اللغة العربية:

 

واقع يحتاج إلى تطوير

 

 

 

عباس الجراري

عضو أكاديمية المملكة المغربية

 

 

 

 

 

 

 

عرض قدم في اللقاء الثاني من الندوة العلمية حول

" قضايا استعمال اللغة العربية في المغرب "

المنعقد بفـاس يومي 16 و17 ربيع الثاني 1426هـ

الموافق 25 و26 ماي 2005م

     

بسم الله وبه أستعين

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

السيد رئيس الجلسة الموقر

سيادة أمين سر الأكاديمية المحترم

الزملاء الكرام والإخوة الأساتذة

حضرات السيدات والسادة

 

 

       يسعدني أن ألقي هذا العرض عن اللغة العربية من حيث واقعها الذي يحتاج إلى تطوير، مشاركة مني في أعمال اللقاء الثاني من الندوة العلمية التي تنتظم لدراسة قضايا استعمال اللغة العربية في المغرب، والتي عقدت أول لقاء لها قبل أزيد من عشر سنوات(1). وهو الاستعمال الذي يعتبر السهر على تناول مختلف قضاياه من خلال لجنة اللغة العربية، في طليعة المهام المنوطة بأكاديمية المملكة المغربية، وفق ما ينص على ذلك ظهير تأسيسها.

 

*** *** ***

 

 

______________________

(1) تم هذا اللقاء في الرباط يومي 23 و24 جمادى الأولى 1414هـ الموافق 8 و9 نوفمبر 1993م، وشارك فيه الكاتب ببحث عنوانه: "اللغة العربية بين التطوير والتقويم". انظره في كتاب الندوة، وكذا في كتاب: "قضايا للتأمل برؤية إسلامية" لصاحب هذا العرض، ابتداء من ص: 101 (منشورات النادي الجراري – رقم 20 مطبعة الأمنية – الرباط 1421هـ-2000م).

      إن اللغة – من حيث هي – ظاهرة اجتماعية تنشط وتقوى وفق نشاط مجتمعها، وما له من قوة لخوض غمار واقع الحياة وفتح آفاق المستقبل. وهي قد تفتر وتضعف إذا ما فترت حركة هذا المجتمع، وبدا عاجزاً عن حل ما يعترضه من مشكلات، ورفع ما يواجهه من تحديات.

 

      ومن ثم، فإنها تكتسب كينونتها وتكتسي حيويتها، بقدر ما يكون للناطقين بها والكاتبين من إمكانات، لبث الحياة فيها، وإبقاء هذه الحياة متواصلة فيها ودائمة، لا يعترضها عائق في التعبير عن أي جديد تعيشه، مهما يكن هذا الجديد ؛ مما يجعل اللغة في حقيقتها، صدى يعكس واقع الذين يتوسلون بها في شؤونهم العامة والخاصة.

 

      ثم إن اللغة كائن حي يحتاج إلى النمو الدائم والتطور المستمر، في مواكبة تلقائية لمستجدات العصر، وما تستوجب من استعمالات تتطلب بدورها ألفاظاً ودلالات تغني معجمها بالتوليد والاقتباس، كيفما تكن طبيعة هذا العصر ومجتمعه متسمة بالضعف والانهيار. وقد يصل هذا التطور وذاك النمو إلى حد التغيير الذي يتجاوز تلك الألفاظ والدلالات إلى المباني وما بينها من علاقات، والذي لا تخفى إيجابياته، ما لم يمس البنيات الأساسية، أو يُصبْ ملامحها بالتبديل والتشويه.

 

      وبحكم تلقائية هذه العملية – وحتميتها كذلك – فإنها تتم حسب الحاجة، ووفق ما يفرضه التداول، وفي محاولة بالسليقة قبل أن تكون بالعلم، للملاءمة مع القوانين الضابطة والمعايير المتحكمة، وبناء على إجراء اختياري نابع من كونها وجميع متعلقاتها مرتبطة بحق أصحابها في التوسل بها دون غيرها، سواء للتواصل فيما بينهم، أو للإبداع، أو لاكتساب المعارف والعلوم.

      ومن العجيب أن العالم كله يتحدث اليوم عن حقوق الإنسان، وعن أبرز هذه الحقوق ألا وهو حق الاختيار، استناداً إلى الانتماء وما يستلزم من حاجات، دون محاولة فرض أي اختيار آخر يكون غريباً عن هذا الانتماء، وغير مستجيب لتلك الحاجات. ومع ذلك يراد للعرب أن يحرموا هذا الحق الذي يمارسه غيرهم، والذي مارسوه هم طوال عدة قرون.

 

      وباعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية وكائناً حيا – على النحو الذي بينا – فإنها ذات مفهوم جامع وشمولي، يجعل منها بنية متكاملة تكونها أصوات ورموز، منها تتركب كلمات تكتسب معاني ودلالات بحكم ارتباط بعضها ببعض، ووفق ما يحتاج إليه المتوسلون بها للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ثم للتفاهم والتعارف. وهي حاجة تحثهم على توسيع متن هذه اللغة وتدقيقه، وتحديد القواعد الضابطة لاستعماله والمعايير الفنية لتجميله وتحسينه. كما تحثهم بذلك على الارتقاء المستمر بها، لإظهار تفوقهم، ومضاهاة غيرهم في مجال الإبداع والإنتاج على مستوى العلوم والآداب والفنون، وكذا على الصعيد العام كأداة للتواصل، سواء فيما بينهم أو مع الآخرين.

 

      وإذا كان هذا التعريف ينطبق على جميع اللغات، دالاً على وظيفتها المادية التي بها تصبح كيانا حياً ونسيجاً تُشكَّل الثقافة من خلاله، والأساس الجامع لجذور المجتمع الناطق بها، فإنه بالنسبة للسان العربي يكتسي عناصر إضافية هي لا شك ضمن مميزاته ومزاياه. وتكمن في الجانب الروحي النابع من كون القرآن الكريم نزل بهذا اللسان المبين، وجاء معجزاً به، لفظاً وأسلوبا وبيانا ونظماً ومضموناً. كما تكمن في كونها لغة التراث الحضاري والثقافي الذي رافق ويرافق الإسلام، سواء في الأقطار الناطقة بها – حتى حين يوجد بها غير مسلمين – أو في غيرها من البلدان الإسلامية مهما تكن لغات التخاطب فيها.

 

      وغير خاف أن ارتباط اللغة العربية بهذا الجانب، أغنى مضامينها بقيمه وشرائعه، وأضفى عليها جمالية رائعة، وأتاح لها ما لم يتح لغيرها، إذ غدت – كما سبق الذكر – لحمة متينة تربط العرب بغيرهم من المسلمين الذين لا ينطقون بها، حيثما وجدوا، يتلون بها القرآن الكريم ويحفظونه ويتعبدون به، ويشعرون من خلاله بإحساس باطني يداخل وجدانهم، فيزيدهم إعجاباً بها ورغبة في تعلمها، واعتباراً لها أحد مكونات هويتهم الذاتية.

 

      ومن المؤكد أن اللغة العربية تعرضت – طوال مسيرها الممتد قروناً عديدة – لتطورات كثيرة، بحكم اتساع رقعة الأوطان العربية والإسلامية، وتعدد الناطقين بها من غير العرب، وكذا بسبب التمازج الذي حدث بين سكان الحواضر والبوادي، ثم نتيجة الاحتكاك بمجتمعات أجنبية، والصدام مع الاستعمار، وما أعقب ذلك من نهوض صاحبه وعي جديد وتطلع إلى التقدم واللحاق بالأقطار التي حققته.

 

      وهي اليوم في هذا السياق الساعي إلى مواصلة تنميتها ورقيها، تواجه مشكلات كثيرة تكشف أن موقفنا منها هو أبرز مظاهر واقعنا وما نعاني فيه من ضعف وانهيار، وحيرة وتردد، وعجز عن مصارحة الذات ومحاولة علاج أدوائها. ولا شك أن بعض تلك المشكلات هو مما تراكم عليها طوال       فترات الضعف، وأن بعضها الآخر هو مما يصادمها في المرحلة الراهنة من تحديات ليس من السهل التغلب عليها ورفعها ؛ وأبرزها تحدي العولمة، والفقر الذي تشكوه في التعبير عن مستجدات هذه المرحلة، وما يستحدث فيها من مصطلحات علمية وحضارية وثقافية تحتاج إلى أن تقتبس أو تترجم، ومن ألفاظ دالة على مفاهيم ومعان جديدة يتطلب استعمالها أن تكون واضحة في الأذهان.

 

      إن اللغة العربية في حاجة – لكي تكون لغة العصر وما يجد فيه من معارف وعلوم ووسائل التواصل المستحدثة – إلى أن تعتبر اللغة الأم، أي اللغة الوطنية والرسمية ذات السيادة الكاملة، بعيداً عن أية هيمنة تكون للغة أجنبية كيفما تكن هذه اللغة، وبعيداً كذلك عن كل محاولة لفرض لهجة عامية محلية، مهما يكن لهذه اللهجة من حضور في الواقع أو التراث.

 

      ولا يمكن أن تكون هذه السيادة كاملة إلا إذا تجلت في مختلف المجالات الحيوية للمجتمع، وإلا إذا كان عليها الإجماع، في ثقة بها وإيمان بضرورة تدعيمها وترسيخها، وجعلها لغة الحياة العامة، وفي مختلف المرافق الإدارية، وكل ما يحتاجه المواطن في علاقته بالمؤسسات الرسمية وغيرها ؛ دون الاضطرار بتمحن إلى الازدواج اللغوي الذي أضحى ظاهرة شائعة في كثير من الأقطار العربية بعد أن تحررت من الاستعمار ؛ مما تكمن خلفه أسباب اجتماعية ونفسية، إلى جانب إغراء منتجات الحضارة الحديثة، مما لا شك يكون له تأثير على وحدة المجتمع الذي يعاني عقداً ومركبات تظهر آثارها على لسانه، بقصد منه وبدون قصد، لرسوخها في وعيه ولاوعيه.

 

      إن اللغة أداة توحيد في المجتمع، لا أداة تفريق. ولعل مما يرسخ هذه الحقيقة، أن تكون لغة التعليم في جميع مراحله، بما فيها المرحلة الجامعية وما يتصل بها من بحث علمي،  بكل ما يقتضيه من اجتهاد في نقل المصطلحات وما إليها مما يجد في هذا البحث على مستوى العالم.

      وإنه لخطأ فادح ما يحدث في معظم الجامعات العربية، حين يراد قصر اللغة العربية على الدراسات الأدبية والإنسانية، مع فسح المجال للغة الأجنبية بالنسبة للعلوم التقنية والمعارف العصرية. ومن العجيب أن الذين يريدون أن تقتصر اللغة العربية على تلك الدراسات وما فيها من حقول فكرية وإبداعية، ينسون أنها هي التي تحتاج إلى معجم أوسع وطاقات تعبيرية أكبر، في حين أن ميادين العلوم الأخرى – على سعتها وتعددها ووفرة جديدها – لا تتطلب في الاستعمال التخصصي الدقيق، سوى متن محدود تملأه مصطلحات يمكن التغلب بالتعريب والاقتباس على ما عندنا فيها من نقص كثير ومتزايد ؛ إضافة إلى ما في التراث العلمي العربي في هذا الباب.

 

      وهو إمكان مشروط بتوافر الرغبة والشجاعة لمواجهة هذا النقص، مع بذل الجهد اللازم الذي يتطلبه التنقيب في ذلك التراث ؛ بعيداً عن أي تباطؤ أو تمحن في محاولات متعثرة للتعريب، ومثبطة لعزائم الداعين إليه ؛ وبعيداً كذلك عن الرفض المطلق للاقتباس على ما في هذا الاقتباس من ربح للوقت، وكذا إغناء لمتن اللغة العربية التي لا يخفى ما أَثْرت به من دخيل على مر العصور.

 

      إن اللغة العربية – بهذا كله وكأية لغة أخرى – عنصر أساسي في التنمية وما ينتج عنها من رقي وتقدم، سواء في بُعدها البشري أو في سياقها الشامل المستديم. ولا إمكان لتحقيق هذه التنمية بلغة أجنبية أو بشتات لغوي، مهما يكن في المجتمع من تعدد وتنوع. وحتى حين يوجد مظهر ما لهذا التنوع والتعدد – كما هو حال الأمازيغية في المغرب على سبيل المثال – فإنه ينبغي معالجته بما يحفظ له ثراءه وقيمته في إغناء المكونات الاجتماعية والثقافية، ولكن كذلك – بل قبل ذلك – بما يحافظ على اللغة الوطنية والرسمية التي هي الآصرة الجامعة واللحمة الموحدة لذاك المجتمع.

 

      وإلى جانب هذه المتطلبات الأساسية لحماية اللغة العربية وتقويتها، فإنه يلزم كذلك احترام استعمالها في الملتقيات الدولية التي اعترفت بالعربية لغة عالمية، والتي تستغرب مع هذا الاعتراف ما يصدر عن بعض المسؤولين العرب من تجنب الحديث بها، ولجوئهم إلى لغات أخرى لتقديم خطبهم، على نحو ما يلاحظ مثلاً في منظمة اليونسكو وهيئة الأمم المتحدة. وقد تفاقمت هذه الظاهرة المؤسفة إلى حدٍّ جَعل الأمين العام الأممي يثيرها، مستغرباً ما يقع فيه هؤلاء المسؤولون من تناقض، حين يطالبون بجعل العربية لغة رسمية في المنظمة، ثم هم في الوقت نفسه يتخلون عنها ؛ على الرغم من أن ترسيم هذه اللغة كلف الكثير لتحقيقه، سواء على مستوى التجهيزات أو المترجمين أو المطبوعات وما إليها من لوازم العمل.

 

      ومع ذلك، فإن الدعوة إلى إيلاء اللغة العربية ما هي جديرة به من مكانة، لا تعني تصنيمها أو تقديسها إلى حد التجميد الذي قد يفضي إلى الموت والتحنيط، ولكن تعني وجوب تطويرها والإسراع بتحقيق ما هي في أمس الحاجة إليه.

 

      ويمكن البدء في ذلك بتقريب هوة الاختلاف بين مستعملي اللغة العربية في الأقطار الناطقة بها، وحتى داخل القطر الواحد. وهو الاختلاف الناتج عن طبيعة البيئة والسكان وما لها من تأثير على الألسنة، وما قد تفرزه من لهجات عامية محلية قد تكون نابعة من هذه اللغة، كما قد تكون بعيدة عنها. ويمكن لهذا التقريب أن يتحقق باقتباس ما هو متداول من تلك اللهجات على الصعيد العام، مما هو غير موجود له مثيل في اللغة المعربة أو الفصحى، وإخضاعه للتفصيح.

 

      وهي عملية تبدو اليوم سهلة إن لم تكن قد بدأت تتحقق، بفضل انتشار التعليم، وتعدد وسائل الإعلام على العموم، والمرئية منها على الخصوص ؛ مما قد تنتج عنه لغة عربية فصحى جديدة تتسم بالبساطة وسعة التداول. وهذه لا شك ظاهرة حميدة سترفع من مستوى العاميات، دون أن تنزل بمستوى اللغة الأم أو تسف بها. كما أنها ستحول دون إحلال تلك العاميات مكانها.

 

      ولا شك أن هذه العملية تحتاج إلى شيء من المرونة في التقريب بين ما تضبطه المعايير اللغوية والقواعد النحوية والصرفية، وبين ما يجري على ألسنة الناس مما استسهلوا صياغته وتداولوا التعبير به ؛ لكن في غير تشدد أو تضييق، وكذا في غير انسياق للتيسير والمبالغة فيه ؛ مما يستلزم مراعاة القوانين الأساسية التي  بها تتأتى سلامة التعبير وجودته وجماله، دون إغفال التحول الذي أصاب المعاني الأصلية والمفاهيم القديمة على امتداد العصور، فأكسبها غير قليل من الجديد.

 

      وحتى يتحقق مثل هذا المبتغى على أوسع نطاق، فإنه لا مناص من قيام تنسيق بين مختلف الهيآت والمراكز المسؤولة عن اللغة العربية، بدءاً من المجامع والأكاديميـات إلى الجامعات وما إليها من مؤسسات تعليمية وتكوينية ؛ وهي في عمومها محتاجة إلى غير قليل من التطوير والتجديد. ولعل إنشاء مجمع لغوي موحد أن يكون خير انطلاق لكل ما يتطلع إليه المهتمون بشأن اللغة العربية والمهمومون به ؛ مع الإشارة إلى أنهم جميعاً يعلقون آمالاً كبيرة في هذا المضمار على المشروع المغربي بإحداث «أكاديمية محمد السادس للغة العربية»، منتظرين تنفيذه بفارغ الصبر.

 

      ويكاد جماع هذه التطلعات أن يكون مؤسساً على الاعتزاز باللغة العربية، والحرص عليها، والتمسك بها، واستعمالها – بناء على ما ذكرنا من قبل – في البحث العلمي، والإعلام، والتعليم، والإدارة، والإعلان التجاري، والتخاطب اليومي، وفي مختلف المياديـن ؛ وكذا إيلائها محلها اللائـق بها – على الصعيدين الرسمي والشعبي – من حيث هي أحد أهم مقومات الذات والكيان، حتى وإن اقتضى الأمر إصدار قانون يلزم بذلك ويعاقب مخالفه. وهو وضع لا يتنافى أو يتعارض مع ضرورة تعلم لغة أو لغات أجنبية، بقصد توظيفها الإيجابي في المجالات التي تستدعي هذا التوظيف.

 

      وليس يخفى أن تحقيق جميع ما نطمح إليه، يتطلب مزيداً من العناية بتلقينها، وتحسين مناهج هذا التلقين في مراحل التعليم وتحبيبه إلى الناشئة ؛ مع العناية بتأليف مقررات دراسية ملائمة، وبتكوين المدرسين والمعلمين، وكذلك الإذاعيين ومن إليهم من القائمين على الإعلام، وكل الذين هم بحكم طبيعة وظائفهم يخاطبون عموم الناس ويشدون إليهم المسامع والأنظار.

 

      والدعوة إلى إعادة النظر في مناهج تدريس اللغة العربية بمختلف مراحل التعليم، تتطلب التركيز على ما يتعلق بقواعد النحو والصرف، بما يجعلها مستساغة وطيعة في الاستعمال، بعيداً عما هو شاذ أو خلافي، أو معقد يصعب على التلميذ أو يشوش عليه. كما تتطلب إبراز القدرات الإبداعية التي تختزنها هذه اللغة، وما لها من إمكانات للتعبير عن كل جديد، وكذا إظهار عناصر رشاقتها وملامح جمالها من خلال اختيار نصوص فكرية وأدبية منتقاة من القديم والحديث. ثم يعزز ذلك بتدريب النشء على الكتابة السليمة والإنشاء الصحيح بتدرج وترغيب، وفق معجم ميسر ومكتمل وواضح. وهو ما يقتضي تخفيف هذا المعجم من كثير مما تغتني به القواميس العربية من ألفاظ لم تعد مستعملة أو قل استعمالها، وكذا من مرادفات قد تثير البلبلة في ذهن المتعلم المبتدئ.

 

      وتجدر الإشارة في هذا السياق التربوي التعليمي إلى ضرورة تطويع اللغة العربية وتوسيع استعمال حرفها في الحاسوب الذي غدا أداة التواصل الأولى بين الشباب، مما قد يساعد على تبادل المعلومات بها، ويجعلها قادرة على التوسل بمختلف آليات العصر وتقنياته في جميع العلوم والمعارف وما يجد فيها من ابتكارات متوالية واختراعات متسارعة، مع ما يصاحبها من مفاهيم جديدة وألفاظ دالة عليها لم تكن معروفة.

 

      على أن العناية بهذا الجانب التربوي التعليمي – وهو الأساس – لا ينبغي أن تبعد المهتمين بقضايا اللغة العربية عن النظر إليها من خلال الأزمة العامة التي تعيشها في أبعادها المختلفة، سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية، وما تعاني في ذلك من تحديات متعددة.

 

      ويبقى بعد هذا أن اللغة العربية هي الخيط الواصل بين المغاربة كافة، وكذا بين العرب والمسلمين على العموم، والجامع لشملهم، والمعبر عن انتمائهم، والرامز لوحدتهم. وهي بمتنها وقوانينها الضابطة لها، وبتراثها الغني الغزير، وببعدها الروحي المتمثل في القرآن الكريم، تشكل أساساً يدعم الشخصية العربية ويقوي كيانها. وذلكم ما يجعل خصوم العرب يحقدون عليها ويسعون إلى تبديلها جملة، أو تغيير نمط كتابتها، أو إلغاء ضوابطها بدعوى بعض الصعوبات التي تعانيها، أو بعض المشكلات التي تصادف متعلميها، يضخمونها ويعتبرونها عقبة كأداة تحول دون توسيع مجال انتشارها، وتجعلها غير قادرة على مواكبة العصر وما يحفل به في مختلف حقول المعارف والعلوم.

 

      والحقيقة أنهم بمحاولة الطعن في اللغة، يرمون إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى ما هي مرتبطة به من عقيدة وفكر، وحضارة وثقافة، وتاريخ وتقاليد متوارثة، وكل ما تلخصه وترمز إليه في حياة العرب والمسلمين، حتى يبتعدوا عنها كليا باستعمال غيرها، أو جزئيا باستعمال لها غير صحيح غالباً ما يقرن بالدعوة إلى العاميات.

 

      إن الابتعاد عن اللغة العربية في كلتا الصورتين، سواء باللجوء إلى لغة أجنبية أو إلى لهجة عامية، لا يؤدي ولن يؤدي سوى إلى تقوية تيار التغريب، وزرع بذور النزعات العرقية والنعرات العنصرية التي لا تفضي عند تمكنها من النفوس إلا إلى الصراع والصدام، ثم إلى التفرقة والانقسام ؛ ومن ثم إلى إيجاد هويات ممسوخة وكيانات ممزقة قد لا تجد العولمة أية صعوبة في ابتلاعها والتهامها لقمة سائغة.

 

*** *** ***

 

 

 

 

 

 

أيها الزملاء والإخوة الأساتذة

حضرات السيدات والسادة

 

      هذه هي أهم الجوانب التي سمح الوقت المحدد للعرض بتناولها، والتي لا شك أنها ستثير قليلاً أو كثيراً من النقاش. وإني إذ أعرب عن ترحيبي بما قد تبدون من آراء وأفكار ستغني الموضوع بكل تأكيد، لا أملك إلا أن أعبر عن شكري لكم على حسن إصغائكم، مجدداً ما أحس به من اعتزاز بالمشاركة في هذا اللقاء العلمي المتميز.

      

       والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

            

                                                             عباس الجراري