أهمية الثقافة العربية

 

في إبراز الهوية لمواجهة العولمة

 

 

 

عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محاضرة ألقيت في مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة

في دورته الحادية والسبعين

الممتدة من 10 إلى 24 صفر عام 1426هـ

الموافق 21 مارس إلى 4 أبريل 2005م

     

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

      كم كان أملي كبيراً، وأنا أُعد هذه المحاضرة، أن أقدم لها بكلمة عرفان وامتنان لرئيس مجمعنا الموقر، أستاذي العلامة الدكتور شوقي ضيف الذي تفضل، وهو يدعوني لحضور مؤتمر المجمع في دورته الحادية والسبعين، فطلب مني أن أشارك في أعماله بمحاضرة تتصل بالموضوع الذي اختير لهذه الدورة، وهو: "الثقافة واللغة العربية في عصر العولمة".

 

      إلا أن القدر المحتوم أبى إلا أن يكون التقديم كلمة عزاء، بعد أن فُجعنا جميعاً بنبأ وفاة الشيخ الرئيس الذي شاءت إرادة الله عز وجل أن تختاره إلى جواره الكريم، وهو منهمك في التهيئ لهذا المؤتمر.

 

      إن رحيل رئيس المجمع المهيب وعميد الأدب العربي ومعلم أساتذته كافة، يعتبر رزءاً جسيماً، ليس فقط بالنسبة لمصر الحبيبة وعلمائها ومفكريها، ولكن كذلك بالنسبة لسائر الأقطار العربية وباحثيها ومثقفيها عامة، سواء منهم الذين أسعدهم الحظ – مثلي – فتلمذوا عليه في قسم اللغة العربية بكلية آداب جامعة القاهرة، أو الذين درجوا في مدرسته الثرية الرصينة من خلال مؤلفاته القيمة العديدة.

 

      فعزاؤنا واحد في هذا المصاب الجلل الذي لا نملك إلا أن نواجهه بالجَلَد والاحتساب، داعين لأسرة الفقيد العزيز بجميل الصبر والسلوان، وسائلين العلي القدير أن يتغمده بواسع الرحمة وجزيل الغفران، وأن يجزيه الجزاء الأوفى، لقاء ما قدم لوطنه وأمته من عمل جليل لن يَنقطع بما بثه في الصدور والسطور من علم نافع.

 

 

زملائي الأفاضل وإخوتي العلماء أعضاء المجمع الكرام

حضرات السيدات والسادة

 

 

      بلسان جريح وقلب مكلوم، أعود للمحاضرة التي أقترح في نطاق الموضوع المحدد للمؤتمر، أن أركز فيها على "أهمية الثقافة العربية في إبراز الهوية لمواجهة العولمة".

 

      وسأجعلها مقسمة إلى ثلاثة محاور:

 

الأول عن الهوية من حيث مكوناتها وأهميتها

الثاني عن العولمة وما لها من إيجابيات وسلبيات

الثالث عن الثقافة باعتبارها جماع المقومات المبرزة للهوية

 

      ومن خلال هذه المحاور، ولا سيما عبر المكون الثقافي، سأبرز كيفية المحافظة على الهوية وتقويتها، لمواجهة العولمة، مع الحاجة إلى تغيير ثقافي، في نطاق الثوابت الراسخة والدعائم الأساسية.

 

** ** **

 

      الهوية – وتقابلها الغيرية – هي الإِنِّية والنفس والجوهر، أَي الذات بما يلزمها ويلازمها، مما به تتأكد الماهية. وأصلها اللغوي من "هـو" الدال على ما به يكون الشيء أو أي كائن "هو هو". وهي هنا ما به تتحقق ذات الإنسان وشخصيته، وما يميزه عن غيره، فرداً كان أو جماعة. ونقصد بالجماعة أي تكتل ينضوي فيه هذا الفرد، وتجمعه به قيم ومقومات تشكل وعيه وضميره وفكره وإرادته، وتضمن وجوده الراسخ وحضوره القوي وانفعاله مع العوامل والمؤثرات، واستمراره على مدى الحقب والعهود، مهما تكن التحديات التي تواجهه.

 

      ويعتبر الوطن بأبعاده المكانية والزمانية، وعناصره الطبيعية والبشرية، وأوضاعه الاقتصادية والسياسية، وأنماطه الاجتماعية والسلوكية، أحد المكونات الأساسية التي منها تنطلق الهوية وتبدأ في التشكل.

 

      وإن هذا التشكل ليشهد اكتماله، ذهنياً وفكرياً ونفسياً، عبر المعتقد الديني بكل ما له من انعكاسات تجليها العبادات والمعاملات، ومختلف التصورات والمنظورات التي يتوسل بها في نطاق الذات، أو العلاقة مع غيرها من الذوات المخالفة. وإن هذا المعتقد ليؤثر في النظم التي تتحكم في سير الوطن وسلوك أبنائه، تحفزاً من شرائع الدين ومبادئه ومُثُله وما تُرسبه في الأفكار والمفاهيم.

 

      ثم لا يلبث هذا الارتباط أن يتم ويتقوى عبر اللغة التي هي أداة تواصل وعنصر التحام، ووعاء فكر، وبوتقة ذهن، ورمز قيم، وإعلان وجود ؛ مهما تكن اللهجات العامية النابعة منها أو المعايشة لها في وطن ما قليلة أو كثيرة.

 

      وهو ما تبلوره الثقافة في بعديها المدرسي والشعبي، من حيث هي الإرث الملخص لما بلغه هذا الوطن في مجال المعارف والخبرات وأنواع التعبير، وما يتداوله ويمارسه من عادات وتقاليد، وما ينفعل به أفراده ويضيفون إليه، مبرزين في كل مرحلة من حياتهم ما لهم من إمكانات تنم عما لهم من عبقرية ومهارة.

 

      لذا، فإن الشعور بالهوية يكاد أن يكون فطرياً في الإنسان الذي هو بطبيعته وبحكم وجوده، يشعر بالحاجة إلى كيان يحقق به ذاته ويحصنها، ويكسبها قوة ومناعة، ويتواصل انطلاقاً منه، ويحتمي به عند الأزمات والظروف الحالكة، لا سيما إذا واجهته نزاعات أو صراعات.

 

      ومن ثم، كان الحفاظ على الهوية هو الوسيلة لتعرُّف حقيقة الذات، وتحديد قدرات الاستمرار في الوجود، وإمكانات الصمود ومواجهة التحديات.

 

      يضاف إلى ذلك أن الهوية بطبيعة تشكيلها وعناصر هذا التشكيل، تدخل في نطاق حلقات تتسع أو تضيق، تجعل لها روابط مع هويات أخرى متفرعة عنها، تغنيها – أي تغني الهوية الأم – بخصوصيات معينة ومحددة، وفق ما يكون في بيئة ما من تعدد وتنوع. كما تجعل لها روابط مع هويات أخرى أوسع وأكبر، من خلال مكونات مشتركة.

 

      ويمكن تصور هذه الحلقات بالنسبة للهوية المغربية أو المصرية – على سبيل المثال – في الإطار العربي ثم الإسلامي، وكذا المتوسطي و الإفريقي ؛ مما يوصل في نهاية الاتساع إلى هوية إنسانية. وبقدر ما يكون لأية هوية من ملامح متميزة وسمات خاصة تتحفز منها للتعايش والتساكن، تكون قدرتها على تبادل الأخذ والعطاء، أي على النمو والاغتناء.

 

      وبحكم الارتباط الذي يكون للإنسان بهويته، فإن العناية بها في مختلف مكوناتها، ينبغي أن توجه كذلك إلى المنتمين إليها ممن اضطرتهم ظروف الدراسة أو العمل إلى مغادرة أوطانهم، والهجرة والإقامة في مجتمعات لها هوياتها الخاصة.

 

      إن من شأن مثل هذه العناية أن تجعل المهاجر يتمسك بهويته من جهة، ولا يحس بالاغتراب من جهة أخرى، وأن تجعله كذلك على ثقة بنفسه، غير محتار في أمره، وبعيداً عن كل حيرة فكرية قد تنتابه، أو نزاع نفسي قد يعانيه، وقادراً بالتالي على إبراز شخصيته ومواجهة كل ما يمكن أن يعرضها للإهانة.

 

      إن التمسك بالهوية حق نابع من الحق في التميز والاختلاف مع الآخر الذي ينبغي – مع ذلك – التواصل معه والتعاون، انطلاقا من إدراك متبادل ومسؤول لهذا الحق، والقدرة على التمتع به وممارسته.

 

      وعلى الرغم من أن الهوية بمقوماتها تبدو وكأنها مستقرة ثابتة، أي لا تقبل التغيير أو التبديل، فإنها باعتبارها ظاهرة فردية ومجتمعية، تخضع لمختلف العوامل المؤثرة في حياة الفرد والمجتمع، سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية ونفسية، مما تتحقق به لا شك مكتسبات جديدة. وهو ما يتم ببطء وتلقائية في الغالب، ما لم يحدث التعرض لهزات عنيفة أو مفاجئة.

 

      هذا ولا يخفى أن الهوية العربية الإسلامية تعاني اليوم مشكلات، وتواجه تحديات تمس مختلف مقوماتها، بدءاً من الأوطان المهددة بالتمزق وفق خارطة جديدة، إلى العقيدة المتهمة ظلماً وعدوانا بالتطرف والإرهاب، وكذا إلى اللغة التي ترمي بالجمود والعجز عن مسايرة اللغات المتطورة والمتقدمة، ليصل الأمر في النهاية إلى وصم الثقافة العربية بالتخلف والانهيار، والارتباط بالتقليد، وعدم القدرة على مواكبة المعاصرة واقتحام مجال الحداثة فضلاً عما بعدها. وتكاد العولمة أن تكون ملخصة لكل تلك المشكلات والتحديات.

 

** ** **

 

      إن العولمة تقترن بالعالمية وتفيدها، ولكنها – في الصيغة التي جاءت عليها والتي هي المقصودة منها – تَعني باتجاه أحادي محدد فرض سياسة اقتصادية وتسويقية، وكذا فرض مناهج وأفكار وقيم وأنماط سلوك وعناصر ثقافية أخرى، أبرزها اللغة التي يراد الإلزام بها عبر الإنجليزية التي أخذت تشيع في كثير من دول العالم، والتي يتوقع لها مزيد من الانتشار على حساب بقية اللغات. والعولمة بهذا كله تَعني فرض هيمنة وسيادة تؤديان إلى قطبية واحدة تتحكم في الكون بأسره.

 

      أمام العولمة بهذا المدلول، يقف العرب منبهرين بتقدم صانعيها والداعين إليها وما حققوا من تفوق عسكري واقتصادي ؛ ومن ثم يقفون متأرجحين بين ثلاثة مواقف:

 

أولها: موقف الارتياب الذي يصل إلى الرفض. ويرى الذين يتخذونه أنهم       اعتادوا مثله من جميع ما يأتي به الغرب ويقدمه، منذ البوادر الأولى    للنهضة قبل نحو قرنين. وهم في ذلك على بعض الحق، لما عاناه   العرب والمسلمون من   الاحتكاك بهذا الغرب، سواء في عهد الحروب        الصليبية أو في مرحلة       الاستعمار، مما جعلهم يفقدون الثقة فيه وفي      التعامل معه.

 

ثانيها: موقف الخوف من أن تبتلعهم، في استسلام يبدون به غير قادرين على التمييز والاختيار، وكأنهم مغلوبون على أمر واقع لا مفر منه،      مهما يكن الثمن   المدفوع على مختلف الواجهات، ولو بالتخلي عن   الهوية.

 

ثالثها: موقف الصمود الذي يدعو إلى الاندماج في العولمة، من خلال     إيجابياتها التقنية والاقتصادية، ولكن دون التفريط في الهوية التي هي    الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الشخصية، والانطلاق منها للتعامل مع    العالم المتقدم، إن لم يكن على مستوى الندية، فعلى مستوى الابتعاد        عن مجرد مد اليد طلباً للعون والمساعدة، مقابل التضحية الكاملة بالخصوصيات الثقافية، أو تكييفها لتوافق مزاج المتبرع أو المتصدق.

 

      إن العرب من خلال هذه المواقف، يشعرون لا شك بضعف موقفهم أمام تيار العولمة، ولكنهم يشعرون – قبل ذلك وبعد – بضعف الموقف مع أنفسهم، نتيجة استلابهم واهتزاز إيمانهم بهويتهم وبما يشكلها من قيم ومقومات، في يأس من إمكان الانخراط في العولمة، بفكر يؤهل لقبول إيجابياتها، ويمكن من تجنب سلبياتها، ويكون قادراً على إجراء التعديلات اللازمة التي تمنحها التوازن مع مختلف الهويات، وتكسبها بالتالي سمة الإنسانية التي تتيح معايشتها.

 

      إن معايشة العولمة لا تعني إدماج جميع الهويات في بوتقة واحدة هي التي تصنعها هذه العولمة وتفرضها، ولكنها تعني البحث عما هو مشترك، أي ما يمكن أن يجمع ويوحد، ولا سيما فيما يتصل بالقيم التي تكون ذات طابع إنساني أو بُعد فطري. وتعني البحث كذلك عن الخصوصيات المميزة للحفاظ بها على الذات والكيان والسيادة، ثم للانطلاق منها في التواصل مع الآخر وتبادل الأخذ والعطاء، وقبل ذلك لإزالة ما في ذهنه حول الثقافة العربية من موقف عدائي سببه الجهل، ولكن سببه كذلك التشويش والتشويه عن قصد وسبق إصرار.

 

      ومن ثم، فإن التمسك بالهوية – كيفما يكن تنوعها – هو خير سلاح، ليس فقط لمواجهة العولمة ورفع تحديها، ولكن لتحقيق تلك المعايشة. ويقتضي إظهار هذه الهوية وإبراز قيمها ومقوماتها، في خطاب متطور جديد تكون له مصداقيته وفعاليته وتأثيره، وينأى عن الاكتفاء بشعارات تعتمد الصخب والتهريج، مفرغة من أي مضمون، أو كان لها مضمون ولكنه جف لكثرة استهلاكه، أو لإغراقه في المثالية والتجريدية.

 

      لذا، فإن العرب يحتاجون إلى أن يجعلوا لحضارتهم وثقافتهم أبعاداً جديدة، تتجاوز ما هو تاريخي أو رمزي فيهما، وتفتح المجال لدور واقعي وفاعل يكون به لهذه الحضارة والثقافة إسهام في تطور العالم وتقدمه.

 

      وهو ما لا يمكن أن يحدث إلا بسلوك نهج ينطلق من معرفة حقيقية بالذات في واقعها وتطلعاتها، وما لها كذلك من سلبيات يلزم استبعادها حتى لا تشوب خطط التنمية، وحتى لا تعطل مسير التقدم.

 

      وحتى تتحقق تلك المعرفة وذاك المنهج، فإنه لا بد من تأمل لهذه الذات، هادئ وتدريجي وبنفَس طويل، في غير تعجل أو تسرع لبلوغ الغايات، على الرغم من أن الوقت لا يرحم، وكذلك التحديات التي لا تقبل طول الانتظار، فضلاً عن المواجهة بالاستسلام والانهزام.

 

      والسبب أن العرب اليوم يوجدون في قلب الصراع، بحكم ثرواتهم ومواقعهم الاستراتيجية، وبحكم تمسكهم بهويتهم الدينية والثقافية، وما يواجهون من قضايا مختلفة وتُهم توجه إليهم، كالتطرف والإرهاب وعدم الرغبة في الإصلاح أو القدرة عليه. وهو وضع يشترك فيه المسلمون كافة، وكذا الذين يشاركونهم المواطنة من غير المسلمين، ومعها يشاركونهم المعاناة.

 

      وغير خاف أن الإسلام دعا إلى الارتباط بالهوية والتمسك بها، معتبراً أنها كامنة فيه. ومن ثم حث على الائتلاف ونبذ الاختلاف. وهو ما قَرَّبَه القرآن الكريم من خلال صورة الاعتصام بحبل الله الرامز لدينه: "واعتصموا بحبـل الله جميعاً ولا تفرقوا"(1). بل إنه انطلق من اعتبـار اختلاف الخلـق – عبْر شعوب وقبائل شتى – ليدعو إلى التعارف الدال على تبادل المصالح والمنافع ؛ مما ينم عن بعد عالمي وإنساني كان الإسلام قد سبق إليه، جاعلاً الأفضلية فيه قائمة على التقوى وليس على الطغيان: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(2).

 

_______________________

(1) سورة آل عمران –الآية 102

(2) سورة الحجـرات –الآية 13

      وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن الأوروبييـن وحتى الآسيويين – لما لهم من هويات متميزة بلغاتها وثقافاتها – يرفضون العولمة في شكلها الذي يراد فرضه، على نحو ما برز في مؤتمر سيتيل أوائل شهر دجنبر عام 1999م.

 

      وإنه لمن دواعي الاستغراب ومظاهر المفارقة العجيبة، أن تتوحد أوروبا على الرغم من كل عوامل الاختلاف الثقافية القائمة فيها، ولا سيما من حيث الأعراق واللغات، وأن يتفرق العرب على الرغم من التقائهم في الهوية بمقوماتها على العموم، والثقافية منها واللغوية على الخصوص.

 

      ولعل ما عاناه الأوروبيون – على سبيل المثال – من نزاعات وصراعات وحروب فيما بينهم، على نحو ما تكشفه الحربان العالميتان الأولى والثانية، هو الذي جعلهم يشعرون بضرورة التوحد، بدءاً بالتكتل الاقتصادي.

 

      إنه بالإمكان اليسير أن يتجمع العرب في تكتل مماثل، وأن ينطلقوا من وحدة الهوية الثقافية لإيجاد صيغ ملائمة لتوحد أوسع وأشمل، يتسنى به تحقيق الحياة الأفضل التي تتوق إليها جميع الشعوب العربية. وذلكم ما يقتضي الإلحاح على عنصر الثقافة.

 

** ** **

 

      إن الحديث عن الثقافة في هذا المضمار – بما فيها من تراث حي وذاكرة تاريخية غنية – يستلزم ضرورة اعتبارها، ليس مجرد مجال مترف للإمتاع والمؤانسة، ولكن وسيلة لإثبات الوجود وترسيخ الكيان. كما يستلزم ضرورة توظيفها لإيجاد حلول ناجعة للمشكلات، مع التوسل بها في عملية الإصلاح الذي نريده أن يكون داخلياً ونابعاً من الذات ؛ أي غير مفروض من أية جهة خارجية.

 

      وهو ما يقتضي البدء بالاعتراف بأن الثقافة العربية، على ما كان لها في الماضي من قوة وعطاء وقدرة على الانفتاح والتفاعل، عانت انغلاقاً شديداً على مدى حقب الضعف والانهيار، وفرضت على نفسها – أو فُرض عليها – أن تنغلق على ذاتها، في انطواء شديد ألزمها باجترار هذه الذات، والبقاء حبيسة الماضي والتراث، ورهينة التقليد والتكرار.

 

      ومن ثم، فإن الحديث عن دور جديد للثقافة العربية، ينبغي أن يَعتبر روحها المتمثل في مرتكزاتها الراسخة، ودعائمها الثابتة القائمة على أسس متينة لا شك أن اللغة من أهمها، إن لم تكن أهمها بعد العقيدة. وهي بذلك التي تمكنها من الصمود وتحميها من الانهيار، مهما تكن الظروف والأزمات التي تتعرض لها.

 

      كما ينبغي أن يراعي ما يستجد فيها من مكتسبات تغتني بها، نتيجة ما لها من طاقة إبداعية، واستعداد للامتصاص والاقتباس من ثقافات أخرى، وفق ما يلائمها ولا يتعارض مع ثوابتها العميقة. ومن خلال هذه السمة، يتضح ما للثقافة من حيوية ذاتية، وقدرة على الاندماج في العصر والتجاوب معه، وعلى التواصل مع مختلف فاعلياته كذلك، عبر تبادل التأثر والتأثير. وهو ما يؤهلها في نهاية الأمر للتطور والتجدد والاغتناء.

 

      ولن يتاح لنا أن نحقق شيئا من ذلك، ما لم نعتبر الثقافة رأس مال ثري، وأداة استثمار ووسيلة إنتاج ؛ وليس مجرد مجال للهروب من الواقع والانطواء على الذات – كما سبق أن ذكرت – للتغني  بأمجادها الماضية أو اجترار آلامها الحالية.

 

      والثقافة لا تكون كذلك، إلا إذا اندمجنا فيها، من حيث هي معرفة وإحساس وسلوك، وقدرة على تنمية الشعور بالذات، وكذا على نقد هذه الذات، وعلى التوعية والتعبئة بها، ثم حثها على التواصل والاستيعاب، وعلى الإبداع والإنتاج، وتأهيلها بذلك للأخذ والعطاء، بدون أية عقد أو مركبات.

 

      وفي هذا الإطار، ينبغي إعادة النظر بفكر اجتهادي في البعد الإسلامي لهذه الثقافة، أي في المفاهيم الإسلامية لإغنائها وملاءمتها مع العصر، بقصد تصفيتها مما تعج به المرحلة من ضلالات تسيء إلى المسلمين، بعيداً عن مقاصد الدين ومبادئه القائمة على الوسطية والاعتدال، وعلى الحرية والعدل والمساواة، وعلى السلم والتسامح والتعايش، في إلحاح على الحقوق، ولكن كذلك على الواجبات.

 

      وحتى يتسنى ذلك، فإنه لا بد من تقوية الثقافة بمختلف علوم العصر ومعارفه، وما جد فيه من إعلاميات حديثة ووسائل اتصال متعددة، وكذا توسيع آفاقها بالتفتح على ثقافات أخرى – غربية وشرقية – وإيجاد قنوات للتواصل معها، والدخول معها في حوار إيجابي من شأنه أن يقدم صورة حقيقية عن العرب، ويزيل ما علق بها من شوائب وتشوهات، هي في معظمها من صنع الخصوم والأعداء، وإن كانت في بعضها مرتبطة بسلبيات ذاتية تراكمت على امتداد فترات التقهقر والانحطاط.

      لذا، فإننا ملزمون بالنظر إلى الثقافة التي نتطلع إليها في عصر العولمة، باعتبار مجالاتها العلمية والتقنية التي نحن في أمس الحاجة إلى الأخذ بها، والسعي إلى مواكبتها والإسهام فيها. ولكنا ملزمون كذلك بمراعاة سائر الميادين الفكرية والأدبية والفنية، وما يتصل بها من معارف إنسانية لا تخفى أهميتها وما لها من دور في إذكاء النفوس وتهذيبها، وسبر أغوارها، وتحفيزها للعمل، وتفجير طاقاتها المبدعة، وحمايتها من الإغراق في العلم المادي وما قد ينتج عنه من سلبيات مدمرة.

 

      ولكي تتمكن الثقافة العربية من تحقيق هذا التطوير والتجديد، فإنها تحتاج إلى أن تسعى باستمرار لاكتساب الجديد، عن طريق الإبداع الذاتي، وكذا بواسطة الاقتباس المبني على مدى القدرة على التمييز بين ما هو لائق ومناسب وصالح ومغن للثقافة الوطنية، وبين ما هو غير ذلك، مما يدس في هذه الثقافة لتشويهها أو تمييعها أو تحريفها عن خط الأصالة الحق.

 

      وللحفاظ على هذه الأصالة، فإننا مدعوون إلى التمييز بين التراث النافع الذي ينبغي التمسك به وإحياؤه وتطويره، وبين ما رافقه من تراكمات سلبية تثقله، يلزم التخلي عنها، ولا سيما وهي تضخم الصورة المشوهة التي ينظر بها الآخر المتقدم إلى العرب. وهي النظرة التي شكلها عنهم من خلال التاريخ الصليبي وفترة الاستعمار، بكل ما في هذه النظرة من احتقار وازدراء، وكذا من تهيب وتخوف.

 

      وإذا كانت الحاجة ماسة كذلك إلى استبدال صورة حقيقية بهذه وما معها من رؤية غير صحيحة، فلأن من شأن هذا التغيير أن يذيب كثيراً من الخلافات وعوامل النزاع وأسباب الصراع، وأن يقرب الخطى والمسافات، إن لم يعمل على ردم الهوة الفاصلة بينهم وبينه، أي بين التخلف والتقدم.

 

      وهو ما ينبغي أن تنهض به الثقافة العربية الجديدة، في إبراز للمصالح السياسية والاقتصادية المشتركة، ولما تتمتع به الأقطار العربية – كما سبقت الإشارة – من ثروات ومواقع استراتيجية، وما تمتلكه من موارد بشرية، ومن أسباب شتى لتحقيق التنمية الشاملة وما ينتج عنها من رقي وتقدم.

 

      والحديث عن الموارد البشرية يجر إلى إثارة موضوع الناشئة العربية التي علينا أن ننقل إليها هذه الثقافة الوطنية المكونة للهوية، عبر التربية في المؤسسات التعليمية، ومن خلال أجهزة الإعلام المختلفة، وكذا في البيت والشارع، وفي كل مجال تقتحمه وتتسرب إليه قيم جديدة قد يكون فيها كثير من الغرابة والانحراف. وقد تبدو في أحسن الأحوال غير فاسدة، أي ملائمة لأصحابها، ولكنها مخالفة للقيم النابعة من الهوية العربية.

 

      ولعلنا في غير حاجة إلى أن نؤكد أنه لولا الثقافة، لما استطاع العرب اليوم أن يحافظوا على ما يشد أواصرهم. وهي الأواصر التي كان يتحتم أن تتقوى بتكامل اقتصادي وتجاري، لولا التمزق الذي يعانونه، حائلاً دون وحدتهم، والذي للسياسة في تعميقه أثر كبير وواضح. وما أحوجهم إلى إعادة النظر في هذا الهدف البعيد المتمثل في الوحدة، لتأملها بواقعية وعقلانية، مع مراعاة المصالح المشتركة والحقيقية، وفي حرص عليها بالصيغة المناسبة التي لا تهدد سيادة الكيانات القائمة، بل تحميها مما تهددها به العولمة، وما ترسم من خطط لوضع خارطة جديدة للعالم العربي والإسلامي قائمة على مزيد من التفتيت والتقسيم.

      إن المتأمل بعمق في التقدم الذي حققه الغرب في مختلف المجالات، ينتهي إلى أن العامل الأساسي الفاعل فيه كامن في الثقافة، من خلال البحث العلمي، وما يبذله العلماء من جهود فكرية قائمة على الخلق والابتكار، بذهنيات متفتحة، وبتشجيع من دولهم التي أدركت قيمة العنصر الثقافي في تحقيق التقدم.

 

      والجدير بالذكر والتنبيه، أن كثيراً من العلماء العرب المقيمين في بلدان الغرب – سواء في أمريكا أو أوروبا – يساهمون بنصيب وافر في تحقيق هذا التقدم. وكان بالإمكان أن يوجهوا علمهم وجهودهم فيه، لإحداث نهضة علمية وثقافية في أوطانهم، لو تسنى لهم شيء مما يجدونه في ديار الغربة، من تقدير واحترام، ومن إمكانات مادية ومعنوية تتيحها لهم مراكز البحث بسخاء.

 

      والأسف أن المثقفين المقيمين بديارهم، يعانون إلى جانب فقدان تلك الإمكانات – وبحكم عوامل سياسية واجتماعية وغيرها – تشتتا وتمزقا غالبا ما يفضيان إلى النزاع والصراع. وهو ما يجعلهم يدورون حول أنفسهم، يجترون آلامها برؤى فردية لا تؤهلهم لتناول قضايا المجتمع الكبرى والحقيقية، وما يعاني من مشكلات، فينتهي الأمر بهم إلى أن يقفوا حيارى أمام الواقع المليء بالتناقضات، يتخبطون فيه وفي ذواتهم، عاجزين عن مواجهة واعية لهذا الواقع، فضلا عن رفع تلك التحديات.

 

      إن الحاجة ماسة إلى أن يستعيد المثقف ثقته بنفسه وإيمانه برسالته، باعتباره حارس المثل العليا والمبشر بها، وصاحب طاقات إبداعية، سواء على مستوى العلوم والمعارف، أو على صعيد القيم والمفاهيم وأنماط السلوك.

      ومثل هذه الاستعادة للدور الذي هو منوط بالمثقف، ينبغي ألا تقتصر على ما أَلِفه من أدوات للتعبير والتبليغ، وما يَشُد إلى الثقافة المكتوبة والشفوية، ولكن يلزم أن تتوسل كذلك بما يستحدث من جديد في عالم التواصل الآلي، من خلال الإعلاميات الحديثة، وما يدخل في نطاق الثقافة الإلكترونية، مع تمكن من أدواتها التكنولوجية وتحكم فيها، حتى يخضعها لطموحه في التطوير والتجديد، وحتى لا يكون هو مجرد آلة طيعة هي التي تتمكن منه وتتحكم فيه. وذلك ما يقتضي توظيفها، ليس فقط للتلقي والأخذ كما هو واقع الآن، ولكن أيضا للإسهام بالعطاء، وللانطلاق منها في الحوار مع الآخر.

 

      إننا كثيراً ما نتحدث عن الحوار، ولا سيما حوار الثقافات، ونمارسه مع غير العرب وغير المسلمين، ولكنا نشعر بأنه يظل دائراً في حلقات من المجاملة لا تقدم ولا تؤخر، بعيدة عن أن تغير شيئا مما ترسب في أذهان هؤلاء. وإذا تجاوزها فإنه قد يصادف درجة ما من الصدام.

 

      والحق أننا مطالبون قبل ذلك بحوار عربي عربي، وإسلامي إسلامي، أي حوار داخلي نوضح فيه كثيراً من الحقائق، ونرسخ به عدداً من الثوابت، ونزيل ما علق بهذه وتلك من شوائب وسلبيات، يزيد بقاءها في تركيز النزاعات والخلافات التي تسيء إلينا حين تظهر على بساط الحوار مع الآخرين، وتبدو كالحائل دون ولوج مجال الحداثة، فضلاً عما بعدها.

 

      وتجدر الإشارة إلى أن علينا كذلك أن نغير منظورنا لهذه الحداثة التي ما زلنا نعتبرها مبادئ وقيماً ومنجزات، نرى ضرورة اقتباسها وتطبيقها حرفياً كما هي عند العالم المتقدم ؛ إذ يلزم تأملها بالعقل وإعمال النقد اللازم لها، والتوسل في ذلك بمعطيات الذات التي ينبغي أن ينبع منها الشعور بتلك الحداثة والتهيؤ لدخول عالمها والاندماج فيه والإسهام كذلك، بما يجعل هذه الذات تتطلع إلى ما بعد المرحلة التحديثية، مسلحة بمهارات وخبرات تمكنها من مفاتيح التقدم.

 

      وبهذا يتبين أن مسؤولية الثقافة والمثقفين اليوم، ليست في التنفيذ أو قبول ما يفرض من جهات أخرى قريبة أو بعيدة، ولكن المسؤولية تقتضي صياغة مشروع مستقبلي يمس جميع جوانب الحياة، سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وسلوكية ؛ تحفزاً من إدراك حقيقي للواقع وما يعتمل فيه من قضايا العصر ومشكلاته، وإدراك كذلك لما في العالم المتقدم من مظاهر الرقي والعوامل التي أدت إليها، ثم بعد ذلك إلى إبداع هذا المشروع، انطلاقا من الكيان ومقوماته الثابتة وقيمه الراسخة، أي من الهوية.

 

      إننا حين ندعو إلى الانطلاق من الهوية التي لا يكون لها وجود إلا إذا تم التمسك بها وبجوانبها الثقافية، فلاعتبارنا أن الإنسان هو المنتج الحقيقي للتقدم، وأن هذا التقدم لا يكون لصالحه إلا إذا كان متحكما في زمامه، وقادراً على التصرف فيه بإرادته، وعلى التعبير عنه بلسانه ؛ في إطار قيمه، وفي نطاق أمن نفسي ومجتمعي يشعر به. وذلكم ما يحتم الاهتمام باللغة العربية التي يعير مجمعنا الموقر كبير عنايته لها، والتي ستكون بقية المحاضرات والعروض وما يعقبها من مناقشات، مجالاً لإثارة مختلف القضايا المتعلقة بها، وبضرورة تطويرها، لتواجه سلبيات عصر العولمة.

 

 

 

      أشكر لكم حسن إنصاتكم.

      وأجدد الترحم على الراحل العزيز الذي خدم اللغة العربية وآدابها بما يَعِز له نظير.

      والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

عباس الجراري

عضو المجمع المراسل