ثورة الملك والشعب:

أسباب الإجماع وضرورة استمراره

 

 

 

عبـاس الجـراري

 

 

 

 

 

عرض قدم للندوة العالمية التي نظمتها أكاديمية المملكة المغربية

في الرباط، بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة الملك والشعب

من 22 إلى 25 جمادى الثانية 1424هـ

الموافق 21-24 غشت 2003م

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

السيد رئيس الجلسة

السيد أمين السر الدائم

السيد أمين السر المساعد

زملائي الكرام

حضرات السيدات والسادة

 

 

 

      يسعدني أن أشارك في هذه الندوة العالمية التي تعقدها أكاديمية المملكة المغربية، بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة الملك والشعب، وأن تتناول مشاركتي فيها أسباب الإجماع على هذه الثورة وضرورة استمراره.

       وسوف أبحث هذا الموضوع من خلال ما يلي:

أ- مقدمة عن مفهوم الثورة.

ب- قسم أول عن أسباب الإجماع عليها، في تركيز على عنصرين:

       1- النضال لاسترجاع الاستقلال، بالإصلاح الفكري والكفاح السياسي.

       2- التمسك بالشرعية.

ج- قسم ثان أعرض فيه لضرورة استمرار هذا الإجماع، من خلال مسألتين:

       1- حقيقة الشرعية.

       2- مدى التزام المغاربة بها.

د- خاتمة عن القبس الدائم لهذه الثورة.

       الثورة لفظة تكتسب مفاهيم كثيرة، حسب السياق الذي تستعمل فيه، إن كان سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو علمياً أو صناعياً، أو غير هذا وذاك من السياقات المختلفة التي تقترن بها.

 

       والثورة في اصطلاح السياسة وما يتصل بها، تعني كل تحول تتعرض له جذور هذه السياسة أو ظواهرها، فيحدث فيها تغيراً ما، في البنيات والتوجهات التي من شأنها أن تحقق أهدافه ؛ سواء بأسلوب سلمي هادئ، أو عن طريق العنف الذي غالباً ما تلجأ إليه التنظيمات الانقلابية.

 

       وثورة الملك والشعب هي الحركة النضالية التي عرفها المغرب إثر نفي الملك المنعم مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه. وقد أضيف إليها اسم الملك والشعب، لأنهما كانا شريكين فيها، بل إنها ما اندلعت وعرفت أوجها، إلا بعد أن أعطى الملك المثال وقدم الدليل على البذل والعطاء. وأي دليل أقوى وأقطع من التضحية بالعرش، لقاء الدفاع عن الشعب واستقلال الوطن ؟

 

       ومن ثم كانت هذه الثورة، وهي ذات بُعد تحريري يهدف إلى إنهاء عهد الحماية، تتسم بالكفاح الوطني، وتتوسل بجميع الأساليب والوسائل التي كان في إمكان الشعب يومئذ، بجماهيره ونخبه والهيآت المؤطرة له، أن يلجأ إليها ويستخدمها.

 

       وهي ذات طابع سياسي سلمي، موصول بالعمل الوطني الذي كان بدأ منذ منتصف سنوات الثلاثين، للمطالبة بالإصلاحات ثم بالاستقلال، بعد أن هدأت المقاومة المسلحة التي واجه المغاربة بها جيوش الاحتلال في كثير من المناطق.

 

       ومع ذلك، فأمام تحديات المستعمر، وقع الاضطرار إلى التوسل بالعمل المسلح الذي قام على الفداء، والذي كان خير رد لرفع تلكم التحديات. وكان الاجتراء على نفي ملك البلاد أكبر تحد حث على الثورة وأشعل فتيلها وأشع به.

 

       وتعتبر ثورة الملك والشعب بهذا الطابع وذاك الهدف، أقرب إلى الثورات التي اندلعت لاسترجاع الاستقلال - كما هو شأن المغرب وكثير من الأقطار التي وقعت تحت الاحتلال - أو للحصول على هذا الاستقلال، وفق ما عاشته الولايات المتحدة مثلاً، لفك قيد الحكم البريطاني في أوائل الربع الأخير من القرن الثامن عشر.

 

       فمثل هذه الثورات لا تقوم على أساس قلب نظام محلي أو إلغائه، أو تغيير حاكم، أو استبدال سلطة نتيجة إدانة أوضاع في مجتمع ما يؤدي فسادها وانهيارها إلى شيوع الاستياء والتذمر والاحتجاج ثم الانتفاضة ضد تلك الأوضاع ؛ ولكنها تقوم على أساس طرد الأجنبي المحتل للبلاد، وتستند في قيامها على تماسك المجتمع وتلاحم مختلف مكوناته الوطنية، حتى حين تكون هذه المكونات دون ما يمتلك ذاك الأجنبي من قوة وعتاد. وهو ما يتسنى به الإجماع الذي به تدرك الغايات، مهما تكن بعيدة أو صعبة المنال.

 

       والإجماع يقتضي تجاوز كل اختلاف أو تعارض أو تناقض أو تصارع، بغية الوصول إلى رأي موحد أو حكم مشترك، سواء بالاتفاق أو التراضي، لتحقيق مصالح جماعية بأساليب معينة. وهو موقف ينم عن عمق الوعي بالذات والواقع، وعن بعد الرؤية للمستقبل، مع كامل الإدراك للتوقعات ؛ مما يفضي إلى رسوخ الشعور بالمسؤولية، ويحفز على تحملها عن رضى واقتناع وطواعية.

 

أسباب الإجماع:

 

      لو بحثنا عن الإجماع الذي حدث في ثورة الملك والشعب، لألفينا أنه يرجع إلى أسباب يمكن تركيزها في سببين اثنين:

 

       أولهما: النضال من أجل استرجاع الاستقلال، بتحالف صادق ووثيق بين الملك والشعب، وبروح مألوفة للمغاربة وملوكهم تدفع إلى الجهاد، للذود عن الوطن والدين، ورد أي اعتداء عليهما، مهما تكن التضحيات عالية وغالية.

       وإذا كان هذا الجهاد قد تواصل على امتداد الحقب والعهود، فإنه في المرحلة الحديثة عرف أوْجه وتألقه، لاسيما حين مست سيادة المغرب بفرض الحماية عليه، فهب أبناؤه للكفاح بهدف التحرير، يقودهم جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله، باعتباره بطل هذا التحرير بحق(1).

 

       وهي بطولة شكلت جهاده وميزته في واجهتين اثنتين:

 

       الأولـى: تمس الإصلاح الفكري، إذ أدرك أن تحرير المغرب من نير الاستعمار، لا يمكن أن يتحقق إلا بإصلاح فكري ينطلق من التمسك بالعقيدة، على أساس من الكتاب والسنة، وتصفيتها من كل الشوائب والضلالات ومظاهر الشعوذة والانحراف التي كانت يومئذ شائعة.

 

       وإيماناً منه بأن التعليم هو السبيل الوحيد للتصحيح والإصلاح، فقد أولى عنايته له في مختلف مراحله وجميع مؤسساته ؛ فطور منها ما كان يحتاج إلى تطوير، وأحدث فيها ما كانت المرحلة في حاجة إليه.

       من هنا عني بجامعة القرويين وما إليها من معاهد علمية، واهتم بالكتاتيب القرآنية التي حول الكثير منها إلى مدارس عربية حرة، لم تلبث أن غدت في بعضها مؤسسات ثانوية. كما اهتم بتعليم الفتيات، وكان يرعاه بنفسه ويشرف عليه بطريقة مباشرة.

 

       وقد تجلت عناية الملك المصلح بهذا المجال كذلك في الحث على تأليف الكتب المدرسية وتكوين لجان له، وكذا في التبرع لإقامة المنشآت التعليمية، والتشجيع عليه، وفي وضع الحجر الأساسي لها، وتدشينها، وحضور حفلاتها السنوية، وإلقاء الخطب التوجيهية بها، ومنحها اسمه الشريف أو أسماء أبنائه الأمراء وبناته الأميرات.

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) كُتبت عن حياة محمد الخامس مؤلفات كثيرة، لعل من أوسعها كتاب "حياة بطل التحرير محمد الخامس" لعبد الله        الجراري (والدنا رحمه الله)، مرقون بالخزانة الحسنية في الرباط ومسجل تحت رقم 6912.

       ومن ماله الخاص، وجه أول بعثة تعليمية للدراسة العليا بفرنسا، وكان ذلك سنة خمس وأربعين، وظل يرعى هذه البعثة إلى أن عادت لتكون في خدمة الوطن.

       الثانية: الكفاح السياسي الذي واكب قيام الحركة الوطنية. ويتمثل في مواقف البطولة والجهـاد التي كانت له في مواجهة أعنف التحديات التي كانت تصدر عن إدارة الحماية.

      

       ويكفي في هذا الصدد أن أُذكر ببعض الأحداث الكبرى في مسيرة حياته النضالية، وما كان له فيها من مواقف، مثل:

1- الظهير البربري سنة ثلاثين.

2- مؤتمر أنفا بالدار البيضاء عام ثلاثة وأربعين.

3- تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة أربع وأربعين.

4- زيارة طنجة عام سبعة وأربعين.

5- رحلة فرنسا سنة خمسين، وقد بدأت الأزمة تشتد.

6- توجيه مذكرات متتابعة لفرنسا عام اثنين وخمسين.

7- الذكرى الفضية لعيد العرش هذا العام، وما كان لها من دلالات.

 

 

       من بين هذه المحطات، تنبثق مواقفه أكرم الله مثواه، عبر كلماته الذهبية التي كان يعبر بها عن إصراره وشعبه على التحرر والاستقلال.

 

       ففي خطاب طنجة، ذكّر بأن حق المغرب لن يضيع، فما ضاع حق من ورائه طالب. وفيه تحدث عن وحدة العرب وتأسيس الجامعة العربية لتوحيد صفوفهم مشرقاً ومغرباً.

 

       وفي خطاب العرش لعام واحد وخمسين، والأزمة في اشتداد، توسل بالآيتين الكريمتين الواردتين بعد مفتح سورة العنكبوت: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".

 

       وفي الخطاب نفسه، وتأكيداً لقوة ثباته وصموده، تمثل بما قاله نبينا محمد (ص) لعمه أبي طالب، حين زاد عليه ضغط المشركين: "والله ياعم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته".

 

       ونود أن نضيف ما جاء في خطابه بمناسبة الذكرى الفضية لعيد العرش، حين ذكر "أن الحماية مثلها كمثل قميص جعل لطفل صغير، فكبر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله".

 

      ثاني سببي الإجماع على الثورة يكمن في التمسك بالشرعية. فأمام هذه المواقف التي لم تكن تزيد إلا تشبثاً بالحق وحرصاً على المطالبة به، كلما اشتدت الأزمة، لم تعد إدارة الاستعمار تطيق أن تتحمل، فهاجت وماجت وحار أمرها، ولم تجد غير التآمر على الشرعية، ولجأت إلى نفي رمز البلاد وأسرته الشريفة.

 

       وتم هذا النفي بعد ظهر يوم تاسع ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق للعشرين من غشت عام ثلاثة وخمسين وتسعمائة وألف، وكان يوم عرفة، أي ليلة عيد الأضحى المبارك. وهو توقيت لا تخفى دلالاته الخبيثة وما كان يقصد إليه المستعمر بمكر.

                                   

       وقد وصف جلالة الملك المغفور له مولانا الحسن الثاني قدس الله روحه - وكان يومئذ ولياً للعهد - لحظة الخروج إلى المنفى فقال في كتابه: التحدي: "كانت الساعة الواحدة والنصف من بعد الظهر، عندما أُخبر الملك وهو يفرغ للتو من تناول غذائه، أن الجنرال گيوم يرغب أن يستقبله رسمياً".

 

       وحين جاء الجنرال - الذي كان إذ ذاك مقيماً عاما لفرنسا في المغرب - ومعه أعوانه العسكريون، وقد طوق القصر الملكي وحشدت قوات هائلة في المشور، دار الحوار التالي:

 

      قال الجنرال: "إن الحكومة الفرنسية لدواعي الأمن، تطلب منكم التنازل عن العرش، فإذا قبلتم ذلك عن طيبة خاطر، استطعتم أنتم وأسرتكم أن تقيموا في فرنسا أحراراً معززين مكرمين".

 

       فأجاب الملك: "ما من شيء في أعمالي وأقوالي يبرر أن أتخلى عن أمانة أضطلع بأعبائها بصفة مشروعة. وإذا كانت الحكومة الفرنسية تعتبر أن الدفاع عن الحرية والشعب بمثابة جريمة يعاقب عليها، فإني أعتبرها فضيلة يفاخر بها وتـورث صاحبها المجد".

 

       وزاد الجنرال: "إذا لم تتنازلوا حالاً عن العرش بالرضى، فإني مكلف بإبعادكم عن البلاد صيانة للأمن".

 

       فكان جوابه نور الله ضريحه: "إني ملك المغرب الشرعي، ولن أخون أبداً الأمانة التي ائتمنني عليها شعبي الوفي المخلص. إن فرنسا قوية فلتفعل ما تشاء"(1).

 

       وهكذا رفض الملك المجاهد أن يتنازل أو يساوم، وفضل المنفى مردداً ما كان قاله يوسف عليه السلام في محنته: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"(2).

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) انظر كتاب "التحدي" -ص: 83-84 (النسخة العربية المطبعة الملكية 1403 هـ-1983م).

(2) سورة يوسف -الآية: 33

       نعم، لقد فضل المنفى، فاقتيد مع أسرته الشريفة إلى كورسيكا ثم مدغشقر، ذلكم المنفى الذي استمر إلى فاتح ربيع الثاني عام خمسة وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق سادس عشر نونبر عام خمسة وخمسين وتسعمائة وألف، وهو يوم رجوعه -طيب الله ثراه- يحمل بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ فجر الاستقلال والحرية.

 

      وكان الشعب طوال هذه الفترة، مفعماً بروح محمد الخامس الجهادية ؛ ومن ثم أجمع على رفض ما أراد الاستعمار إجباره عليه، وصمم بإصرار على متابعة نضاله بالتضحية والفداء، حتى يرجع إلى العرش ملك البلاد الذي غدا رمزاً لجميع القيـم والمبادئ الوطنية.

 

       لقد أثبتت حادثة النفي أن التجاوب كان عميقاً بين الأمة وملكها المبعد. وهو تجاوب تجاوز كل المهازل التي توسل الاستعمار بها لإضفاء الشرعية على مؤامرته، والتي كان يرمي من ورائها إلى أن يرى الكيان المغربي ينهار.

 

       وإنه لتكفي الإشارة السريعة إلى ثلاث مناورات دالة كلها على الاضطراب، بل الزلزال الذي كانت تعانيه إدارة الحماية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة:

 

       1- تنصيب محمد بن عرفة، باعتباره منتمياً للأسرة العلوية، وأخذ البيعة له بالضغط والقهر، والاعتماد في ذلك على بعض العلماء العملاء.

       2- تأسيس مجلس حفظة العرش، بحكم الفراغ الذي حدث بعد اضطرار فرنسا إلى التراجع عن مناورتها الأولى، وسحب ابن عرفة إلى طنجة التي كانت يومئذ دولية.

 

       3- التفكير في تغيير الملكية بنظام آخر كانت تظنه سيغري بإحداثه، ومخاطبة بعض رجال الحركة الوطنية في ذلك.

 

       إلا أن المغاربة - جماهير وهيآت - رفضوا كل هذه المهازل التي كان الاستعمار يتوسل بها للخروج من الأزمة التي لم تكن تزيد إلا تعقيداً وتصعيداً. وكانوا - تمسكاً منهم بالشرعية - لا يرون حلا لتلك الأزمة إلا بعودة الملك من منفاه ؛ وكانوا شاعرين، بل كانوا متأكدين بأن محمداً الخامس - وهو مبعد - ما زال على عرشه الذي جعلوه في قلوبهم. ومن ثم لم يكن مستغرباً أن تتراءى لهم صورته منعكسة على صفحة القمر.

 

ضرورة استمرار الإجماع:

 

       إن الشرعية التي تمسك المغاربة بها، لمواجهة التحدي الكبير الذي رفعوه بثورة الملك والشعب، والتي كانت عاملاً أساسياً في تشكيل الإجماع، هي التي مازالت قائمة، وينبغي اعتمادها لاستمرار هذا الإجماع، وكذا اعتماده لاستمرارها هي.

 

حقيقـة الشرعيـة:

 

       لا يخفى أن الشرعية مشتقة في أصلها من الشرع، والشرع هو ما شرعه الله للناس، أي ما أوضحه لهم وبينه من الأوامر والنواهي التي من شأنها - إن هم اتبعوها عن طواعية واختيار - أن تهديهم لتنتظم حياتهم ويسعدوا في الدنيا والآخرة.

 

       انطلاقاً من هذا المدلول الإسلامي العام، ارتكز مفهوم الشرعية في الاصطلاح السياسي على التوافق الذي يكون بين الحاكم والشعب، والذي يكون قائماً على الاقتناع والتلقائية النابعين من الإرادة الحرة، في التزام وولاء متبادلين ؛ بعيداً عن أي ضغط أو قهر أو توجيه مفروض، وبعيداً كذلك عن أي تفريط أو إفراط في ممارسة السلطة وما لها من حقوق وما عليها من واجبات.

      وعلى الرغم من الأصل الديني للشرعية، فإنه لا يعني بأي حال - كما قد يتوهم - أن الحاكم يتمتع بالحق الإلهي المطلق الذي يمنحه العصمة، ويعطيه حق تجاوز إرادة المحكومين وما لهم من مصالح، وفق واقعهم ومقومات هويتهم، بما فيها من تقاليد وأعراف غالباً ما تكون عنصر تعزيز للقوانين.

 

       ولا شك أن الإيمان بهذه الشرعية يفضي تلقائياً إلى الانضباط والالتزام اللذين هما مظهر للطاعة التي اشترطها الإسلام، ما لم يحدث تنازع. وإذا ما حدث فإنه يرد إلى الله ورسوله، أي إلى الكتاب والسنة، باعتبارهما الأصلين اللذين انبثق عنهما الفكر الإسلامي، سياسياً كان أو غيره، واللذين رسما الحدود التي وضعها الإسلام لتحقيق الشرعية.

 

       وتتمثل هذه الحدود في الطاعة من جانب المحكومين، أي المواطنين في المفهوم السياسي الجديد، مقابل أداء الأمانة والحكم بالعدل من جهة الحاكم أو الدولة حسب المفهوم نفسه. وهو ما بينه الله تعالى في قوله الكريم: "إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعاً بصيراً. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليـوم الآخـر، ذلك خير وأحسن تاويلا"(1).

 

       وإن هذه الثنائية - على دقتها وصعوبتها رغم وضوحها وهي تبدأ باشتراط أداء الأمانة والعدل قبل الطاعة - مقيدة بالبيعة(2) التي هي عقد إسلامي إرادي يبرم بين الطرفين، وينظم العلاقة بينهما، في إلزام بما اتفقا عليه.         

 

         وحين تنهج الدولة نظاماً ديموقراطياً، فإن الدستور يضبط حدود الشرعية والتزاماتها. وهو بضبطها لا يلغي هذه الشرعية في بعدها الديني، ولكن يؤكدها ويعطيها ملمحاً حداثياً لا تكون له أية قيمة ما لم يَسنُده الإجماع الذي هو قرين الشرعية.

 

 

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء -الآيتان: 58 و 59

(2) انظر في موضوع البيعة، كتاب: بحوث مغربية في الفكر الإسلامي لصاحب هذا العرض - فصل: فلسفة نظام        الحكم في الإسلام وأهمية البيعة - ابتداء من ص: 9 (الطبعة الأولي 1408هـ-1988م).        

       ولعل في هذا الاقتران بين الإجماع والشرعية، يكمن التعبير عن الرضى والاطمئنان اللذين يسودان الرأي العام، متى ما توافرت الملاءمة بين المصالح التي يسعى إليها المواطنون، وبين البرامج والمناهج التي يخططها نظام الدولة لتحقيق هذه المصالح، والتي تبلورها الممارسة الفعلية والمجدية.

 

مدى التزام المغاربة بهذه الشرعية

 

       إن موقف المغاربة الثابت من حادثة النفي، والكامن في شعورهم واللاشعور، يؤكد مدى التزامهم بالشرعية. وهو التزام بدأ منذ بيعتهم الاختيارية للمولى ادريس يوم رابع رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة للهجرة الموافق سادس فبراير عام تسعة وثمانين وسبعمائة للميلاد. وهي بيعة تدل على القرار الذي اتخذوه بحرية وإرادة، والذي به حددوا مصيرهم، بعد أن اعتنقوا الإسلام واقتنعوا به عقيدة ونظاماً.

 

       وإن من يقف عند حدث هذه البيعة، ويتتبع ما تلاها على مدى القرون حتى اليوم، لا يلبث أن ينتهي إلى معرفة المكانة التي للإسلام في نفس المغاربة وفكرهم وسلوكهم عامة، ليس باعتباره عقيدة، أي فاعلاً دينياً فقط، ولكن من حيث هو كذلك تشريع جامع لكل العناصر المشكلة لنظام الحياة في جوانبها المختلفة.

 

      وإدراك المغاربة لهذه المكانة ومالها من مفعول، نابع من وعيهم بواقع بيئتهم المتنوعة والمتعددة، وحقيقة مجتمعهم وما كان يطغى عليه من تعصب قبلي أذابه الإسلام الذي احتوى عناصر التفريق والتمزيق، وجمع شتاتها المبعثر، وصهره في بوتقة وحدة وطنية قوامها الإسلام، ونسيجها مجتمع متراص به ومتماسك في التحام عضوي متين.

 

       ولعلنا هنا أن نُذكر بما كتبنا في دراسات سابقة منشورة(1) من أن سلوك اسحاق بن عبد الحميد الأوربي - وهو يومئذ زعيم في قومه وصاحب غلبة وعصبية - حين تنازل عن الأمر للمولى ادريس، لم يكن ناشئاَ عن غفلة أو ضعف أو قصور في الفكر والنظر، ولكنه كان نابعاً من وعي بهذه الحقائق المتعلقة بواقع المغرب والمجتمع، ونابعاً كذلك من الاقتناع بأن المولى ادريس منتسب لآل البيت أصحاب الحق المهضوم. وبذلك كانت بيعته وسيلة تجميع وتوحيد، كما كانت موقفا صريحا وفعلياً من الصراع القائم يومئذ حول الأحقية في الخلافة، بين العباسيين الذين كانوا في الحكم، وبين العلويين الذين كانوا في المعارضة، وكانوا ممثّلين في أسرة المولى ادريس بزعامة أخيه محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية.

 

      وفي سياق هذا التذكير، نؤكد أن الإسلام هو الذي أتاح للمغاربة أن يلتمئوا، وأن يكونوا وحدة، أي أن يكونوا شعباً يعيش في وطن تسوده قيـم الوطنية، وفي طليعتها الحرية والسيادة.

 

      ومن ثم فإنهم ما كانوا ليتصوروا هذه القيم خارج النطاق الإسلامي الذي ارتبط بالإمامة الشرعية، في مجموع شروطها ومقوماتها ودعائمها القائمة على الكتاب والسنة، مما يضيق مجال هذا العرض عن التذكير به.

 

       وفي إطار ما أجمله هذان المصدران - الكتاب والسنة - مما هو قابل للتغيير وغير ثابت، وما فصلاه مما هو ثابت لا يقبل التغيير، ومتابعة لنهج ثورة الملك والشعب التي انطلقت مع جلالة الملك المغفور له محمد الخامس، في بعديها الفكري والسياسي، عمل جلالة الملك المنعم مولانا الحسن الثاني على إبداع فكر سياسي إسلامي جديد، خرج به من التنظير إلى التطبيق، دون حصره في مؤسسات جامدة، فأتاح لنظام الحكم من النمو والتجدد داخل إطاره الشرعي، ما تسنى له به أن يساير حركة تطور المجتمع وتقدمه، وأن يواكب الصالح مما يجدُّ في العصر، من غير أن يفقد ملامح أصالته.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) انظر على الخصوص:

         أ- المصدر السابق

         ب- معالم مغربية - فصل:  شرعية الإمامة في المغرب منذ اثنى عشر قرناً - ابتداء من ص: 5 (الطبعة        الأولى - الرباط 1411هـ-1991م).

       وتجلى ذلك في إقامة ملكية دستورية حافظت على البيعة كمقوم للشرعية التي عزز مرجعيتها بمجلس علمي أعلى تحت رئاسته، وبمجالس إقليمية تخير لها نخبة من العلماء والفقهاء النابهين، ومن أساتذة الجامعات البارزين.

       ثم هي - أي هذه الملكية الدستورية - فتحت الباب واسعاً لمشاورة الأمة، وإشراكها بانتخاب ممثلين لها، من خلال برلمان ومجالس جماعية، في سعي إلى لا مركزية تجعل الشعب يمارس عن قرب وبفعالية وإيجاب جميع حقوقه وواجباته. هذا مع الحرص على الإجماع الذي كان حدثُ المسيرة الخضراء أعظم مناسبة لتجديده وتقويته.

 

       وقد اكتسى هذا الإجماع صورة لم يسبق لها نظير في التاريخ، حين سارعت كل فئات الشعب وهيآته وممثليه وسائر قواه الحيّة، إلى جانب العلماء، لتقديم البيعة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله مباشرة بعد إعلان وفاة والده المكرم جلالة الملك مولانا الثاني الحسن الثاني طيب الله مثواه، يوم تاسع ربيع الثاني عام عشرين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للثالث والعشرين من يوليوز سنة تسع وتسعين وتسعمائة وألف للميلاد.

 

       وهي صورة تنمو وتكبر كل يوم، مبرزة للسياسة التجديدية التي ينهجها حفظه الله، لمتابعة بناء الدولة الحديثة، ومن أجل مزيد من الرقي والتقدم للمغرب، في إطار الشرعية وما تستند إليه من مرجعية علمية وعد أيده الله في خطاب العرش هذا العام، بأن يقوي دعائمها ويجدد هياكلها، بما يتلاءم مع مقتضيات المرحلة ومتطلباتها، وكذا مع ما تشكله النخبة المفكرة المؤهلة التي ما أشد الحاجة إلى كفاياتها العاليـة وطاقاتها الهائلة في مختلف المجالات.

 

       وقد جاءت أحداث سادس عشر مايو الماضي - على كراهتها - لتقوي الشعور بضرورة التمسك بهذه الشرعية وتعزيز مرجعيتها، والاعتصام بإمارة المومنين التي هي قوة روحية للمغاربة، ورمز حي لوحدتهم مليء بالدلالات الفاعلة.

*** *** ***

       وبعد، فهكذا وعلى هذا النحو، هي ثورة الملك والشعب التي نراها كالشجرة التي انغرست ثابتة الأصل عميقة الجذور، بعد أن سقتها دماء الشهداء وروّّاها عََرق المغاربة كافة، فغدت سامقة الفروع عالية الأغصان ؛ وأضحت بذلك وارفة الظلال، وفيرة الثمار، تعطي أكلها كل حين بإذن ربها، وبإصرار الشعب على رعايتها وتعهدها، بما يحفظ لها البقاء، ضماناً لاستمرارها، وحرصاً على الاستيحاء الدائم من روحها المتجدد وقبسها الفياض، باعتبارها فلسفة حياة غنية بالمضامين، ليس فقط على صعيد التحرير، ولكن كذلك على مستوى التحديث والتنوير.

 

      لقد أحدثث هذه الثورة تحولاً كبيراً في مسيرة الجهاد الذي اشتهر به المغاربة على مر الحقب والعهود، دفاعاًً عن الدين والوطن ؛ بل لقد كان لهذا التحول انعكاسه على حركات التحرر في غير قليل من الأقطار العربية والإفريقية التي تجاوبت معها، ورأت فيها النموذج والقدوة.

 

       وهي إذا كانت انطلقت بتضامن تلقائي بين الملك والشعب، فإنها بما فتحت من آفاق على مختلف الواجهات، لم تنته بمجرد استرجاع الاستقلال الذي كان الهدف الأول من قيامها، والذي ما زال في حاجة إلى استكماله وتحصينه، ولكنها ظلت باقية، وستظل ترفد الفكر المغربي وتمده، وتحث الأجيال على أن تواصل الجهاد وتتناقل مشعله، دون ملل ولا كلال، ولا تراجع أمام تحديات العصر وإكراهاته ومخبآته، ولكن بإيمان وثبات وتفاؤل بالمستقبل، واستشراف باسمٍ لآفاقه القريبة والبعيدة.

 

أشكر لكم حسن إنصاتكم

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.