أن تبرز وتترعرع، مبشرة بدورة جديدة تجتاز هي كذلك نفس السبيل قبل أن تتعرض للانحلال.

 

             وهكذا، تتواصل الحضارات، من غير أن تنتهي الحياة عند نهاية فترة حضارية ما، ومن غير أن يتوقف الإبداع الإنساني الذي هو أساس كل نهوض وتجديد. وغالباً ما يتحقق هذا الإبداع على يد الفئة أو الفئات التي تكون قد عانت الإهمال أو القهر والاضطهاد، وعاشت المحن والآلام، وتحملتها بإيمان في المستقبل، وفي غير يأس من التغيير، ودون الاندهاش أو الذهول الإحباطي أمام القوى الباغية والمتجبرة ؛ مع الاستعداد لهذا التغيير بما يلزم من جد وجهد وإنتاج وما إليها من الأسباب الموصلة إليه والمحققة لأهدافه.

 

             على هذا النحو تتسرب الحضارة وتستهلك مظاهرها. وقد يتم ذلك بسرعة أو ببطء قليل وفق ما يتبين من فائدة لهذه المظاهر. من ذلك على سبيل المثال متعلقات الأكل واللباس وشكل الهندام عامة كاللحية وغيرها، إضافة إلى ما يعد عموماً في الآليات والأدوات التي يستعمل الإنسان في الحياة، بعد أن يدرك نفعها، من غير أن يسأل عما وراءها من مكامن وخلفيات. وهو يفعل ذلك بتلقائية ما لم يشعر بما قد يتعارض مع هويته.

             ومن هنا يمكن القول بأن التسرب الحضاري يتم في غير حاجة إلى حوار يبرره، ومن باب أولى بدون صدام، والسبب أن الصراع تولده مصالح سياسية أو اقتصادية أو عسكرية. ولعلنا بهذا أن نبطل ما ذهب إليه صمويل هانتنكتون من صدام بين الحضارات، يقصد بين حضارة الغرب المسيحية والحضارة العربية الإسلامية، باعتبار أن حضارة العرب والمسلمين لا ترقى إلى مستوى حضارة الغرب ؛ مما يقود إلى المناداة بإسلام أمريكي يأخذ بالقيم الغربية. ومثل هذا نادى به فوكوياما الذي يرى ضرورة الانتصار على الإسلام والمسلمين ولو بتدميرهم، كما حدث مع النازية. والحق أنه لا أحد يزعم منافسة الحضارتين، على ما بينهما من أواصر، لاسيما بعد أن توقف - أو كاد - نمو الحضارة العربية الإسلامية ؛ وحتى على افتراض وجوده فإنه ليس مبرراً للصراع.

 

             وعلى عكس الحضارة التي يقع الإقبال على مظاهرها المادية بسرعة، كيفما كان مصدرها وكيفما كان التغير السريع الذي تتعرض له، وذلكم بحكم نفعها الملموس - كما أسلفت - وكذا لعدم ارتباطها بأفكار ومعتقدات وترسبات في الوعي واللاوعي ؛ فإن الهوية - ولاسيما من خلال مكونها الثقافي - لا تلقى مثل هذا الإقبال، لتشبث أصحابها بما لهم من عادات وتقاليد وما يومنون به من عقائد دينية، وما يمارسون من سلوك.

             ومن ثم فإن تغيرها بطيء حتى حين يكون التغير الحضاري المصاحب واضح المعالم، مما قد يصل إلى درجة التخلف. وقد يتحقق داخليا بما قد تعرفه البيئة العامة لهذه الثقافة من تطور، كما قد يتحقق بالتثاقف القائم في مدلوله الإيجابي على الاحتكاك بثقافات أخرى مماثلة تتيح التبادل، أو مهيمنة تفرض التقليد والمحاكاة. 

             وحتى في هذا الحال، فإن بعض العناصر المكونة للثقافة - وأهمها الدين ثم اللغة - تبقى ثابتة راسخة، أوفي حكم الثابتة والراسخة. وهو ما يجعل هذه الثقافة قادرة على البقاء وعلى المقاومة كذلك ؛ وإن كانت مقومات أخرى تبدو أكثر انصياعا للتبدل، ولاسيما ما يتصل منها بمجال الإبداع العلمي والأدبي والفني، وكذا بالمجال الأقرب للماديات، كأنماط العيش وأساليبه عامة، مما هو أقرب إلى مظاهر الحضارة.

             وأود هنا أن أعيد التذكير والتأكيد بأن الثقافة هي مجموع ما يشعر به الإنسان في مجتمع ما، ويفكر فيه ويبدعه، وما يقوم به من نشاط وما يكتسبه من تجارب، وما يختزن من موروث، انطلاقا من قيم ومبادئ يومن بها ويمارسها في سلوكه وفق أسلوب معين في الحياة.

             وهي تختلف من حيث طبيعتها باختلاف المجتمعات، إن كانت منغلقة على نفسها أو منفتحة على غيرها، وكذا إن كانت موحدة ومتجانسة، أو متسمة بالتنوع والتعدد. كما أنها تختلف من حيث قدرتها على التعايش أو التنافر، وعلى التحدي والصمود أو الانسياق والذوبان، سواء حين تحتك مع مثيلاتها أو الأقوى منها أو الأضعف.

             ومع ذلك، فإن لكل ثقافة - مهما يكن مستواها - إمكانات ذاتية للحفاظ على مقوماتها في إطار البيئة التي أنتجتها، ولتبادل الأخذ والعطاء مع غيرها، ثم لرد الصدمات التي تواجهها من ثقافات أخرى تحاول الهيمنة عليها إذا ما اضطرت لذلك.

             في إطار مثل هذا التفاعل - لاسيما في خطه الايجابي - يمكن تصور الحوار إذا ما توافرت له شروطه وظروفه. وإذا هي لم تتوافر يحدث الصراع الذي كان واجهة لمعظم الحروب. وحين أقول "واجهة"، فلاعتباري أن الدافع الرئيسي كامن في المصالح والرغبة في المحافظة عليها وتوسيع دائرتها والانفراد باستغلالها. ويكفيني التمثيل لذلك بالحروب الصليبية التي كانت تتستر خلف حماية مسيحيي الشرق، ولكنها في الحقيقة كانت تسعى إلى توسيع نفوذ الممالك اللاتينية. ومثلها الحروب الدينية في فرنسا بين الكاثوليك والبرتستان خلال القرن السادس عشر، فقد كانت بسبب خلافات سياسية حول حركة الإصلاح يومئذ.

 

             ويبقى سؤال تنقلني إثارته إلى المحور الثاني من هذه المحاضرة   - وسأمر سريعا عليه - ويتعلق بالكيفية التي تم بها ذلك في الماضي ؛ مما يبرز أهمية استحضار التاريخ الذي عرف حضارات سادت بعطائها وتفتحها على غيرها، ثم بادت حين انغلقت وفقدت توازنها. وتكفيني الإشارة إلى الحضارة الهندية واليونانية، ثم البوذية والهندوسية، دون إغفال السريانية والبابلية وإفضائها إلى اليهودية والزرادشتية، وكذا إفضائها مع الإغريقية إلى الحضارة المسيحية، ثم العربية الإسلامية التي كان لها أكبر تأثير على الحضارة الغربية الحديثة.

             وما أحوجنا إلى أن نبرز أن حضارتنا العربية الإسلامية - وهي وريثة حضارات سبقتها - أتيح لها من الاتساع ما تسنى لها به أن تنتشر وتتسع على العالم يومئذ، وذلكم بفضل شموليتها وتفتحها واستنادها إلى منظومة من القيم الإنسانية. ولعلنا في غنى عن التذكير بما كان لهذه الحضارة من تألق وازدهار، ليس فقط داخل الأقطار العربية الإسلامية ولكن خارجها كذلك، مما كان يصل إليه نفوذها، على حد ما تحتضنه بلاد الأندلس، مما ينهض دليلا ماثلاً للعيان على العطاء الغني الذي تعتز اليوم وتفتخر به إسبانيا والبرتغال وتستثمرانه كذلك. ومعروف أن الأندلس كانت أهم معابر الحضارة العربية الإسلامية إلى سائر الأقطار الأوربية.

             وشبيه بهذا ما يتصل بالحضارة الأوربية الحديثة التي انطلقت من الموروث العربي الإسلامي، والتي تتسرب ظواهرها المادية وتستهلك على أوسع نطاق، وفق ما نعيش الآن، مع التحولات التي تعرفها هذه الحضارة بحكم التطورات والمستجدات العالمية.

             وإذا كانت كثير من المجتمعات الإنسانية اليوم تفيد من هذه الحضارة ولو على حساب كثير من موروثاتها المحلية، فإنها مع ذلك تظل مصرة على التشبث بثقافتها أو ثقافاتها ؛ وإذا ما أحست أن هذه ستمس أو تداس، فإنها تنهض للصراع.

 

             وبالنسبة للتجربة المغربية، فإن عدم التنافر الثقافي هو الذي مكن للفنيقيين الذين دامت فترتهم ألف عام ؛ وهو الذي أتاح للإسلام أن ينتشر ويستتب منذ أربعة عشر قرنا. في حين كان الوجود الروماني مرفوضاً لاتسامه بالروح الاستعمارية، ولسعيه إلى نشر الدين المسيحي واللغة اللاتينية. ومثل هذا يمكن أن يقال بالنسبة لفترة الاستعمار الفرنسي والإسباني الذي كان المغاربة - انطلاقاً من ثقافتهم بكل مكوناتها - يرفضونه ويقاومونه، داعين إلى التضحية بما حمل من مظاهر حضارية مادية - ولو محدودة - وداعين كذلك إلى التخلي عن منجزاته إلى درجة مقاطعة بعض سلعه الجديدة. وهو موقف صدامي يبرز مدى دور الثقافة في إحداث الصراع وتشكيله.

             وبالانتقال إلى المرحلة المعاصرة - وهو ما يجعلني أثير المحور الثالث والأخير - يمكنني أن ألفت النظر إلى ظواهر ثلاثة تواجه الإنسانية جمعاء وتواجه معها أزمة أو أزمات:

1-   فهناك تقابلات في الخريطة الحضارية قائمة على تصنيفات أبرزها: شرق-غرب، وشمال-جنوب، مع إهمال دول أسيوية عظمى لها شأنها.

2-   ثم هناك إشكالية العولمة.

3- وهناك كذلك قضية الإرهاب وإلصاقها - ظلماً وعدواناً - بالعرب والمسلمين، على الرغم من الطابع العالمي الذي تكتسيه، وعلى الرغم كذلك من معرفة أسبابها المباشرة وغير المباشرة.

 

             وليس يخفى أن المنطلق في هذه الظواهر والهدف منها كذلك يلخص في الهيمنة ووحدة القطبية، مما يُبلوره النظام العالمي الجديد، أي العولمة التي لا اعتراض لنا عليها من حيث المبدأ، لأن الإسلام سبق إليها، وهو دين ينادي بالعالمية لكن دون أن يتدخل في الهويات. هذا مع العلم أنه لا تخفى بعض إيجابياتها من حيث تطوير التقنيات وتكنولوجيا المعرفة، وكذا في الجانب الاقتصادي والتجاري والتسويقي، مع ملاحظة العراقيل التي تحول دون صادرات الدول النامية مما كشفه مؤتمر سيتيل عام 1999. إلا أن سلبياتها مع ذلك كثيرة، وتبقى عائقاً دون إيجاد عالمية حقيقية سليمة. فهي تريد فرض قيم ثقافية - أي هوية - على الآخرين، والأدهى من هذا أنها تعتبر أخذهم بها مؤشراً على مدى استعدادهم لبلوغ الرقي والتقدم، وتعتبر تلك القيم كالسلع التجارية التي يمكن تصديرها واستيرادها ؛ وإن كنا ندرك أنه في جانب القيم يوجد ما هو مشترك، مما تمثله القيم الإنسانية المتفق عليها كالصدق والأمانة والحرية والعدالة وما إليها مما هو معروف.

             صحيح أن التكنولوجيا الإعلامية عملت وتعمل على اختراق كل الحواجز، وعلى تسويق المبادئ والأفكار التي يزيد الاحتكاك بينها، وسيزيد في المستقبل أكثر، بفضل ثورة الاتصال وانتشار تكنولويجا المعلومات، ولكن ليس إلى الحد الذي يراد لها عند البعض، بإدماج الهويات - والثقافات على الخصوص - وإعطاء مفهوم جديد للمواطنة تصبح به مواطنة عالمية ويصبح معها الوطن هو العالم ؛ مما فرض مواجهة هذا النفوذ الهادف إلى الإلغاء، أي إلغاء الآخرين على أساس التفوق عليهم، وفرض كذلك بذل الجهود لجعل الهويات بمقومها الثقافي تنفتح لتكون قادرة على هذه المواجهة.

             وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأوربيين في سياق هذه المواجهة ينادون بالاستثناء الثقافي، وأن العرب والمسلمين يتشبثون بهويتهم الثقافية التي نشأت متمحورة حول الدين ومتأثرة به ومنسجمة معه، معتبرين أنه إذا ما حورب هذا الرباط فإن الهوية ستنهار ؛ في حين أن الهوية الغربية قامت على العكس بعيداً عن الدين وفي تصادم معه. وهذا لاشك عنصر خلاف ومثار سوء تفاهم بيننا وبينهم. ولعلنا ألا ننسى الموقف من انضمام تركيا للاتحاد الأوربي، بسبب الهوية عامة - والدين خاصة - مع أنها جغرافياً جزء من أوربا.

 

             كما تجدر الإشارة إلى أن الإحساس بالهوية والتمسك بها مع ما ينم عنه من روح وطنية، يبدو قويّاً إلى حد بعيد في الولايات المتحدة الأمريكية التي تريدنا أن نتنكر لهويتنا. وقد أتيح لي أن أزورها وأحضر إحياء الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر، فعجبت لشيوع هذا الروح متمثلاً في مظاهر كثيرة، كانتشار حمل المواطنين للراية، وترديدهم الجماعي للأناشيد الوطنية وغيرها، إضافة إلى الاعتزاز بالخصوصيات المحلية، على نحو ما لاحظت عند الأميش في بنسلفانيا وأوهايو، وكذا عند الهنود الحمر ومدى التجاوب العام مع شعائرهم الاحتفالية وغيرها، حتى في العاصمة واشنطن.

             والأسف شديد أن الولايات المتحدة بعد هذه الأحداث وجهت كل طاقاتها لمهاجمة المسلمين، غافلة عن حقيقة الإسلام وعن الروابط التاريخية والمصالح التي لها معهم، وغافلة قبل هذا وبعد عن عدم وجود ما يعكر صفو هذه الروابط من عقد تعانيها أوربا معهم، كالحروب الصليبية والاستعمار.

             أما بعد ، فاستناداً إلى ما سبق، أستخلص أنه يمكن قيام حضارة إنسانية، لكن بهويات مختلفة، وبعيداً عن الرغبة في أية هيمنة، ولتحقيق ذلك، يلزم استرجاع الثقة بين المسلمين ونبذ ما بينهم من فرقة وتمزق ونزاع الذات وما إلى ذلك من حساسيات ؛ مع الأخذ بالأسباب التي تحقق الجانب التنويري في الحداثة، بغير تزمت أو انغلاق ، ومع إعمال العقل بتفتح.

 

             كما يلزم استرجاع الثقة بينهم وبين غيرهم - لاسيما الغرب - بهدف التعايش، انطلاقا من حوار حقيقي وصادق وليس الحوار الاحتفالي أو التبشيري الملغوم. والتعايش يقتضي الاعتراف بالآخر، أي بحقه في أن تكون له هويته، وأن يعبر عنها ويمارسها ويعيش بها، في اعتراف بها وبقدرتها على أن تساعد أصحابها على الانخراط في بناء العالم، أي المساهمة في الحضارة المعاصرة.

             وليس هذا فحسب، ولكن ينبغي كذلك تنبيه الأوربيين إلى ضرورة التحالف مع العرب والمسلمين لحماية الحضارة الإنسانية التي ازدهرت في حوض المتوسط، وفي إطار توازن يحمي مصالح مختلف الأطراف. وحتى يتحقق ذلك، لابد من العمل على تجاوز الهوة الفاصلة بين الشمال والجنوب، لاسيما بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، والمتمثلة في الفقر والأمية والمرض.

             وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بالتخلي عن العقلية الاستعمارية الاستعلائية، وعن الزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة ومحاولة فرضها بغطرسة واحتقار للآخر.

             إن آفة الغرب اليوم، أنه يريد أن يعيد تجربة الماضي حين مهد لاستعمار الأقطار العربية والإسلامية على امتداد القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، بحجة حاجتها إلى الخروج من التخلف الذي كانت غارقة فيه، وكذا بحجة حاجتها إلى من يساعدها على ذلك. فهو يريد اليوم أن يفرض ليس فقط حضارته، ولكن أن يفرض ثقافته ومقومات هويته، بدعوى مساعدتنا على التحديث. والحق أنه يريد تغيير الخريطة الجغرافية وفق ما يحقق له مصالحه، في تركيز لسياسة استعمارية جديدة ؛ بل هو ما زال متمسكاً بمخلفات الاستعمار القديم، على نحو ما يثبت الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين.

             إن حقيقة هذه الآفة - وقد بلغت أوجها - أن الغرب يثير الصدام مع غيره عبر الهويات، إذ هو يرفض قبول المجتمعات الأخرى المتشبثة بهوياتها، والمعتزة بما كان لها من حضارة لم تندثر، ولكنها ما زالت حية وقادرة على النهوض ؛ وفي طليعتها المجتمعات الإسلامية المفعمة بقوى روحية تمكنها من الصمود والمقاومة. وهو ما يدركه الغرب ويعمل على مواجهته، مبرراً ذلك بمحاربة الإرهاب، ومتغافلاً عن الأسباب العميقة والحقيقية لكثير من القضايا التي تعوق الأمن والاستقرار والسلم العالمي، وفي طليعتها المشكلات القائمة في المجتمعات العربية والإسلامية، وأبرزها مشكل فلسطين.

             أشكر لكم حسن إنصاتكم، وأعرب عن استعدادي لمناقشة ما ترون إبداء الرأي فيه.

                           والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.