أي مستقبل عربي في ظل

ثقافة التغيير ؟

 

 

 

 

 

 

 

عرض مرتجل قدم في الجلسة الختامية

للمؤتمر الثالث للفكر العربي، الذي انعقد بمراكش

من 18 إلى 21 شوال 1425هـ

الموافق للفترة من 1 إلى 4 دسمبر 2004م.

 

 

 

 

 

 

لسم الله وبه نستعين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

سيدي صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي

الأخوات والإخوة أعضاء هذا المؤتمر الموقر

حضرات السيدات والسادة

 

 

 

         أرجو في البدء أن تأذنوا لي بالإعراب عن الابتهاج الكبير الذي يخامرني شعوره العميق، وقد طُلب مني في آخر لحظة أن أشارك في هذه الجلسة التي تختتم بها أشغال مؤتمرنا الحافل، والتي سيدور موضوعها حول سؤال هام هو: "أي مستقبل عربي في ظل ثقافة التغيير ؟".

         ولست في حاجة إلى أن أبرز أنه سؤال كبير، وأن وضعه في حد ذاته يعد أمراً إيجابياً، وسيجعلني أعرض أسئلة أخرى فرعية وتكميلية ؛ إذ لا تخفى أهمية إثارة الأسئلة، لما تدل عليه من وعي وتطلع وتحفز لكشف الحقائق، ولا سيما الغامضة منها أو الخفية، أو التي قد يتجنب الحديث عنها في بعض الأحيان.

 

         وتمهيداً لتناول هذا الموضوع، أستسمح في أن أشير إلى قضية قد تبدو بدهية، وهي لاشك كذلك. وتتعلق بالمستقبل في الزمن، أي من حيث هو جزء في الزمن. ذلكم أن الأزمنة في الظاهر وفي المتعارف عليه ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل. ولكنها في الحقيقة زمنان اثنان: مـاض، ومستقبـل. والسبب أن الحاضر لا يشكل سوى لحظة خاطفة أو عابرة تكون في طي المستقبل، ثم لا تلبث أن تصبح ماضياً بمجرد أن تمر.

 

         من هنا أود أن أضع السؤال: أية قيمة لهذا المستقبل ؟

         لن أتردد في القول بأن المستقبل - من حيث هو زمن - يبدو غير ذي قيمة، ما لم يكن محملا بطموحات، ومفعماً بآمال، ومشحوناً بتطلعات.

 

         وإن هذا التحميل، وهذا الإفعام، وهذا الشحن، هو الذي يعطي للمستقبل معنى ومدلولاً. وهو الذي يبرر وجوده ويمنحه المشروعية، أو بالأحرى يبرر وجودنا فيه، ويمنحنا الحق في أن نقبل عليه ونحياه ونعمل فيه بلا حدود، وكأننا نمتلكه كله ونعيشه بأجمعه ؛ مصداقا للحديث الشريف الذي يقول فيه (ص): "اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبداً... "، وكذا الحديث الذي أوصانا فيه عليه السلام باغتنام خمسة أمور قبل خمسة أخرى، منها: "حياتك قبل موتك... ".

 

         انطلاقاً من هذا المفهوم وأبعاده، يمكن طرح سؤال ثان حول المستقبل العربي. والجواب عنه يقتضي أسئلة فرعية توضيحية، وفق ما ذكرت من قبل.

 

         وأبدأ بهذا الاستفسار: هل لنا في حاضرنا منظور واضح لما نحن عليه ؟ ثم لما نريده ؟

 

         الحقيقة أننا اليوم في حيرة واضطراب من أمرنا، وأكاد أقول إننا في حالة نسعى فيها إلى تشخيص لوضعنا، ولمعرفة الداء الذي نعانيه، والبحث له عن الدواء الناجع. والأسف أن هذه الحالة التي نجتازها، تعقدها الأحداث التي تفاجئنا، والتحديات التي تواجهنا - داخلية وخارجية - مما يجعلنا في نهاية الأمر، نعيش في تيه لا ندري كيف نخرج منه.

 

         ثم إن الحديث عن هذا المنظور، الذي لا نتصوره إلا كليا وشموليا متضمنا للأهداف ووسائل إنجازها، ينبغي أن يراعي جانب الثقافة الذي هو من صميم مسؤوليتها، ولا سيما في ملمحها التغييري الذي هو الأساس والمنطلق للتغيير الذي نتطلع إليه بهدف تحقيق الإصلاح الشامل، والذي نريده رغم طابعه التجديدي أن يكون محافظاً على الجوهر وقائما على الثوابت، أي نابعاً من الذات، غير مفروض علينا من الآخر. وكما قلت أمس في العرض الذي قدمت أمام حضراتكم، فإنه سيكون عاراً وأي عار أن يفرض علينا إصلاح من جهة أجنبية ووفق مخططاتها وأهدافها، وأن نقبله نحن ونطبقه، وكأننا مجرد أدوات مسخرة لا رأي لنا ولا قدرة لنا على إبدائه إن وجد. والقصد عندي أن أثير الانتباه، ولو بنقد ذاتي موضوعي ما أحوجنا إليه، بعيداً عن أي سلوك للتشفـي في الذات أو لإهانتها وجلدها بالسوط.

 

         بعد الرؤية - أو المنظور - ومن بين عناصرها، تأتي الخطة. وذلكم ما يجعلنا نضع السؤال: هل لنا خطة أو استراتيجية تمكننا من بلورة هذه الرؤية ؟  والخطة - كالمنظور - قضية ثقافية، أي هي مسؤولية يتحملها المثقفون.

 

         ومع افتراض وجود هذه الخطة، هل فكرنا في الإمكانات التي بها يتسنى تحقيقها وإنجازها، والتي على الدولة وجميع مكونات المجتمع أن توفرها ؟

 

         ثم، إذا ما توافرت الإمكانات، فمن سينهض بالتنفيذ؟ لا نتردد في القول بأنه بحكم طبيعة الخطة - أي بحكم شموليتها - فإن عبء التنفيذ يقع على جميع فعاليات المجتمع: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

 

         هنا يثار سؤال آخر: هل ستتاح للثقافة والمثقفين فرصة وضع الرؤية والخطة ؟ وقبل ذلك هل ستتسنى لهم فرصة التشخيص الدقيق والصحيح الذي من شأنه أن يخرج من التيه، أو يساعد على الخروج منه ؟

 

         ولست في حاجة هنا إلى أن أشير بأني أقصد إلى مفهوم شمولي وواسع للثقافة والمثقفين، لا يقتصر على نمط معين أو فئة خاصة. ولعلكم تذكرون ما قلته حول هذه النقطة في العرض الذي قدمت أمس.

 

         بعد هذا كله، يبقى سؤال أخير، لعله جماع هذه الأسئلة كلها وغيرها والمبرر لها، وهـو: هل نحن مستعدون للإجابة عنها ؟

 

         والرد يقتضي افتراضين اثنين:

 

         إذا كان بالإيجاب - وهو ما نحن مؤهلون له - فإن المنظور للمستقبل سيكون واضحاً، رغم كل التحديات والأزمات التي نجتازها، والتي ستكون - إذ ذاك - كالصدمات الكهربائية التي تشفي وتعالج. وهي مرحلة أو دورة سبقتنا إليها شعوب ودول أخرى. فبتأمل حال أروبا مثلاً، نجد أنها ما تقدمت إلا بعد أن عاشت ظروفاً أقسى مما نتعرض له نحن الآن، ولكنها أفضت بها إلى إدراك قيمة الوحدة وأهمية التعاون في جميع الميادين. ومثل ذلك يمكن أن يقال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي ظلت مدة طويلة تتخبط في الحروب العنصرية، قبل أن تفهم معنى الاتحاد وتعمل لتحقيقه.

 

         هذا إذا كان الرد بالإيجاب، أما إذا كان غير ذلك، أي بالسلب، فإن المستقبل سيزيدنا إغراقاً في التيه وما يفضي إليه من ضياع، وكأننا لم نأخذ الدرس من غيرنا، ولم نستخرج العبر والعظات من كل المحن التي تعرضنا لها وما نزال. وذلكم ما سيكون عاراً تاريخياً لا تستحقه أمتنا العربية الغنية بأمجادها، وبرصيدها الحضاري والثقافي، وبثرواتها ومواقع أقطارها، وطاقات أبنائها العلماء والخبراء في كل ميدان ؛ أقصد هؤلاء الذين يختمرهم القلق والغضب والحسرة في أوطانهم بسبب البطالة، أو لانعدام فاعليتهم حتى حين يسعفهم حظ التشغيل. كما أقصد أولئك الذين يضطرون للهجرة، يفيدون بعلمهم وخبرتهم مجتمعات أخرى يعملون على تنميتها وتقدمها، توفر لهم وسائل التفتح وأجواء الإبداع وإمكانات الإنتاج، بقدر من الحرية والعرفان لا يتسنى لهم غالباً في أوطانهم التي أنفقت على تربيتهم وتكوينهم، ثم تحجم عن المواصلة معهم في مرحلة هم قادرون فيها على العطاء ورد الجميل، وهي في أمس الحاجة إليهم للنهوض والارتقاء، لو وجدت الإرادة السياسية لذلك بكل ما تتطلبه وتقتضيه. ولعلهم - وهم في ديار الغربة - أن يحركوا عجلة التغيير في أوطانهم التي تذكر لأمثالهم في هذا المضمار الإصلاحي، دوراً سابقاً سجله لهم التاريخ.

 

         ومع ذلك، ومع كل المثبطات والعوائق المتزايدة، فإن علينا أن ننظر بتفاؤل وأمل إلى مستقبل نُقوّي فيه ذاتنا، ونَقوَى بها وانطلاقا منها لمحاورة الآخر بقصد تجديد معرفتنا به، والإفادة منه، والتعاون معه والتفاعل بإيجاب. وذلكم ما سيمكننا من مواكبة وتيرة التطور السريع الذي يعرفه العالم، والذي علينا أن نشارك فيه، بدءاً من القضايا المستعجلة التي يثيرها بإلحاح والتي علينا أن نوضحها له، وفي مقدمتها قضية التطرف والإرهاب. على أن هناك مشكلات عديدة نحتاج إلى بحثها مع أنفسنا ومعه، بدقة وعمق وبأدوات علمية لا مجال لاستعمالها بدون إعادة فتح باب الاجتهاد، ولاسيما في مجال الفقه وكل ما له علاقة بالدين والحياة.

 

         أشكر لكم حسن استماعكم

         والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

                                                                                              عباس الجراري