أسباب التطرف والإرهاب

    يعتبر التطرف - وما ينتج عنه من إرهاب - ظاهرة، بل إشكالية معقدة تتطلب تحليلاً عميقاً لإدراك مختلف أبعادها وملابساتها، بدءاً من توضيح موضوعي لمفهوم التطرف والإرهاب وتحديد الفرق بينه وبين مدلول الجهاد والمقاومة المشروعة، إلى الأسباب الكامنة خلف هذه الإشكالية وما تفضي إليه من انحراف يجد مصادر لتشجيعه وتمويله، وانتهاءً إلى البحث عن وسائل المعالجة واستخلاص العبر والدروس.

         ونود في هذا المبحث - بعد أن بينا المفهوم - أن نقف عند أهم الأسباب التي هي متعددة، ومنطبقة على جميع ما يقع في البلاد العربية والإسلامية، والتي غالباً ما يركز فيها على الجانب الأمني وحده.

         والحقيقة أن هذا الجانب مهم، إن لم يكن هو الأساس، نظراً للحاجة الملحة إليه لحفظ الاستقرار والطمانينة، إلا أن هذا الجانب - على أهميته وضرورته - لا ينبغي أن يكون هو الهاجس الوحيد، بما يحث عليه من تعزيز الأجهزة المعنية وتقويتها وتحسين أوضاعها، إذ هناك جوانب أخرى، دينية وسياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية وتربوية ونفسية، لا تقل خطراً في حفظ الأمن والاستقرار، تحتاج بدورها إلى أن تعزز وتقوى، وتكون سلاحاً واقياً ورادعاً في الآن نفسه ؛ إذ خلف اختلالها تكمن الأسباب المكشوفة والخفية التي تولد التطرف والإرهاب.

ويمكن إجمال أهم هذه الأسباب فيما يلي:

1) لاشك أن الجهل والأمية يعتبران السبب الأكبر والأكثر تأثيراً في إذكاء نار التطرف. ويبدأ الجهل بأبسط شؤون الدين إلى مختلف متعلقات المواطنة. وهو ما تعمقه الأمية سواء في شكلها الأبجدي المرتبط بالقراءة والكتابة، أو في شكلها الثقافي الذي يمس فئة كبرى من المتعلمين. وإن مثل هذه الظاهرة - حين تشيع - تجعل العقلية جامدة متحجرة، غير مرنة ولا متسامحة، في وقت تبدو أكثر قابلية لمفاهيم كالجهاد والخروج للحرب بغلظة وقسوة، مع عدم القابلية للمناقشة الهادئة المقنعة. وهي تنعكس ليس فقط على الجانب الديني ولكن على مختلف جوانب الحياة.  

                    

2) تضخم ظاهرة الفقر في البلاد العربية والإسلامية، بسبب إهمال تنميتها على النحو الصحيح، وكذا بسبب سوء توزيع الثروة وسوء التسيير والتدبير عامة، وما يتبع ذلك من ظلم وقهر، وابتعاد عن العدل والإنصاف ؛ مما أدى ويؤدي إلى ظهور تيار الغضب والنقمة على الحاكمين بل على المجتمع كله، بما في ذلك النقمة على الذات، أي ذات الغاضبين أنفسهم. 

3) انتشار البطالة بين الشباب القادر على العمل والإنتاج، وهي ظاهرة تمس فئات مختلفة تضم أميين وأنصاف متعلمين، كما تضم أعداداً هائلة من خريجي الجامعات، ومن بينهم حاملو شهادات عليا. فهم بعد سنوات عديدة من عمرهم قضوها يترددون على المدارس والكليات بإنفاق من أسرهم، متعسِّر في الغالب، يجدون أنفسهم في الشارع عاطلين، وقد انطفأت آمالهم وآمال عائلاتهم. بل       يجدون أنفسهم - بحكم الفراغ والحرمان - معرضين لجميع أنواع المغريات، بدءاً من تناول المخدرات إلى الارتماء في أحضان جمعيات مشبوهة تدفعهم بانفعال متشدد إلى أعمال العنف والإرهاب.

4) ضعف حرية التعبير، إن لم نقل انعدامها في كثير من الأقطار العربية والإسلامية، وما يولد هذا الضعف من كبت في النفوس وضغط في الأفكار، مما لا يلبث أن يفضي إلى الانفجار إذا ما حدثت أبسط دوافعه، فكيف إذا تعددت هذه الدوافع عميقة ومتراكمة.

        

5) ابتعاد بعض أنظمة هذه الأقطار عن سلوك النهج الإسلامي، والمبالغة في استهلاك سلبي لما يصدره الغرب من نظم ومناهج وقوانين وقيم ؛ في وقت تلجأ أنظمة أخرى إلى التشدد في اتباع هذا السلوك، والعمل على فرضه ونشره في بلدان أخرى، متوسلة في ذلك بكل ما لديها من إمكانات مادية.

6) اختلال مرجعيات الأمة، وتقلص معالمها، وعجز ما بقي قائماً منها عن أي تأثير ؛ بدءاً من الكتَّاب القرآني إلى المسجد والزاوية وما يرتبط بها جميعاً من هيآت علمية وتربوية فاعلة، دون إغفال سلطة السياسة ؛ في غير تقديم البديل الصالح والمناسب للعصر، رغم وجود المدارس والجامعات والجمعيات والأندية التي هي على كثرتها لا تتوافر لها مصداقية المرجعيات الحق، ولا ما ينبغي لها من فعالية ؛ سواء داخل البلاد العربية والإسلامية، أو خارجها مما تقتضي المرحلة الراهنة من تعريف غير المسلمين بحقيقة الإسلام، وتصحيح الأخطاء   الشائعة بينهم عن الدين، ورد ما يلصق به من أكاذيب وافتراآت.

7) قلة التواصل بين الأجيال، وكذا بين سائر فئات المجتمع، مما نشأ عنه ازدياد شقة التباعد ثم الخلاف، لاسيما بين الطبقات الشعبية وبين العلماء والمثقفين الذين انعزلوا أو هُمشوا، والذين غدوا عاجزين عن أي تواصل مقبول ومقنع ومثمر، وأخلوا المكان لأميين أو أنصاف متعلمين نصبوا أنفـسهم للإفتاء والتوجيه بجهل وعنف ؛ فكان أن ضعف الوعي الديني والوطني لهذه الطبقات التي ارتمت في أحضان أجهزة أخرى غريبة عنها عرفت كيف تغذي التذمر والاضطراب، وتدفع إلى رفع التحديات بأساليب القوة والعنف.

8) وضع الإعلام المتردي في معظم أجهزته العربية والإسلامية، واعتماده بالخنوع أو التقليد على ما يمده به الإعلام الغربي، في غير مبالاة بما يمس الكيانات الوطنية، إن لم يكن في تعمد لذلك ؛ ولا سيما ما يتصل بالمجال الديني الذي قلما يعطي الحيز الكافي واللائق، والذي قد تدس عبره سموم بقصد أو بغير قصد. بل إن بعض الأجهزة الإعلامية تعمل - على عكس ذلك وانطلاقاً من بعض الجهات المتطرفة - على تبليغ ثقافة ترسخ في أذهان غير المسلمين، أن الإسلام دين التشدد والقتل والإرهاب، ودين يناهض حقوق الإنسان، ويحث على كراهية الغرب ومعاداته ورفض ديمقراطيته وحداثته.

9) عدم اهتمام الجهات المعنية والمسؤولة بتكوين الوعاظ والمرشدين والخطباء ومن إليهم من الذين هم مكلفون، أو ينبغي أن يكونوا مكلفين بتقريب الدين في يسره إلى عموم الناس، وخاصة إلى الشباب المتعلم المشدود إلى ثقافة عصره عبر الوسائل المتطورة الكثيرة والمتوافرة، والرافض بسخرية للأساليب التقليدية التي يتوسل بها معظم الدعاة، والرافض كذلك للقضايا السطحية التي يتناولونها، بعيداً عن الواقع، وعن المشكلات الحادة التي يعانيها المجتمع، وفي غير تجاوب مع طموحات الأجيال الصاعدة ومالها من تطلعات.

        

10) إهمال جانب التربية الدينية الصحيحة والملائمة في برامج التعليم. وحين لا يهمل فإنه        يقدم بشكل منفر وبغيض يرتكز على تضخيم المقررات، في اعتماد على إبراز         المسائل الخلافية بين المسلمين، وكذا تناول موضوعات وقضايا معقدة لا يليق تقديمها      للنشء المتعلم، وقد يكون منها ما هو من قبيل الخرافات.

11) إذا كان عنصر التربية الملائمة مغيباً في المدرسة، فهو كذلك مغيب في المجتمع،    انطلاقاً من الأسرة التي أهملت تنشئة الأطفال على النحو الصحيح، وتخلت عن         مصاحبتهم وتوجيه تفكيرهم وملاحظة سلوكهم وتقويمه عند الحاجة، ومساعدتهم على          حل مشاكلهم وتحقيق أهدافهم ؛ فكان أن نفروا من آبائهم وأمهاتهم وانعزلوا عنهم   وعن بيوتهم، وارتموا في أحضان الشارع والجماعات       المشبوهة التي تعينهم على     تلبية رغباتهم الآنية وما هم منه محرومون.

12) انطلاقاً من هذا العزل عن الأسرة والمجتمع، تستغل جهات مغرضة - داخلية أو      خارجية - صغر سن الأطفال وطراوة الشباب، كما تسغتل تعلمهم المحدود والضعيف        وإحساسهم بالظلم والحرمان، فتعمل على استدراجهم وتعميق عزلتهم عن محيطهم        الخاص والعام، وعلى غسل دماغهم وحشده تدريجيّاً وبأساليب هادئة ومؤثرة تسهل     الاقتناع التلقائي، عن طريق إبراز غايات مغرية، كالدفاع عن الإسلام وإصلاح   الأحوال العامة ؛ مما ينطلقون لتحقيقه بالتزام صارم يصعب عليهم معه أي تراجع،         حتى حين يدركون انحراف تلك الغايات. 

13) سعي متواصل وحثيث من جهات أجنبية غير إسلامية إلى نشر التطرف بين المسلمين، وإذاعة التعاليم المتشددة بينهم، بغية تفريق صفهم وتشتيت كلمتهم وتمزيق      وحدتهم، وتشويه صورة الإسلام وتقديمها على نحو يتعارض مع حقيقته. وهو السعي الذي بدأه الغرب منذ القرن الثامن عشر، وفق ما تكشف وثائق عملائه ومخبريه الذين كانوا يرحلون للبلاد الإسلامية ويندمجون في مجتمعاتها - ولاسيما البدوية منها -  ويحكمون الصلة مع أعيانها وعلمائها، ويبحثون عن إمكان تطبيق ما يسعون إليه، بهدف قريب هو إبراز جوانب ضعف هذه البلدان، وبهدف بعيد هو التمهيد لاستعمارها. وتكفي الإشارة - من بين تلك الوثائق - إلى مذكرات الجاسوس البريطاني المستر همفري الذي كانت له رحلة طويلة إلى الشرق بدأها عام 1710. 

14) رد فعل الجماهير العربية والإسلامية ضد الاستعمار الصهيوني لفلسطين واحتلال جيوب أخرى في المنطقة، وما يقوم به من أعمال وحشية ينتج عنها واقع أليم يعانيه الفلسطينيون ويعانيه معهم جميع العرب والمسلمين ؛ في اضطرار إلى مواجهة العنف بالعنف، مما هو من قبيل المقاومة المشروعة.

15) تعبير تلقائي ضد الموقف الغربي المساند للسلوك الصهيوني في المنطقة، وما هو مترتب عليه فيما يتعلق بالسياسة التي ينهجها الغرب في تعامله مع العرب والمسلمين أينما كانوا، والتي تسعى بطرق قهرية وقسرية - وهي تزعم الإصلاح - إلى فرض خطط وبرامج من شأنها في مختلف المجالات أن تقوي هيمنته وترسخ تسلطه، في وقت تزيد تشتتهم وتعمق تخلفهم. وما حرب العراق إلا مظهراً يبلور هذا التوجه، إن لم يكن البداية لمرحلة تاريخية قادمة قد يصحبها وضع خريطة جديدة للأقطار العربية والإسلامية أكثر تمزقاً وتقزماً.

   *** *** ***

         وبعد، فهذه بعض العوامل التي يمكن من تحليلها استخلاص تشخيص دقيق لإشكالية التطرف وما يترتب عنه من إرهاب. وهي - كما يتضح من مجرد تأملها - تبدو نتاج واقع معقد، إن لم أقل نتاج مجتمع أو مجتمعات تسودها الأمية وينتشر فيها الفقر ويغلب عليها القهر، في غياب مرجعيات حقيقية وفاعلة.

         وإذا كان من الصعب اقتراح المعالجة الناجعة والمباشرة للأدواء التي تحملها هذه العوامل، - وهو ليس من شأن هذا المبحث المحدود - فإنه تكفي الإشارة كخاتمة له، إلى أن مثل هذه المعالجة ينبغي أن تراعي اتجاهات ثلاثة:

أولا :  ضرورة سلوك سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية قائمة على مخططات تهدف إلى تحسين أوضاع الفئات المعوزة، والتخفيف من الفوارق الاجتماعية، وتوفير التربية والتعليم وفرص العمل وإمكانات الاستشفاء والسكن اللائق.

                  

ثانياً:   العمل على نشر الوعي الديني والوطني الهادف إلى تكوين المواطن الصالح، مما يقتضي فتح الباب للنخبة المؤهلة، عبر تشكيل مؤسسات وأجهزة علمية قادرة على مراجعة البرامج الإعلامية والمقررات التعليمية، وقادرة بمرجعيتها الصحيحة على توجيه الرأي العام، وتأطيره بمنظور واضح وسليم للمواطنة يعيد الدور الذي ينبغي أن تقوم به الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمجتمع كله.

ثالثا:  بذل الجهد الأمني الصارم الذي هو أحد ملامح قوة الدولة، لكن بدون تضييق مجال الحريات، فضلاً عن خنقها، أو إطلاقها بفوضى وتسيب، وكذا بدون الحرمان من سائر الحقوق.

رابعاً:  التحذير من الوقوع في الخطإ الفادح باستغلال ما يقع من أحداث إرهابية، لتشويه صورة المقاومة المشروعة لاسترجاع الأرض والتحرر من الاحتلال، على نحو ما يحدث في فلسطين، أو باستغلاله لمهاجمة الإسلام والداعين إلى الإصلاح والتحديث، بناءً على قيم الدين ومقوماته، بوسطية وتسامح وتفتح، مع ضرورة مراجعة كل متعلقات ذلك، انطلاقاً من نقدٍ ذاتي بدونه لن يتحقق شيء. وإن الوقوع في مثل هذا الخطإ سيفضي بدون شك إلى مضاعفة التطرف وما يتبعه من إرهاب.

خامساً: التذكير بالحركات المتطرفة والجماعات الإرهابية التي تنشط في الغرب، والتي ليست لها أية صلة بالإسلام والمسلمين، مثل العمل المباشر في فرنسا، وإيتا الباسكية الانفصالية في إسبانيا، والألوية الحمراء في إيطاليا، والجيش الأحمر في ألمانيا، وحركة 7 نونبر اليسارية في اليونان، مما يكشف أن الإرهاب ظهر في أوربا قبل أن ينتقل إلى العالم الإسلامي. كما ظهر في أمريكا عبر الصراع العنصري الرامي إلى سيطرة البيض على السود، وكذا في روسيا وهي تواجه الإقطاع(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــ

(1) انظر المبحثين المتعلقين في هذا الكتاب بمفهوم مصطلحي التطرف والإرهاب.