لماذا لم يتشيّع المغاربة ؟

 

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

 

 

عرض قدم في نطاق "حديث الخميس"

بأكاديمية المملكة المغربية

يوم الخميس 24 ربيع الثاني 1426هـ

الموافق 02 يونيو 2005م

 

لسم الله وبه أستعين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

 

السيد مدير الجلسات

الزملاء الكرام

 

 

يسعدني أن أقدم هذا العرض المرتجل في نطاق أحاديث الخميس. وسأديره حول هذا السؤال الذي يمثل إشكالية كبيرة في الفكر الإسلامي المغربي، ويكاد يثير معادلة تحتاج إلى حل: لماذا المغرب، وهو تحت لواء أسر تنتمي إلى آل البيت منذ نحو أربعة عشر قرناً، لماذا يسير من حيث الاعتقاد، ومن حيث المذهبية الفقهية وغيرها في الاتجاه السني وعلى فقه الإمام مالك ؟ مع ملاحظة هامة، وهي أنه حتى الأسر التي لا صلة لها بآل البيت، فإنها لكي تثبت لنفسها، كانت تزعم الانتساب لهم، كما حصل مثلاً بالنسبة للموحدين.

 

لكي يفهم هذا الموضوع في الحقيقة، لابد من إثارة بعض القضايا الأساسية، وبصفة خاصة قضيتين اثنتين: القضية الأولى: كيف دخل الإسلام المغرب ؟

 

المغرب على عكس سائر الدول الإسلامية، تأخر فيه الفتح وتعثر، إذ أننا في عهد عثمان بن عفان سنجد عمرا بن العاص يكتب للخليفة ويقول: "إن الله فتح علينا طرابلس وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام"، فيجيبه: "لا إنها ليست بإفريقية ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت".

 

لهذا فإن الفتح الإسلامي تأخر إلى العهد الأموي، أي في ظل الدولة التي كانت معروفة بفتوحاتها وباستعمال البحر لتحقيق بعض هذه الفتوحات. وكانت أوائل الفتح للمغرب على يد عقبة بن نافع سنة إحدى وستين واثنتين وستين في عهد معاوية، إذ استطاع أن يفتح عدداً من المناطق ويوصل الإسلام إلى بعض المدن والأقاليم، حيث وصل إلى طنجة و وَليلي حتى سوس، إلا أنه قتل بجنوب بسكرة ؛ فقد كانت تواجهه بعض الزعامات المحلية، مثل كُسيلة والكاهنة.

 

المرحلة الثانية تمت على يد موسى بن نصير في عهد الوليد بن عبد الملك سنة تسع وسبعين. ومع ذلك، ودائماً في نطاق صعوبة الفتح الإسلامي للمغرب، سنجد عند مؤرخي هذا الفتح، أن البربر ارتدوا اثنتي عشرة مرة قبل أن يستقر فيهم الإسلام ؛ وكان حسان بن النعمان قد كتب لعبد الملك بأنه من المستحيل فتح هذه البلاد، وأنه متى قُضي على قبيلة بربرية إلا وتخلفها أخرى.

 

ومع ذلك وجدت بعض الأسباب التي ساعدت على انتشار الدين الجديد، من بينها مشاركة البربر في فتح الأندلس. فقد كان هذا عاملاً مساعداً فتح لهم أفقاً جعلهم يبتعدون عن مواجهة الفاتحين، وينطلقون إلى عالم آخر لا شك أنهم كانوا بحكم الجوار يعرفون عنه الكثير.

 

هذا سبب أول مساعد على انتشار الإسلام وتهدئة الوضع في المغرب. سبب ثان هو أن المغرب فتح صدره للمعارضات، أي للحركات التي كانت تواجه الدولة المركزية في المشرق، بدءاً من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية.

 

ففي هذه الفترة الحرجة، سيأتي الخوارج، وسينشرون مذهبهم في بعض المناطق، حيث وجدت زعامات محلية من أمثال ميسرة المضغري الذي كان على رأس الصفرية أصحاب زياد بن الأصفر. فقد بايع هذا الزعيم لنفسه بالخلافة سنـة اثنتيـن

وعشرين ومائة أيام تولية عبيد الله بن الحـَبْحَـاب على المغـرب من قبل هشام بن عبد الملك.

وعلى عكس ما يقال عن الخوارج، فإنهم هم الذين أقنعوا المغاربة بسلامة الدين الإسلامي وصلاحه، وذلكم انطلاقاً من إيمانهم بمبدإ المساواة (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى). ومعروف أن هذا مبدأ أساسي عندهم ؛ وبه ومن خلاله استطاعوا أن يقنعوا المغاربة بهذا الدين الجديد.

 

وبسبب انتشار المذهب، وتأسيس إمارات له على نحو ما كان في طنجة وسجلماسة، وجهت الدولة الأموية حملتيـن: هُزمت الأولى في طنجة، كما هزمت الثانية في سبو.

 

هكذا إذن كان للخوارج دور إيجابي في إقناع المغاربة بضرورة محاربة الدولة الفاتحة، وليس محاربة الدين. ثم بعد ذلك سيأتي آل البيت ممثلين في المولى إدريس. بطبيعة الحال، آل البيت جاءوا مناضلين ومواجهين للدولة العباسية ومهزومين أمامها كما هو معروف.

 

هنا نطرح سؤالاً: لماذا اتخذ المغاربة هذا الموقف المعارض من الفاتحين، ولا أقول من الإسلام ؟ الجواب أن التجربة المغربية مع القوى الخارجية، مع الرومان وغيرهم، هي تجربة مريرة ممتدة عبر تاريخ طويل لهم في مواجهة الوافدين الذين يريدون أن يستعمروهم. وهذا ما جعلهم يقابلون الفاتحين على النحو الذي رأينا، أي باتخاذ موقف رافض لهم، ظناً بأن هؤلاء سيستعمرونهم، لدرجة أننا نقرأ في التاريخ أن الكاهنة أمرت بإحراق المزروعات وتبديد الثروات، حتى تثني هؤلاء الفاتحين كي يعودوا من حيث أتوا، إذا كانوا يطمعون في خيرات البلاد.

 

هذه هي القضية الأولى وتتعلق بتأخر الفتح وتعثره، أما القضية الثانية فهي التي ستفتح لنا أفقاً على التطورات التي حدثت بعد، والتي تتصل بدخول المذاهب، سواء منها الاعتقادية أو الفقهية.

 

في الاعتقاد، أي ما يمس العقيدة، سنجد أن بعض المذاهب التي كان يُضيق عليها في المشرق وكانت في المعارضة لقيت صدى في المغرب، وعلى رأسها المذهب الاعتزالي الذي يقال في التاريخ إن قبيلة أوربة التي رحبت بالمولى إدريس كانت على مذهبه. كذلك يحدثنا التاريخ أنه كانت في المغرب جماعة يطلق عليها الواصلية، نسبة إلى واصل بن عطاء الذي هو زعيم المعتزلة وفقيههم. كل هذا في وقت مبكر، وقبل أن يستقر المغاربة على الخط السني المالكي ؛ دون أن ننسى الخوارج بطبيعة الحال، فقد كانت لهم مبادئهم السياسية والعَقَدِية.

 

ثم يحدثنا التاريخ في الجانب الفقهي، فيقول إن المغاربة كانوا في بداية الأمر على مذهب أهل السنة، ثم بعد ذلك أخذوا بالمذهب الحنفي. وبين هذا وذاك كانوا يأخذون أو كانوا ميالين إلى المذهب الأوزاعي الذي كان إمام أهل الشام، وكان له وجود في الأندلس، ثم بعد ذلك سينتقلون إلى المذهب المالكي.

 

لدينا في هذا المجال معلومات عن العلماء الذين كان لهم دورٌ في نشر المذهب على فترات متباعدة، ومن أهمهم علي بن زياد، وابن أشرس، والبهلول بن راشد، ثم القاضي عبد السلام بن سحنون المتوفي سنة أربعين ومائتين ؛ مما سيجعل المذهب يتقوى، ولا سيما على يد الملـك المُعز بن باديس الصنهاجي المتوفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة.

 

هنا يثار السؤال: لماذا انتشر المذهب المالكي ؟ كما سيطرح سؤال بعد ذلك: لماذا تم هذا الانتشار في ظل آل البيت ؟

من الأسباب التي تذكر في هذا الصدد بالنسبة لانتشار المذهب، كما عند ابن خلدون وغيره ؛ هناك أولاً: الرحلة، والمقصود بها الرحلة إلى المشرق وإلى الحجاز لأداء فريضة الحج. فالمغاربة كانوا يتصلون في المدينة المنورة بالإمام مالك وأصحابه، ويتعرفون إلى فقهه.

 

ابن خلدون يتحدث أيضاً عن قضية قابلة للنقاش يعزو فيها الانتشار إلى طابع البداوة، إذ يرى أن هذا الطابع هو الذي قرب المذهب إلى المغاربة والأندلسيين. ويبدو أنه إذا كان هذا القول ينطبق على المغاربة يومئذ، فهو بدون شك لا ينطبق على الأندلسيين. ولهذا فإن سبب البداوة لا يستقيم إلا إذا كان ابن خلدون يعني به بساطة الفكر وميله للملموس والمحسوس.

 

كذلك يتحدث العلماء عن سبب آخر لانتشار المذهب في المغرب والأندلس، فيقولون إنه انتشر بقوة السلطان. وهذا هو رأي ابن حزم الذي كان يرى أن مذهبين انتشرا بالسلطان: المذهب الحنفي في العراق، والمذهب المالكي في الأندلس. ويكاد هذا الرأي أن يكون قريباً مما ذهب إليه ابن خلدون حين ذكر أن الدولة تقوم على العصبية القبلية.

 

ثم إن هناك أسباباً أخرى نذكر منها شخصية الإمام مالك، إذ يكفي أنه فقيه المدينة. وهنا يشار إلى الحديث: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة" أي الإمام مالك. لهذا اعتبر المغاربة أن فقيه المدينة هو أولى من غيره بالاتباع.

 

كما يذكر الاتصال بالأندلس التي تحولت من مذهب الأوزاعي الذي كانت عليه أول الأمر، ثم الحنفي، مع ملاحظة أن التشيع في الأندلس كان يظهر عند أفراد، كما ظهر عند الحموديين في قرطبة، وإن كانوا - كالأدارسة - لم ينشروا المذهب. ويذكر كذلك من الأسباب ما حدث في القرن الثاني وبداية الثالث من وصول فئات من علماء الأندلس والقيروان المالكيين إلى المغرب، كان لهم دور في تقوية المذهب. من القيروان وصل ثلاثمائة أهل بيت، أي ثلاثمائة أسرة وكان معظم أفرادها فقهاء مالكيين. ثم كان وفود عدد من الأسر جاءت فارة إثر وقعة الربض سنة اثنتين ومائتين على عهد الحكم ابن هشام. ويقول التاريخ إن عددهم بلغ أربعة آلاف أهل بيت، وهي أسر كان معظم أفرادها من فقهاء المالكية.

 

وبعد هذا سنجد أن المذهب سيستقر استقراراً قويّاً في ظل الدولة المرابطية التي اعتمدته. فهي التي ركزت الدعائم الأساسية والقوية التي أصبح من الصعب فيما بعد أن تهتز أو تتزعزع، على الرغم من كل ما سيواجهها أو يعترض المغرب فيما بعد.

 

هنا أود أن أشير إلى رأي أراه غريباً تحدث عنه المستشرق هنري لاوست في كتابه عن الفرق الإسلامية "Les shismes dans l'Islam"، يقول فيه إن المنصور الموحدي انتقل من المالكية إلى الظاهرية، أي إلى مذهب ابن حزم، ثم انتقل من الظاهرية إلى الشافعية، أي أصبح شافعيّاً. الحقيقة أنه ليس هناك ما يثبت مثل هذا الرأي، وإن كنا متأكدين من أن المغاربة لم يكونوا في أي وقت من الأوقات لا ظاهريين ولا شافعيين.

 

إذن في نطاق هذه المعطيات المختلفة حول دخول الإسلام وكيفية دخوله، وتلقي المغاربة للمذاهب، يثار السؤال: وماذا عن الشيعة ؟

 

قلنا من قبل إن المغاربة استقبلوا المعارضة الخارجية، وكذا المعارضة الشيعية. وتجلى هذا الموقف الأخير عند الترحيب بآل البيت من خلال المولى إدريس.

 

في مجيء المولى إدريس إلى المغرب هناك روايتان: الأولى معروفة، وهي التي تقول بأنه جاء فاراً من وقعة فخ سنة تسع وستين ومائة، يطلب اللجوء فتلقاه المغاربة ورحبوا به. والرواية الثانية - وهي غريبة - تقول إنه جاء قبل هذا التاريخ بنحو عشرة أعوام، موفداً من قبل أخيه محمد النفس الزكية، يطلب العون من المغاربة للوقوف إلى جانب الشيعة وآل البيت. لا يهم، الذي يهم هو أنه جاء فاستقبله المغاربة ورحبوا به، وتم تأسيس الدولة. ولكن الغريب هنا، وحيث تبدأ المعادلة، أن المولى إدريس وهو شيعي وأسرته مناضلة وفي معارضة الدولة، يأتي إلى المغرب ثم لا ينشر المذهب الشيعي ولا يقيم الدولة عليه.

 

بطبيعة الحال، هذه معادلة يحتاج حلها إلى نقاش طويل، هل لأن المولى إدريس كان يكفيه أن يجد ملجأ، أو أن يقيم دولة كيفما كانت هذه الدولة ؟ هل لأنه حاول ولكنه وجد المغاربة غير مستعدين لقبول عدد من الأفكار الشيعية، على الرغم من اعتدال الأدارسة في ذلك بالقياس إلى بقية الشيعة ؟ فالمغاربة كما هي طبيعتهم ميالون إلى المحسوس والملموس، ولا يمكن أن يقبلوا غيبيات من مثل ما كان يعتقده الشيعة ؛ هذا بالإضافة إلى أن كثرة الفرق الشيعية كانت أحد أسباب نفورهم من التشيع. ثم لماذا اختاروا المذهب المالكي ؟ أو لماذا اختاروا مساندة هذا المذهب ابتداء من هذه الفترة من التاريخ ؟

 

هنا يشار إلى عدة عوامل، منها تأثر الأدارسة بالزيدية المعتدلة، ثم يشار إلى العلاقة التي كانت بين أسرة مولاي إدريس والإمام مالك ؛ إذ أن الإمام مالكاً يروي في موطاه عن عبد الله الكامل، والد المولى إدريس ؛ مما خلق علاقة حميمية بين الإمام مالك وبين الأسرة الإدريسية.

 

ثم إن مالكاً كان له موقف لصالح الشيعة ولصالح أسرة الأدارسة، وعذب في سبيل ذلك لأنه قال بأن بيعة أبي جعفر المنصور كانت على الإكراه وأنها لذلك باطلة. وكان أفتى ببطلان طلاق المكره، وعُذب في ذلك، ويقول المؤرخون إنه انخلعت كتفه من جراء التعذيب.

 

هذه كلها أسباب تجعل من المولى إدريس أو الأدارسة قريبين من الإمام مالك. ولكن بعد وفاة إدريس الثاني وانقسام الأدارسة، سوف يحافظون فقط على ولايتين: في فاس وفي البصرة بالشمال، وكانت تعرف ببصرة الكتان.

 

هنا سيأتي الغزو الفاطمي للشمال عام خمسة وثلاثمائة، وخاصة في فاس حيث أقيم حكم الأئمة، اعتماداً على القبائل الصنهاجية، في مقابل اعتماد الأمويين على القبائل الزناتية.

 

ثم إنه ستتجلى بعض المظاهر وتبرز بعض التيارات، مثل الحركة البَجلية الرافضية لعبد الله البجلي في تارودانت ؛ وهي الحركة التي قضى عليها داعية المرابطين عبد الله بن ياسين. ثم سيأتي المهدي بن تومرت بفكره الاعتزالي الشيعي ويحاول تأسيس الدولة على ذلك، بحثاً عن شرعية لحكمه، فينادي بالعصمة والمهدوية ويدعو لنفسه بالإمامة، مما هو معروف في تاريخ الموحدين.

 

إلا أنه سيلاحظ أنه بمجرد وفاة المهدي، انتهى المذهب، إذ تنكر له خلفاؤه: عبد المومن والمنصور، ولا سيما المامون. بل إنهم كانوا يسخرون من ذكر الإمام، فيقولون حين يثار أمر يحتاج إلى إمام: أين الإمام ؟ أين الإمام ؟ وكان المامون يسبه ويقول: "لا تدعوه بالمهدي المعصوم ؛ بل ادعوه بالغوي المذموم".

 

إذن وقع تراجع عن كل ما جاء به ابن تومرت، ولكن بعد ذلك، سيظهر عدد من مدعي المهدوية والفاطمية. لدينا بعض الأسماء المعروفة في التاريخ، منها محمد بن عبد الله الهادي الماسي الذي ظهر في سوس أيام عبد المومن الذي قاتله. وعندنا كذلك عبد الرحيم القحطاني الذي ظهر في زمن الناصر بالأندلس، وحورب وقتل وحمل رأسه إلى مراكش ؛ وكان يروج لنفسه انطلاقا من حديث: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً" بعد القحطاني سيظهر التويزري الفاطمي في المائة الثامنة على عهد يوسف بن يعقوب المريني مدعياً أنه الفاطمي المنتظر ؛ وكان مآله القتل في سوس. كذلك سيظهر في هذا القرن العباس الفاطمي في اغمارة، وقد دخل فاساً قبل أن يُقتل.

 

هنا وبهذه المواقف الصارمة، يبدو أنه قد تبين حتى للمدعين أنه لا مكان لهم في المغرب. فقد ورد عن بعض آل البيت الوافدين من كربلاء أنه قال لأصحابه: "ارجعوا فقد أزرى بنا الغلـط، وليس هـذا الوقـت وقتنـا" ؛ وكان ذلك زمن يوسف ابن يعقوب المريني.

 

أمام هذا الواقع التاريخي وما يكشف من رفض للتشيع، نلاحظ أنه عمليا، وفي الفكر المغربي يوجد طابع قوي للأفكار الشيعية ؛ وهذا ربما مما يعقد المسألة. ويمكن أن نقول إن المغاربة كانوا شيعة بالعاطفة، ولكن من الناحية السياسية أو الفقهية، ظلوا من أهل السنة ؛ وإن كانت بعض الدول كالسعدية والعلوية تتخذ شعارات ترمز إلى محبة آل البيت والارتباط بهم في الاتجاه الحسني وليس الحسيني الذي كان التشيع أكثر التصاقاً به.

 

ومعروف أن عندنا عدة مظاهر تثبت ما للمذهب الشيعي من أثر في الفكر ولا سيما في الثقافة الشعبية. منها مثلاً ما يحدث في عاشوراء، رغم التناقض الملاحظ بين ما هو فرح وما هو حزن، ما هو فرح يدل على التوجه الأموي، وما هو حزن يثبت التأثر الشيعي، ولا سيما ما حدث للحسين ؛ مما لا يتسع الوقت لتفضيل الحديث عنه.

 

كذلك نجد في الأدب، وخاصة في الشعر المعرب والملحون، كثيراً من الحديث عن مأساة الحسين بصفة خاصة. أما علي فهو بطبيعة الحال من الخلفاء الراشدين، ولا يمكن أن يذكر اسمه من غير أن يتبع بعبارة (كرم الله وجهه).

 

هذه وغيرها مما لا نطيل بذكره، تثبت ما كان للمذهب الشيعي أو التوجه الشيعي من بصمات واضحة في فكر المغاربة وسلوكهم ؛ مما يشكل معادلة تجعلهم يحبون آل البيت ويقدسونهم ويتأثرون بهم في بعض الأشياء، ولكنهم في اتجاه آخر من حيث الممارسات والعبادات هم من أهل السنة ؛ وكأني بهم يرددون ما قاله الشافعي: إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقـلان أني رافضي

 

والمقصود بالرفض هنا التشيع، إذ يطلق اسم الروافض على الذين رفضوا بيعة الأمويين والعباسيين، وليس الذين رفضوا الرسالة المحمدية كما زعم غلاة خصومهم.

 

وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أنه كان يوجد خلال التاريخ من يزعمون أو يدعون المهدوية والفاطمية، ففي منتصف القرن الماضي، ومباشرة بعد الاستقلال - وحتى قبله بقليل، أي منذ أوائل الخمسين - سيفاجأ الناس، ولا سيما في بعض مدن الشمال، بالحركة البهائية. البهائيون هم من الشيعة في الأصل، ومن الإسماعيلية وينتمون إلى الإثني عشرية. وهم ينتسبون إلى بهاء الله أو باب الله. ونشير إلى أن منشئ هذا المذهب في المشرق هو ميرزا الشيرازي الذي عاش في القرن التاسع عشر، وآراؤه منحرفة عن الإسماعيلية ؛ إضافة إلى أنه كان يقول بفكرة الحلول السبئية. كما نشير إلى أنه سيظهر ميرزا علي محمد صاحب كتاب (البيان)، ويبدو أنه كان يزعم تمثيل جميع الأنبياء، وأنه لا يعتمد الرسالة المحمدية، وكان لا يومن بالآخرة ويرفض الكعبة كقبلة، ويومن بالحلول كما ذكرت من قبل - أي أن الذات الإلهية تحل في الإنسان -. كما أنه كان يرفض معظم ما نهى عنه الإسلام، فيحلل ويحرم وفق ما اتفق له. ثم خلفه ابنه عباس افندي المعروف بعبد البهاء. المهم أنه تمت محاكمة أتباعهم في المغرب، وصدرت في حقهم أحكـام صارمة ؛ وكانت للعلماء يومئذ كتابات تفضح توجهاتهم المنحرفة.

 

هذا، وقبل بضع سنوات، قرأنا عن جماعة من الشيعة تحدث عنها الإعلام، وأعلنت عن نفسها في مكنـاس وأظهرت مبادئها، لكن دون أن يتعرض أصحابهـا لأي موقف.

 

إذن المشكل أو الإشكال يظل قائماً: هل للمغاربة استعداد لبعض الأفكار الشيعية خارج التعاطف الذي تحدثنا عنه، وبعيداً عن بعض المدعين الذين كانت الدولة تحاربهم باستمرار ؟ ونتساءل: هل الصراع ما زال موجوداً لحد الآن ؟ هنا نلاحظ أن إخواننا الإيرانيين حين يأتون إلى المغرب، أو حين نزورهم في بلادهم، يبدون استغراباً كبيراً أمام عدم تشيع المغاربة على الرغم من انتساب الأسرة الحاكمة لآل البيت. وهو استغراب يزول عند النظر إلى الإشكال المذهبي في المغرب من خلال المعادلة التي أثيرت باختصار في هذه العجالة.

 

وبعد، فإن الشيء الذي أريد أن أختم به هذا العرض، هو أننا نفتخر ونعتز بكوننا من أهل السنة وعلى مذهب مالك، ليس لأنه أفضل المذاهب، ولكنه لأنه وحّدنا ويوحدنا في تسامح مع بقية المذاهب والنظر إليها باحترام وتقدير. وهي وحدة قلما نجدها في بلدان أخرى تتعدد فيها المذاهب العقدية والفقهية. إذن المذهب أصبح عنصراً قويّا في توحيد الأمة، لكننا اليوم نلاحظ بأسف شديد أنه لم يعد هناك هذا التمسك بالمذهب، إذ يكفي أن تدخلوا إلى أي مسجد، لتنظروا كيف يصلي الناس، فهذا على مذهب مالك، وذاك على المذهب الحنفي، وثالث على نحو ما تأثر به في مكة أو المدينة مما هو متصل بالمذهب الوهابي. بل إن بعض الناس، بل بعض المسؤولين - لبعدهم عن المذهب وجهلهم بالدين والتاريخ - يظنون أننا حين نتحدث عن مذهب مالك، فإننا نقصد الملك، أي النظام الملكي الذي يسير عليه المغرب.

 

وأكاد أزعم أنه توجد اليوم بؤر لاتجاهات ومذاهب مختلفة قد لا يستبعد أن تكون في بعضها منحرفة. لهذا أثير السؤال وينبغي أن نثيره جميعاً على أنفسنا: ما هو مآل المذهب المالكي ؟ وكيف السبيل إلى الحفاظ على هذا المذهب الذي وحد المغاربة طوال أربعة عشر قرناً، في غير تعدد، وبعيداً عن أية طائفية مما تعانيه مجتمعات عربية وإسلامية أخرى.

 

وأضيف بأنه تحت ضغط الأمية والجهل المستبدين بالمغاربة الميالين بطبيعتهم للتقليد، أي تقليد الأجنبي والغريب، وبسبب غياب توعية دينية صحيحة، أخشى أن يكون المذهب قد أصبح مجرد شعار سياسي مفرغ من أي مضمون لا أكثر ولا أقل.

 

السؤال صعب وملح، والأمر في غاية الأهمية والجدية، وما عرضته إنما هو إشارات سريعة قصدت منها إلى إثارة النقاش للاستفادة منه في موضوع حيوي بالنسبة للفكر المغربي في حاله ومستقبله.

 

أشكر لكم حسن إنصاتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.