معنى دستورية اللغة

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

عرض مقدم للندوة الوطنية التي تعقدها لجنة القيم والتراث

بأكاديمية المملكة المغربية في الرباط

حول "اللغة العربية في الخطاب الإعلامي والإداري والتشريعي بالمغرب"

يومي الأربعاء والخميس 11 و 12 ذو القعدة 1431هـ

الموافق 20-21 أكتوبر 2010م.

 

لسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

السيد مدير الجلسات

السيد أمين السر الدائم

حضرات الزملاء الأساتذة

أيتها السيدات والسادة

 

 

يسعدني أن أشارك في هذه الندوة الوطنية التي تعقدها لجنة القيم والتراث بأكاديمية المملكة المغربية، حول "اللغة العربية في الخطاب الإعلامي والإداري والتشريعي بالمغرب". وقد اقترحت لمشاركتي موضوعاً بعنوان: "معنى دستورية اللغة" قاصداً منه إلى إمكان إيجاد ملاءمة بين ظاهرة التعدد اللغوي في المغرب، وبين اعتبار العربية لغة رسمية له وفق ما ينص عليه الدستور ؛ وذلكم من خلال المحاور الآتية:

 

*** *** ***

 

أولا: مفهوم الدستور وتعبيره عن الهوية الوطنية

 

الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يضبط شكل الدولة ونظام الحكم فيها بجميع ما يرتبط بهذا النظام من قواعد وقوانين، بمقتضاها تنشأ السلطات العامة وتحدد طرق ممارستها وما لها من اختصاصات ؛ مع ضمان الحقوق والحريات العامة للأفراد. فهو بهذا يرسم الاتجاهات العامة للحكم، ويؤكد المشروعية ومبدأ خضوع الدولة للقانون. ومن ثم فإن سيادته لا تنازع. إلا أنه لا يتسم بالجمود، فما قد يكون له من قابلية أو ضمانات لإجراء بعض التعديلات يرجع إلى واضعه الذي هو صاحب السيادة.

 

فهو بهذا يعتبر بطاقة تعريف للدولة، به تبرز ذاتها وشخصيتها، أي هويتها، إن لم نقل إنه هو الهوية نفسها بكل ما يشكلها من قيم ومقومات.

 

وعلى الرغم من أننا لا نريد الوقوف طويلاً عند مفهوم الهوية، فإنه لا بد من التذكير بأنها هي ما به يكون الشيء هو هو، من حيث تشخصه وتحققه في ذاته، ومن حيث تفرده عن غيره، مما يجعل الهوية تقابل الغيرية. فهي بهذا وعاء الضمير الجمعي لأي مجتمع ومحتوى هذا الضمير، مما به تتشكل الشخصية في إنيتها وجوهرها باعتبارها كياناً ثابتاً ووجوداً راسخاً(1).

 

وقد ارتبطت الهوية في المغرب بالإسلام الذي أصبح اعتناقه مع اللغة العربية رمز الانتماء إلى هذه الهوية. ومن ثم دعا إلى التشبث بها، ليس فقط بما جاء به من عقيدة وشريعة، ولكن كذلك عبر قيمه وتوجيهاته السلوكية، ومن خلال اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، كتاب الدين. وهو ما أضفى على الهوية سمة العروبة التي لا تعني مدلولها الجنسي أو العرقي، ولكن تعني بعدها الفكري والثقافي والقيمي، أي ما هو لغة أو له صلة باللغة. وهو البعد الذي ______________________

(1) انظر كتابنا "الثقافة من الهوية إلى الحوار" فصل "مكونات الهوية الثقافية المغربية" ابتداء من ص: 9 (منشورات النادي الجراري رقم 3 الطبعة الأولى 1413هـ-1993م).

وانظر كذلك كتابنا "هويتنا والعولمة" ولا سيما فصل "الهوية" ابتداء من ص: 10 (منشورات النادي الجراري رقم 18 الطبعة الأولى مطبعة الأمنية الرباط 1421هـ-2000م).

ظل مصطلح العروبة محافظا عليه، والذي تبقى اللغة العربية أبرز مظهر له وأهم مضمون له كذلك، لا سيما بعد الهزائم المتوالية على العرب وما يعانون اليوم من إكراهات ويواجهون من تحديات، لم يبق لهم جامع أمامها غير الثقافة.

 

وإذا كان حضور الإسلام والعربية قد ترسخ في المغرب منذ الفتح الإسلامي على مدى أزيد من ثلاثة عشر قرنا، فإن ظهور بوادر النهضة الحديثة وما جاءت به من تجديدات عصرية، ولا سيما بعد الاستقلال، جعل الدساتير المغربية تنص عليهما فيما تستهل به من تصديرات.

 

ففي مفتتح دستور 1962 ورد أن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب الكبير". وهو باللفظ نفس التصدير الذي استهلت به دساتير 1970، و 1972 و 1992 و 1996 مع تغيير في هذا الأخير لعبارة "المغرب الكبير" إلى "المغرب العربي الكبير".

 

وكان القانون الأساسي الذي صدر للمملكة قبل ذلك عام 1961 قد نص في فصوله الأولى على ما يلي:

الفصل الأول : المغرب مملكة عربية إسلامية.

الفصل الثاني : الإسلام دين الدولة الرسمي.

الفصل الثالث : اللغة العربية لغة البلاد الرسمية والقومية.

 

هذا من غير أن نغفل المراسيم والمذكرات التي صدرت وما زالت تصدر عن الحكومة، والتي تؤكد بدون جدوى للأسف أن العربية هي اللغة الرسمية، وتدعو إلى التزامها في المراسلات وغيرها مما يتعلق بالإدارة ومصالح المواطنين.

 

وبالرجوع إلى ما قبل الحماية، فإننا نجد أن المحاولات الأولى لإحداث الدستور كانت تنص على مبادئ مماثلة، وفق ما نجد في مشروع وثيقة الدستور الذي رفع إلى السلطان المولى عبد الحفيظ سنة 1908، والذي ورد في مادته الرابعة "أن دين الدولة الشريفة هو الدين الإسلامي والمذهب الشرعي فيها هو المذهب المالكي"، كما جاء في مادته الرابعة والأربعين أنه "يجب على كل من ينتخب نائباً في مجلس الأمة أن يكون مستوفياً لشروط"، أولها "أن يكون عارفاً باللغة العربية قراءة وكتابة حق المعرفة".

 

*** *** ***

 

ثانياً: حلقات هذه الهوية وموقع اللغة فيها عربية فصيحة وغيرها

 

إن هذه المقومات التي اعتمدتها تلكم الدساتير والتي هي ركيزة الهوية، تجعلنا بحكم تكوينها نثير قضية أساسية تتصل بمدى سعتها أو ضيقها، مما به تتشكل حلقات كلية أو فرعية. وإذا ما أخذنا اللغة في سياق هذه الحلقات، فإننا سنجد العربية الفصيحة حلقة واسعة وجامعة باعتبارها مقوماً أساسياً للهوية، ولكونها لسان القرآن الكريم ولغة الفكر والثقافة والتعليم والإدارة والإعلام، وأداة التواصل مع الناطق بها في كل مكان، أو هكذا ينبغي أن تكون، حتى تقوم بكل المهام التي تقوم بها لغة رسمية في أي بلد. كما سنجد العاميات التي تعايشها في تعدد لغوي غني حلقات فرعية، تبقى في إطارها المحلي أداة للتواصل والإبداع، مع اعتبارها ملكاً للجميع. وهي بالنسبة للمغرب كالآتي:

1-              الدارجات العربية المتداولة في مختلف المدن والقرى، رغم ما بينها من اختلاف في بعض العبارات والصيغ وطرق النطق بها، على نحو ما نلاحظ مثلاً بين دارجة فاس ومراكش وتطوان ووجدة والرباط وغيرها من الحواضر، فضلاً عن التي يتحدث بها في البادية.

2-              الحسانية المنتشرة في أقاليمنا الصحراوية، وهي لهجة عربية حافظت على طابعها البدوي وعلى كثير من الكلمات الأمازيغية، وتتميز بخصائص معينة لا سيما على مستوى نطق بعض الحروف.

3-              الأمازيغية بمختلف تقسيماتها، وتتفرع إلى:

أ‌-              تاشلحيت وهي مصمودية منتشرة في الأطلس الغربي وسوس.

ب‌-          تاريفت وهي زناتية مستعملة بين سكان الريف وبعض مناطق الأطلس.

ج- تامازيغت أو تصنهاجيت ويتحدث بها في الأطلس المتوسط وشرق الأطلس الكبير وناحية ملوية.

 

وهكذا فإنه لا يوجد أي تعارض بين الفصحى كحلقة واسعة، وبين باقي اللهجات أو اللغات والتسمية لا تهم كحلقات فرعية.

 

مهما يكن هذا التعدد اللغوي، فإن الاقتران الوثيق بين الإسلام والعربية يحثنا على أن نُذكر بأن انتشار هذه اللغة وفق ما سبقت الإشارة إلى ذلك كان مواكباً لانتشار الإسلام واستقرار المغاربة عليه، رغم ما تعرض له هذا الاستقرار من اضطراب واهتزاز في بعض المراحل، ولا سيما في الأولى منها.

على أن الحديث عن العربية في هذا السياق، يقصد منه اللسان الفصيح مع ما كان يواكبه من عامية تجعل العلاقة بينهما علاقة بين العام والخاص(2).

 

ومعروف أن العامية المغربية ليست ناشئة فقط عن الفصحى مع التحريفات التي أصابتها في نطق الناس، ولكنها نشأت كذلك متأثرة بالأمازيغية المحلية، وبمختلف اللهجات العربية التي وفدت مع المهاجرين إلى المغرب، بدءاً من الفاتحين الأوائل إلى الوافدين إليه من الأندلس والقيروان، ومن عرب بني هلال وبني سليم ومن معهما من الحلفاء.

 

إن العرب الذين وفدوا إلى المغرب قبل نحو من أربعة عشر قرناً على كثرتهم أو قلتهم قد اندمجوا في وحدة وطنية داخل المجتمع المغربي وأصبحوا مغاربة، تكيفهم طبيعة الوطن وتبلور فكرهم وتشكل مشاعرهم. وذلكم بفعل عوامل كثيرة أبرزها البيئة التي تحتضن هذا المجتمع، سواء في مجالها الطبعي أو البشري والتي بها وعليها ومع ساكنتها يتحقق الانتماء.

 

هذا من غير أن نحتاج إلى التذكير بأن الأمازيغ الذين هم السكان الأصليون للمغرب هم كذلك حسب الرأي النزيه عرب حميريون من بني قحطان، وأن لغتهم تنتسب للمجموعة الحامية السامية(3).

 

*** *** ***

______________________

(2) انظر مراحل تعريب المغرب ونشأة العامية فيه وما لها من خصائص في فصل "اللغة والفنية" من كتابنا (القصيدة) ابتداء من ص: 84 (مطبعة الأمنية الرباط 1390هـ-1970م).

(3) انظر كتابنا (الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه) فصل: "وجود المغرب الحضاري والثقافي في العصر الجاهلي" ابتداء من ص: 11 (مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء -نشر مكتبة المعارف بالرباط -الطبعة الأولى 1979).

ثالثا: مدى أهلية اللغة العربية وما معها للنهوض بدورها

 

هنا يثار السؤال حول مدى أهلية اللغة العربية وما معها للنهوض بدورها في المجتمع:

أما الفصحى فمحتاجة لكي تقوم بهذا الدور إلى معالجة تبدأ من توسيع متنها، بتطويره في اتجاه الحياة العادية وما يمارسه المواطن في يومه وبين أهله ومجتمعه، ثم تطويره في اتجاه مستحدثات العصر وما يجد فيه من اختراعات علمية وتقنية وحضارية، مما لم يعد الجهل به مقبولا، كما لم يعد مقبولاً أن يتم الاعتماد فيه على لغة أجنبية أو لهجة عامية.

وهذا يستدعي الاجتهاد في إيجاد المصطلحات المواكبة لهذه المستحدثات إما بالتعريب أو الاقتباس ؛ مع مراجعة بعض القواعد النحوية والصرفية، ومن ثم تأهيلها لتكون لغة التعليم في جميع مراحله، بعيداً عن العشوائية والشعارات المفرغة التي كانت السبب في الفشل الذي يعانيه منذ بداية الاستقلال، وكذا لتكون لغة الإعلام والإدارة والإعلان والتواصل ومختلف مجالات الحياة.

وليس هذا فحسب، ولكن المعالجة تستوجب حمايتها من كل عبث بها وبألفاظها وقواعدها وأساليبها، ومسخها بإقحام الدارجة فيها ؛ فضلاً عن الفرنسية التي تتسرب عبر إدخال كلماتها وعباراتها إلى الحديث اليومي العادي للمواطنين، وكذا عبر الإعلانات المكتوبة بحروف عربية. كما أن هذه المعالجة تستوجب الحرص بصرامة على إحلالها المكانة التي يخولها لها الدستور ؛ مع التنبيه إلى أن رفض هذه الظاهرة السلبية لا يعني عدم الاقتباس من أية عامية أو لغة أجنبية لإغناء الفصحى عند الحاجة، وخاصة فيما يتعلق بالمصطلحات العلمية والألفاظ الحضارية المستحدثة.

 

وأما الأمازيغية واللهجات العامية المختلفة فتحتاج كذلك إلى إحلالها المكانة اللائقة بها محليا، مما يستدعي النص عليها في الدستور ؛ مع تخصيص حيز من البرامج الدراسية لتلقينها في بيئاتها ؛ على أن يتم ذلك في إطار حصص تخصص للتراث المحلي من فنون وآداب وغيرها، لا سيما والمغرب مقبل على تطبيق الجهوية الموسعة، شريطة أن تكتب بالحرف العربي تسهيلا لما يرجى لها من حفظ وتداول ؛ وهي قضية كنا قد تناولنا بعض جوانبها في مناسبات سابقة.

هذا، بالإضافة إلى أنه ينبغي تخصيص شعب بكليات الآداب للتخصص فيها، مما لا شك ينهض بالبحث فيه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي أنشئ قبل نحو من تسع سنوات بعد خطاب أجدير.

 

وليس في مثل هذا الاختيار أي تناقض أو تعارض، فإن لكل من الفصحى والعامية مهما تكن وظيفتها التي لا تنازع فيها، انطلاقا مما لها من ضوابط وأنساق. فالفصحى هي لغة التعليم والعلم والإدارة وما يتصل بهذه المجالات. والعامية هي أساساً أداة التواصل اليومي بين الناس، وهي غير مؤهلة معجميا وفكريا ومعرفيا لتكون لغة رسمية. وبقدر ما تزول الأمية ويرتفع مستوى التعليم في المجتمع يكون التقارب بينهما والتكامل.

 

والأسف أن بعض المهتمين بموضوع اللغة في المغرب يدعون إلى استعمال العامية، ظناً منهم أن ذلك يؤكد الهوية الوطنية التي يخشون عليها من أن تذوب في هوية شرقية أو غربية. ومنهم من يدعو إلى هذا الاستعمال باعتمادها في التعليم، بدعوى أن الفصحى تزيد من صعوبة العملية التعليمية، وكذا من مسألة التواصل بين المدرس والتلميذ.

 

وليس يخفى أن مثل هذه الدعاوى قديمة، ظهرت أولى بوادرها في المغرب منذ القرن الماضي، مع محاولات الاستعمار إضعاف الفصحى لإحلال الفرنسية مكانها، متوسلا بأساليب متعددة منها الترويج للدارجة والأمازيغية، يقينا منه أنهما عاجزتان عن أن تحلا مكانها، وأن هذا العجز سيفتح الباب واسعاً للفرنسية.

 

ومعروف أنه قد سبقت في بعض أقطار الشرق العربي محاولات لجعل الدارجة لغة وطنية بدلاً من الفصحى، ولكنها باءت بالفشل مثلما باءت الدعوة إلى كتابة العربية بالحرف اللاتيني.

 

والحق أن تأمل الدعوة إلى عامية أو لغة أخرى غير العربية في المغرب، يفضي إلى أن هذه الدعوة إنما تجد منطلقها وهدفها ليس في المجال اللغوي بقدر ما تجدهما في نطاق الهوية التي تتوالى عليها هجمات إيديولوجية مستغلة ما يعانيه الوطن من اختلالات ثقافية واجتماعية يبدو بها وكأنه بدون جذور راسخة أو مقومات ثابتة. على أن العناية باللغة العربية وإحلالها المكانة اللائقة بها لا يعني عدم الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية التي يتحتم تحسين تدريسها من حيث البرامج والمناهج، مع العناية بالإنجليزية والإسبانية وعدم الاقتصار على الفرنسية.

 

*** *** ***

 

وبعد، فإن اللغة مقوم أساسي في تشكيل هوية أي مجتمع، إذ هي وعاء ثقافته وحضارته وركيزة فكره، والمنظار الذي به ينفتح على العالم وعلى الآخرين وبها يتم التواصل معهم.

 

فاللغة بهذا أداة التعبير عن تلك الهوية في مختلف أبعادها الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقبل ذلك أداة التفكير في هذه الأبعاد وتَمثّلُها برؤى مستقبلية ضامنة لاستمرار الهوية.

 

ومن ثم فإن الاهتمام باللغة واجب وطني وديني، ومسؤولية على الجميع أن يتحملها ويناضل من أجلها لحمايتها والدفاع عنها، بدءاً من الدولة إلى المواطن، في حرص على اتخاذ قرار سياسي واضح وصارم بهذا الشأن احتراماً للدستور، وعدم الاكتفاء بمرسوم أو شبهه من هذه الوزارة أو تلك، ثم هي نفسها لا تطبقه. وعلى أهلها أن يتركوها تتطور وتتجدد وتغتنى، بعيداً عن التعصب لها بجمود، أو التعصب ضدها بزعم ما تعانيه من تخلف. وعليهم كذلك أن يتخلصوا من عقدة النقص التي يشعر بها بعض المعرَّبين تجاه الفرنكوفونية التي تسعى إلى احتلال كل المواقع.

 

ومع ذلك، فإن مناقشة قضايا اللغة في المغرب تستلزم الابتعاد عن التوجهات السياسية والحزبية، وما تعبر عنه من إيديولوجيات كشفت التجربة على مدى أزيد من نصف قرن عجزها عن حل المشكلات الثقافية، بدءاً من التعليم إلى غيره من المجالات.

 

كما أن الكلمة في هذه المسألة ينبغي أن تصدر عن علماء اللغة العارفين والمتخصصين المتمكنين وليس من غيرهم، أولئك الذين يتآمرون عليها بجهل وبسلوك استعلائي وحملات مسعورة، وخاصة من الذين رضعوا لبان المستعمر وشبوا عليها، وتحكمهم مصالح اقتصادية واجتماعية تربطهم بالفرنكوفونية ولغتها التي تعلمنا بها في مدارس الحماية، ولكنها اليوم فقدت مكانتها الثقافية والحضارية وتقلص وجودها أمام لغات أخرى، ولا سيما الإنجليزية والإسبانية، فأصبحت بذلك وبشهادة أهلها متخلفة عن أن تكون لغة العلم والتقدم. وهي على الرغم من تخلفها تسعى إلى فرض نفسها وهيمنتها، مستندة إلى النفوذ الذي تحرص عليه في مستعمراتها القديمة(4).

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

 

 

______________________

(4) للتوسع في منظور الكاتب إلى المسألة اللغوية، يرجع إلى بعض دراساته المنشورة التي منها:

1- اللغة العربية بين التطوير والتقويم

(انظرها في كتابه: "قضايا للتأمل برؤية إسلامية" ج 1 -منشورات النادي الجراري رقم 20 الرباط 1421هـ-2000م).

2- واقع اللغة العربية بالمغرب

3- التعريب بين عوامل الفشل والنجاح

4- تأملات في المسألة اللغوية

(انظرها في المصدر السابق ج 2 -منشورات النادي الجراري رقم 45 الرباط 1429هـ-2008م).

5) اللغة العربية: واقع يحتاج إلى تطوير

(انظرها في كتابه: "الإصلاح المنشود" -منشورات النادي الجراري رقم 33 الرباط 1426هـ-2005م).