إشارات عابرة

حوارات

- 1 -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


عباس الجراري

 


إشارات عابرة

حوارات

-1-

 

جمع وتقديم

حميدة الصائغ الجراري

 

 

منشورات النادي الجراري

- 50 -

 

 

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

الطبعة الأولى

ذو القعـدة 1431

الموافق ماي 2010م

 

مطبعة الأمنية - الرباط

رقم الإيداع القانوني : 2010MO1590

ردمك : 978-9981-893-31-3

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تقديم

 

مع تنوع مجالات الإعلام بين مقروء ومسموع ومشاهد، وما رافقها من تطوير في أساليب التبليغ، وتقريب التحليل، وتيسير التقويم من خلال ظواهر وقضايا حية معاصرة تشغل الرأي العام أو تؤثر فيه وجدانيا فينفعل بها للحظات، أو تفرض نفسها عليه وهو يعيش مسيرتها ويتأثر بنتائجها.

ومسايرة لكل هذا، أخذ أسلوب الحوار مكانه في الإعلام المغربي بشتى أنواعه، موازاة مع الاستجواب الذي يقوم على استفسار ورد، دون أن يكون للسائل فيه أي تدخل في الموضوع المثار أو تعقيب عليه.

ولم يتأخر الدكتور عباس الجراري عن خوض الغمارين معا ملبيا للطلب ومجيبا عن السؤال.

فقد رأى في هذا النمط أسلوبا أدبيا متميزا، خاصة باستهدافه لفئة عريضة من المتلقين قد يعسر عليهم الاطلاع على الكتاب إن لم يتعذر ذلك أحيانا كثيرة ؛ إما بسبب تفشي الأمية بالدرجة الأولى، وإما لقلة ما باليد وعدم التعود على اقتناء الكتاب، وإما لانتشار عادة الجلوس على المقاهي حيث تتداول الجرائد من طاولة لأخرى، وإما للإدمان على متابعة الشاشة الصغيرة التي أصبحت لدى الكثير من الأسر جليسا رسميا حتى في لحظات الانشغال عنها بتناول وجبة أو تبادل حديث.

ثم إن الراديو أنيس الطريق، خاصة عند سائقي الشاحنات وعموم المسافرين، رغم مزاحمة الأقراص له عند الشباب الذين يختارون من الأغاني ما يحلو لهم لِيَسْمَعوه أو يُسمِعوه لغيرهم من مستعملي الطريق في صخب زائد.

وهكذا تجمعت للدكتور عباس الجرَّاري حوارات واستجوابات كثيرة حول مواضيع مختلفة أخذت طريقها لجريدة أو مجلة أو إذاعة أو تلفزة.

وبدا لي بعد الاستحسان الكبير الذي لقيته سلسلة "كلمات تقديم" أن أجمع هذا الإنتاج ؛ فتبين لي اختلاف مواضيعه، فمنها ما تعرض للتعليم وما تناول جوانب إسلامية وما تطرق للتراث، وغير هذه وتلك من القضايا الثقافية العامة.

وباختلاف الموضوعات اختلفت الواجهات، فكان ما نشر في مجلة متخصصة أو جريدة أسبوعية أو يومية أو ملحق لها، وما أذيع بالراديو وما شوهد بالتلفزة.

وهذا ما يجعل هذه الحوارات والاستجوابات مشتتة يصعب الرجوع إليها على ما فيها من أهمية التناول ودقته وتركيزه مما يفرضه الوقت والحيز المحددان.

وكان أيضا من دوافعي لجمعها حتى يسهل الرجوع إليها، رجاء أن يحظى هذا النوع من الأدب بالدراسة التي يستحقها، والتي تساهم في اكتمال حلقات السلسلة التي يكوِّن مجموعها أسلوب ومنهج عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجرَّاري.

وقد ارتأيت الاستهلال بنماذج من هذا الحوارات والاستجوابات جعلتها قسما أول، وهي مجموع متقاربة الموضوعات تتناول قضايا مرحلة دامت عقدين تعبر عن آراء صاحبها وما كان له من مواقف.

هذا وقد كان بعضها في الأصل محرَّرا وبعضها الآخر مرتجلا مما يَنِمُّ عنه تباين الأسلوب.

واخترت لإخراجها اتباع الترتيب التاريخي.

كما قررت حرصا على الأمانة إيراد المقدمات التي مُهد بها لهذه الحوارات، مع الاحتفاظ بالعنوان الرئيسي "إشارات عابرة" الذي كان الدكتور عباس الجرَّّاري قد وضعه لحواراته واستجواباته. وهو عنوان دالُُّ على أن التناول كان موجزا ومكتفيا بالإشارات وأقرب إلى اللمحة والومضة حسب ما يقتضيه المجال المحدود.

فعساني أسهم بهذا العمل في نشر بعض ما جاد به شريك حياتي من إنتاج أدبي ؛ ورجائي أن يتقبله هدية رمزية أوحت بها مصادفة الإعداد التزامنَ مع ذكرى عزيزة لتاريخ ارتباطنا.

وأملي كبير في أن أتبع هذا القسم الأول ببقية الحوارات والاستجوابات مستقبلا إن شاء الله.

وإنه مني لجهد المقل.

والله ولي العون والتوفيق.

 

حميدة الصائغ الجراري

20 مايو 2010

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حـوار ثقافـي عـام(1)

مع جريدة "العلم"

 

 

 

(1) أجراه الأستاذ السيد عبد الإلاه التهاني، وقد نشرته جريدة "العلم" في
صحيفة "ضيف العلم" (عدد الأحد
26 رمضان 1410ﻫ الموافق 22
أبريل
1990م).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

قدم له بهذا التمهيد :

"على امتداد خمس وعشرين سنة أو يزيد، حقق الأستاذ الدكتور عباس الجراري حضوره المتميز والأليف في ساحة الفكر والأدب بالمغرب، حتى تعدى صيته حدود بلده إلى بقية أقطارنا العربية.

وتوزعت اهتمامات الرجل على قضايا شتى وميادين مختلفة، وإن أخذت منه الجامعة أغلب وقته وكل عصارة فكره ؛ كما شكلت هواه ومرتع افتتانه بالعلم، وقلعته المفضلة لإشاعة فكره ونظراته وآرائه وأبحاثه.

والذين يستمعون إلى الدكتور عباس الجراري وهو يحاضر أو ينتدي في شجون الفكر وقضايا الثقافة ومشكلات المجتمع يلمسون علمه الكثير ودرايته الدقيقة والعميقة بألوان شتى من المعرفة. وهو بفصاحته البينة يمتلك سامعه. وبتركيزه ودقة تفكيره يعرف كيف يرتب أفكاره ويعرضها وكيف يدافع عنها ويبرهن عليها.

مع هذا الذي تعتز الجامعة المغربية بفكره وحضوره وحضور أمثاله نقترح حوار هذا الأسبوع".

1/ في مجال الدراسة الأدبية بالمغرب، نجد تيارات مختلفة، لها مفاهيم فكرية وأدبية متنوعة، تصل أحيانا درجة التعارض، ما بين بنيوية، ونفسية، واجتماعية تاريخية، ووضعية، وانطباعية.

أين يضع الباحث الأدبي عباس الجراري نفسه، بين هذه التيارات ؟

مجال الدراسة الأدبية في المغرب واسع. بعضه يوجد خارج الجامعة، ومعظمه مرتبط بها بحثاً وتدريساً.

ومن متابعتي لما ينجزه الباحثون هنا أو هناك، ومن موقعي في الجامعة، وإشرافي على عدد كبير من الدارسين سواء في الدبلوم أو الدكتوراه، أستطيع القول بأننا نجازف في التعبير حين نتحدث عن تيارات مختلفة لكل منها منظور واضح مؤسَّس على مفاهيم تنبثق عنها أعمال متميزة.

والحقيقة أنه إنما توجد محاولات يجرب أصحابها هذا المنهج أو ذاك، من خلال بعض أدواته الإجرائية، لإعجابهم بها أو لاقتناعهم بصلاحيتها وجدواها في الدرس ؛ وغالباً ما يكون هذا الدرس مقصوراً على بحث بعينه يكونون بصدد إنجازه.

الظاهرة في حد ذاتها جيدة، لأنها تدل على حيوية وطموح ورغبة في تنويع الممارسات المنهجية وسعي إلى تحقيق الجديد، ولكنها ظاهرة مبتورة لعدم أخذها قضية المنهج داخل إشكاليته الفكرية التي يفترض فيها الانتظام والتكامل.

ولعله يصعب علينا في المغرب، وحتى على صعيد الأمة العربية جمعاء، أن ندعي أننا نُكون تيارات أو اتجاهات، فضلاً عن أن نزعم أننا ننشئ مدارس أدبية، طالما أننا نلهث وراء مناهج كانت عند مطبقيها الأوائل وليدة إبداع علمي تشكلت في سياقه منظومة فكرية متناسقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مجال الدراسة الأدبية لا يخلو من بعض المحاولات التي يجتهد أصحابها لِيلاَّ يكون المنهج مجرد آلة مفصولة عن مسارها بكل تصوراته، بدءاً من الوعي بموضوع البحث إلى الهدف من تحقيقه.

في نطاق هذه المحاولات يمكن وضع البحوث التي أنجزتها، لا سيما ما كان منها متصلاً بالأدب المغربي الذي بذلت قصارى جهدي وطاقتي على امتداد ربع قرن من أجل التعريف به وفرض درسه وتأطير البحث فيه وتكوين دارسيه وأساتذته.

من أجل هذا كان البحث الأدبي في منظوري داخلاً في ذلك الإطار، مما جعله يشكل عندي تجربة عميقة عانيتها على مستوى تدريس الأدب المغربي وعلى مستوى دراسته ؛ والأمران سارا مرتبطين، في سعي إلى معرفة بأدبنا تكون كاملة وموثقة.

ولا أريد أن أعرض هنا مختلف جوانب تجربتي المنهجية، ولكن الذين قرأوا الكتب التي تسنى لي نشرها يعرفون ذلك، ويدركون امتداد التصور في هذه التجربة في نطاق إقليمي يقصد إلى الوحدة، وفي إطار مفهوم واسع للأدب يربطه بمختلف المعطيات الفكرية والتاريخية، ويجعلني أطرحه من خلال ظواهر وقضايا يتم تحليلها بمختلف الأدوات المسعفة، من غير أن أتقيد بوسائل منهجية معينة كالتي أشرت إليها في أول سؤالك.

2/ تُلحون كثيراً في محاضراتكم القيّمة، أمام طلبتكم في صف السلك الثالث، على القيمة الجمالية والفنية للإبداع الأدبي، قبل النظر في معطياته الفكرية.

هل أنتم بهذا الإلحاح، تردون على طغيان التصنيف السياسي للإبداع والمبدعين ؟

هذه قضية أظن أنك تربطها بالموضوع الذي أدير البحث عليه مع طلبة السلك الثالث هذا العام، وفيه أناقش "الإبداع في الشعر المغربي"، إذ أضع هذا الإبداع في سياقه المتوازن بين المواقف الفكرية والتجارب الذاتية، منطلقاً من تعريفه وتحليل عناصره ومقاييسه.

ومن هنا تكون قد انبثقت ملاحظتك لا شك ؛ والحقيقة أني لا أرجح القيمة الجمالية على المعطيات الفكرية، ولكن أنظر إلى الإبداع من زاوية القدرة الذهنية التي تجعل المبدع يستطيع صهر مختلف المقومات التعبيرية - ومن بينها الفكر - والإلحام بينها وبين تجربته الذاتية، متوسلاً بالأدوات التي تجعله ينشئ قصيدة تتنامى بنيتها وتتكامل، في علاقة جدلية بين الشكل والمضمون، وفي تجاوز بذلك للتقليد في شتى أنواعه ودرجاته.

وإني بهذا، لا أقصد إلى الرد على أحد، ولكن أقصد إلى تعليم طلابنا الباحثين كيف يتعاملون مع الشعر وغيره من أنماط التعبير الأدبي، بموضوعية، وكيف ينظرون إليه، ليس من زاوية سياسية أو غيرها من الزوايا التي يطلق بعض النقاد من خلالها أحكاماً يرتبون عليها تصنيفات، ولكن من حيث هو عمل له قيمة في حد ذاته، بعيداً عن انتماء صاحبه كيفما كان هذا الانتماء.

على أن مقياس الموضوعية لا ينفي عنصر التذوق الفني الذي هو عند الناقد قائم على قواعد ومعطيات، وليس ناتجاً عن عشوائية أو ارتجال في التلقي للعمل.

3/ من السمات التي ميّزت الأدب المغربي عبر العصور ارتباطه بالمؤسسة الرسمية، وتبعيتُه القوية للدولة.

كيف تعلّلون هذه الظاهرة ؟

هذه مسألة دقيقة ومعقدة ؛ وهي في نظري تتعلق بمرجعية هذا الأدب أو مصدريته. وهو موضوع لم يعره النقد كبير اهتمام. وقد سبق لي أن طرحته في إطار عام يمس الأدب العربي عامة.

فنحن حين نتأمل هذا الأدب بعمق وفي نطاق مختلف ظروفه وملابساته على امتداد العصور وتباعد الأقاليم، نجد أنه ارتبط في القديم بعالَم الإلهام اللاَّمرئي، وبالقبيلة ثم بالإسلام، ومعهما بشخص الزعيم أو الخليفة أو السلطان. ونجد أنه في المرحلة الحديثة والمعاصرة عاد لمرجعيته بما فيها من جانب قد يوصف بأنه غيبي. وأكاد أقول إن المصدرية مستمرة على الرغم من وجود بعض الاستثناآت. واستمرارها يحث على التساؤل عن تصور الأدباء للحداثة ومدى ارتباطها بالمرجعية، وليس فقط بمقومات البناء الفني.

والأمر بذلك يشمل كل الأدب العربي وليس الأدب المغربي فحسب، وإن كان يلاحظ عند المغاربة تشبث بهذه المرجعية أقوى من غيرهم. ولعل السبب في هذا معزُو إلى عوامل خارجة عن الأدب، لارتباطها بواقع مجتمعهم وطبيعة المنهاج الذي اختاروه عبر القرون لفكرهم وسياستهم.

4/ من فترة لم نعُد نقرأ للدكتور الجراري تلك الكتابات التنويرية التي كان يطل بها على الساحة الثقافية في مغرب السبعينات، ويتناول فيها قضايا النهضة ومشكلات الفكر والمجتمع. في مقابل هذا زاد حضوركم الثقافي بالمعنى الأكاديمي الجامعي.

ترى هل ولَّى عهد الشباب، أم ولَّت مرحلةٌ من حياة رجال الفكر عندنا، حين كانوا أكثر حماسا واستعدادا لطرح القضايا الساخنة في ساحة الفكر والمجتمع ؟

لعلك في صيغة سؤالك لمست مختلف جوانب الإجابة، ولكن الأمر ليس بهذا الحسم. صحيح أن رجال الفكر كانوا في سنوات الستين والسبعين على حدّ ما ذكرتَ، ولكن حدث فيما بعد ما وجه الاهتمامات إلى أهداف أخرى، وبصفة خاصة إلى معركة استكمال الوحدة الترابية بكل ما تقتضي هذه المعركة من إجماع وتعبئة عامة ومصالحة أو سلم داخلية. وهنا يبدو لي جانب من ظاهرة "المرجعية" التي تحدثت عنها في جواب آخر.

وحدث كذلك أن بعض القضايا التي كانت تُتناول من قبل، لم يعد لها وقْع في المرحلة الجديدة، إما لأنها أصبحت بحكم التطور متجاوزة، وإما لأنها اُجهضت وأفرغت من مدلولها الحق ومُيِّع طرحها. ولا يخفى أن من بينها قضايا تكتسي أهمية بالغة تحتم العودة إلى تناولها، خاصة وقد أصبح الوعي بها أكثر عمقاً من السابق.

وإذا كان عامل السن لا يُلغى في هذا المجال، فإن الأجيال الصاعدة كفيلة بحمل الرسالة.

على أن هناك قضايا أخرى ساخنة حدثت في هذه المرحلة تقتضي من رجال الفكر أن ينتبهوا إليها ويهتموا بإثارتها وتحليلها. وقد تسنى لي أن أحصر عدداً منها وأخطط لدراستها فيما أسميته : "قضايا للتأمل". فعسى أن تتاح ظروف مناسبة لإتمام هذا المشروع وإخراجه.

5/ "القصيدة"، هي أطروحتكم لنيل الدكتوراه من الجامعة المصرية، ولقد كانت فعلا دراسة رائدة أزاحت ستار النسيان والتجاهل عن جزء غني من تراثنا الشعبي.

فهل ما زال اهتمامكم بفن "الملحون" قائما ؟ وهل تؤمنون بإمكانية استمرار هذا الأدب الشعبي مستقبلا، على ضوء طغيان الطرب العصري في حياتنا اليوم ؟

هذا سؤال ذو شقين : أولهما يمس اهتمامي بالملحون، والثاني يتعلق بمستقبله.

أما عن اهتمامي بهذا الفن، فإنه ما زال قائماً بدليل أني خصصت له فصلاً مهماً في كتابي الذي نشرته منذ سنتين بعنوان: "في الإبداع الشعبي". بل إن هذا الاهتمام لم يتوقف قط، لأني في نطاق المنهج الذي أتوسل به في دراسة الأدب المغربي لا أُلغي الجانب الشعبي بل أدخله في المفهوم الذي ذكرتُ - في إجابة على سؤال آخر - أني أنظر إليه من زاوية متسعة تستوعب التعبيرين: المدرسي والشعبي. والقارئ لكثير من بحوثي يلاحظ هذا الإدماج.

وأما عن إمكانية استمرار الملحون في المستقبل فشيء آخر. فقد كنت قلت في أطروحتي - وهي مكتوبة عام ثمانية وستين وتسعمائة وألف - أن قصيدة الملحون المعاصرة جمدت في نماذج وقوالب تقليدية، وهي ما زالت كذلك، وإن كانت اليوم تحتك بواقع الشعر المُعْرب، وهو واقع متحرك ؛ وتحتك كذلك بأنماط تعبيرية شعبية أخرى أتيح لها أن تنطلق بحكم الرواج الذي تعرفه حركة الغناء - ولا أقول الازدهار - بكل ما في هذه الحركة من إيجابيات وسلبيات.

وهذا ما يحث على التفاؤل بشأن مستقبل تلك القصيدة، إذا ما تسنى لها مبدعون يخرجون بها من مجال التقليد، سواء بالمحافظة على بنيتها المعروفة أو بمحاولة تطوير هذه البنية.

6/ ظل المغرب محافظا على وحدة المذهب، رغم العواصف السياسية، ورغم تعاقب الأسر والدول التي حكمته.

هل من تعليل فكري لهذه الظاهرة العقائدية ؟

تعتبر المحافظة على وحدة المذهب - وهو المذهب المالكي - ظاهرة مميزة للمغرب على امتداد العصور، منذ أن استقر عليه، بدءاً من أواخر القرن الثاني الهجري إلى اليوم.

وتعليل هذه الظاهرة كامن في أسباب متعددة ومتشابكة، تدخل أولاً في نطاق رفض المغاربة للفكر الخارجي والشيعي، واختيارهم للاتجاه السُّني ؛ وتدخل ثانياً في نظرتهم التقديرية لمالِك باعتباره إمام دار الهجرة وهي المدينة المنورة، وإليها كانت وجهتهم.

ثم إن الدولة كانت باستمرار تساند هذا المذهب، لواقعيته ونضاليته وموافقته لطبيعة التفكير المغربي، ولقابليته كذلك للتجدد، انطلاقاً من القول بالمصالح المرسلة وسد الذرائع. ولا نستثني من هذه المساندة إلا الموحدين.

والمهم في هذه الظاهرة هو أن وحدة المذهب في المغرب تجاوزت الجانب الفقهي إلى غيره، وغدت رمزاً سياسياً لوحدة الأمة. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي التنبيه إليها والتوعية بها، لا سيما وقد أصبحت مذاهب أخرى كثيرة، سنية وشيعية وخارجية وحتى بعض المذاهب الباطنية المنحرفة، تُروج لنفسها بالمغرب، وتتوسل لذلك بشتى ألوان الإقناع والإغراء، وتلجأ إلى التحريف وربما إلى العنف كذلك ؛ ممَّا لا أُخفي أنه يهدد الوحدة التي كانت أحد العوامل الأساسية في استقرار المغرب وصموده أمام مختلف التحديات.

7/ اهتمامات الدكتور عباس الجراري تكاد تكون مقصورة على المغرب، أدباً وتاريخاً وحضارةً وفقهاً، وإِن تعدّته فإلى الأندلس أو الشعر الإسلامي.

ترى لماذا لم يلامس الدكتور الجراري قضايا أخرى، في الثقافة العربية ؟

كنت أتوقع أن تطرح السؤال بصيغة مخالفة، وأن تلاحظ اتساع المجالات التي أهتم بها، وأن تنطلق في ذلك من ضيق التخصص الذي ينبغي في نظر البعض أن يكون عليه الأستاذ الجامعي الباحث.

فعلى الرغم من أن أكثر من نصف منشوراتي تركز على المغرب، فقد شُغلت باهتمامات أخرى وعُنيت بموضوعات متنوعة، منها ما يتصل بالأدب العربي عامة، ومنها ما يتناول قضايا حيوية في الفكر والثقافة، مما يعرفه القراء ؛ ويكفي أن أمثل بهذه العناوين :

1-     الحرية و الأدب

2-     الثقافة في معركة التغيير

3-     من وحي التراث

4-     الفكر الإسلامي و الأختيار الصعب

5-     الفكر و الوحدة

وإنه من حق الدارس الأكاديمي - وأكاد أقول من واجبه - أن تكون له إلى جانب مجال بحثه العلمي الضيق مشاركة في هموم عصره ومشكلات مجتمعه. وقد يتصدى لها متأثراً بمنهج دراساته أو من منظور اختصاصه.

من هنا لا أخفي أن تناولي لبعض قضايا الفكر والثقافة تجاوز قالب المقالة إلى شكل البحث الجامعي. وهذا راجع إلى عاملين:

أحدهما موضوعي يتمثل في الحاجة إلى تعميق هذه القضايا بالدرس والتحليل.

والثاني ذاتي نابع من تجربة الكاتب في مجال البحث الأكاديمي واستئناسه به.

8/ تعيش بعض المجتمعات مرحلة مراجعة للعديد من القيم الفكرية والنظم والمعتقدات التي ظلت تؤمن بها، منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطالع هذا القرن. أقصد بداية تحطم أسس الفكر الذي شيّده ماركس وأنجلز، وقوّاه لينين في روسيا.

كيف تساهمون في تفسير ما يقع الآن من هزات سياسية، بل وعقائدية بالدرجة الأولى ؟

إن التحولات التي تعيشها الآن بعض جهات العالم، ولا سيما في الاتحاد السوڤياتي وأوروبا الشرقية، لم تكن منتظرة بالسرعة التي تمت بها، ولم يكن متوقعاً حدوثها بهذا الشكل الفجائي والمتلاحق.

ولا شك أن لهذه التحولات أسبابها المباشرة والداخلية التي يلخصها وعي شعوب هذه البلدان، وضيقها بالقهر والظلم، وسعيها إلى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

وهذا أمر كان لا بد أن يقع ذات يوم، على الرغم من الطابع القوي والصارم الذي كانت عليه الأنظمة الحاكمة، متسترة خلف شعارات إيديولوجية أثبتت تجربة نصف قرن أنها تمويهية جوفاء.

وإذا كانت هذه التغيرات ستلقي بظلالها على أوروبا الغربية ودول العالم المتقدم بصفة عامة، بما ستحدثه من تقارب بينها ومعها، لتضييق الهوات الفاصلة، ولمزيد من التكتل والتعاون - ووحدة الألمانيتين على سبيل المثال آتية لا ريب - فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بجد هو مدى انعكاساتها على العالم الثالث، وبصفة خاصة على شعوبنا العربية والإسلامية، بعيداً عن مظاهر الابتهاج بما يقع والتصفيق له.

إن العالم اليوم متصل ومتواصل، وإن رياح تلكم التحولات لا بد واصلة، وقد بدأ أثر هبوبها يظهر في بعض البلاد الإفريقية، وإن علينا أن نتأمل الأمر ونتدبره لنميز إيجابيات هذه التغيرات من سلبياتها، ولنعمل في ضوء ذلك على اتخاذ المواقع والمواقف اللازمة للمحافظة على وجودنا وضمان استمراره في ساحة المنافسة والصراع، أي حماية هذا الوجود من كل العوامل التي قد تعرضه للتقلبات المفاجئة وما قد يكون لها من تأثير على مستقبله وطموح المجتمع وتطلعه إلى أن يكون هذا المستقبل أرقى وأحسن.

ولن يتحقق ذلك إلا بمواجهة شجاعة وجريئة لذواتنا، وأخذ المبادرة بالمراجعة والتصحيح لما هو مختل في أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، سعياً إلى إقامة توازنها في نطاق قيمنا ومقوماتنا، وجعلها قادرة، ليس فقط على الصمود، ولكن كذلك على أن تعايش العالم المتطور والمتقدم، بل قادرة على أن تواكبه وتنافسه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حديث علمي شامل
مع ميثاق الرابطةّ
"القسم الأول"(1)

 

 

(1) حول : "الرسالة والسياسة العلمية للنشاطات الدينية" - ميثاق الرابطة - (الخميس 22 شعبان 1417 الموافق 2 يناير 1997م) أجراه الأستاذ مصطفى ودادي (رئيس التحرير).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قدم له بالكلمة الآتية :

يعتبر الدكتور عباس الجراري أحد الباحثين والمحققين المرموقين في مجالات الأدب المغربي والتاريخ والفكر العربي والإسلامي. وهو، إلى جانب ذلك، أستاذ التعليم العالي (كرسي الأدب المغربي)، ويتولى حاليا رئاسة المجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا. ويشغل عضوا بأكاديمية المملكة المغربية. وتقلد مناصب علمية وإدارية مهمة داخل المغرب وخارجه طوال حياته. ويصعب الإلمام، في سطور داخل حيز الصفحات، بمختلف جوانب حياته العلمية والإدارية نظرا لتعدد مواهبه وميولاته بتعدد نشاطاته العلمية والإدارية والنقابية والجمعوية داخليا وخارجيا.

واتسم اتجاهه الثقافي بالدعوة إلى الإصلاح والتغيير، وصدرت له عدة مؤلفات ونشر العديد من الأبحاث والمقالات في صحف ومجلات مغربية ومشرقية وتنوعت كتاباته وإسهاماته العلمية والأدبية...

مراسل - ميثاق الرابطة - التقى بالدكتور عباس الجراري في مقر مكتبه بالمجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا وأجرى معه حوارا حول دور وأهمية رابطة علماء المغرب والمجالس العلمية على الصعيد الوطني والخارجي من حيث النشاط العلمي، وحول بعض القضايا الفكرية الهامة : منها ما يتعلق بالصراع العقائدي الإيديولوجي ومنها ما يتعلق بقضية ما يسمى بالاقتباس الحضاري لدى الدول السائرة في طريق النمو من طرف الدول العظمى (أمريكا وروسيا ...) وغيرها من القضايا الأخرى...

وفي هذا الحوار يقدم الدكتور عباس الجراري رؤيته وتصوره حول ما ينبغي لرابطة علماء المغرب وللمجالس العلمية أن يقوما به من الاستفادة من تاريخ الأمة الإسلامية ومن الاستفادة من التجربة السابقة لرابطة علماء المغرب ومن تجارب المؤسسات المشابهة لها في مختلف أنحاء البلاد الإسلامية، ويدعو إلى الاستعداد لمواجهة كل أشكال التحديات وإلى تحقيق الغايات والأهداف التي من أجلها أسست رابطة علماء المغرب وبجانبها المجالس العلمية.

كما يرى الدكتور عباس الجراري أن مسؤولية رابطة علماء المغرب ينبغي أن تتخذ طابعين: الأول داخلي ويقتضي توحيد كلمة العلماء لإمكان النهوض بالتوعية الإسلامية والتوجيـه الثقـافي، والثاني خارجي ويسعى إلى التقريب بين المسلمين ونبذ الخلافات بينهم وإلى توحيد كلمتهم. ويدعو، كذلك العلماء إلى أن يكون لهم حضور متميز على الساحة الإسلامية وعلى الساحة الدولية بما يشرف المغرب وبما يعطيه قيمته ووضعه الطبيعي. وأبرز في ختام هذا الجزء الأول من الحوار أهم العناصر الثلاثة التي تساهم، بشكل أو بآخر، في فساد المجتمع وهي: انعدام التربية في البيت والأسرة والمدرسة والمجتمع، وطغيان القيم المادية، وسيادة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية من بطالة وما يترتب عنها.

ويسر - ميثاق الرابطة - أن تقدم لقرائها الكرام وللسادة العلماء ولرجال الفكر والعلم في هذا العدد القسم الأول من نص الحوار ضمن ركن سلسلة حوارات. آملين أن يجد الحوار رضى الجميع، وإليكم نص الحوار التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراسل الجريدة : فضيلة الدكتور عباس الجراري، هل يمكنكم أن تحدثونا عن نظرة تقييمية موضوعية عن حياة رابطة علماء المغرب وعن الأمانة العلمية من خلال ثلاث محطات :

*/ المحطة الأولى في حياة المرحوم الشيخ الأستاذ عبد الله كنون.

*/ المحطة الثانية في حياة المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري.

*/ وحاليا مع العلامة الأستاذ الحاج أحمد بن شقرون.

جواب الدكتور عباس الجراري:

رابطة علماء المغرب مؤسسة علمية وطنية ذات أهمية قصوى، نظراً للدور الذي أنيط بها، والذي يزيد أهمية وخطرا مع مرور السنين والأعوام والتطورات التي تعرفها الساحة العلمية والإسلامية سواء بالنسبة للمغرب أو للعالم كله.

ولا شك أن الرابطة منذ أسست وهي تسعى إلى النهوض بهذا الدور، وإلى تحقيق الغايات النبيلة والسامية التي من أجلها أسست. وهذا لا يمنع من أن تكون في كل مرحلة من مراحلها تتسم بمميزات وبخصائص راجعة إلى طبيعة المرحلة، وراجعة كذلك إلى السادة العلماء الذين يتحملون المسؤولية فيها.

وإن الأمل كبير، أن تستفيد الرابطة في هذه المرحلة العصيبة والدقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، أن تستفيد من تجربتها السابقة ومن تجارب المؤسسات المشابهة لها في مختلف أنحاء البلاد الإسلامية. وأن تكون مستعدة لمواجهة كل التحديات التي يعرفها الإسلام والمسلمون، هذه التحديات التي تحتاج إلى تكثيف الجهود، وإلى توحيد الصف، وإلى توضيح الرؤية، وإلى الإعداد لمواجهة هذه التحديات بكل ما يمكن للعلماء أن يقدموه لما فيه صالح الإسلام وما فيه صالح المسلمين سواء في المغرب أو في غير المغرب.

سؤال : في سياق السؤال السابق، هل يمكنكم فضيلة الدكتور عباس الجراري أن تحدثونا عن الخصائص والمميزات الأساسية التي انفرد بها كل أمين عام خلال مدة انتدابه أو تعيينه، من حيث النشاط العلمي والدور العلمي الذي قام به وطنيا وعربيا ودوليا ؟

جواب :

ليس من شأن متحدث في هذا المجال أن يصدر أحكاما على الآخرين، وعلى التجارب التي قاموا بها أو حاولوا من خلالها أن يقوموا بالعمل الإسلامي. ويكفي أن نعرف أن السادة الذين تحملوا مسؤولية الأمانة بدءا من الأستاذ المرحوم عبد الله كنون، إلى الأستاذ المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري، إلى الأستاذ الجليل الحاج أحمد ابن شقرون، هؤلاء، جميعاً، مشهود لهم بعلمهم ووطنيتهم وغيرتهم وإخلاصهم لهذا الوطن ولملك البلاد ولمقدسات هذه الأمة، ومن ثم فإنه إذا اتضحت الرؤية، وإذا تيسرت الوسائل، وإذا عمل العلماء، وعملت الرابطة على أن تكون رابطة حقا، وعلى أن تجمع الكلمة، وعلى أن توحد الصفوف، وعلى أن تعبئ الأطر المتسمة بالكفاءة والعلم والخبرة والمعرفة الحقيقية والرغبة في العمل، فإنه إذا تيسر ذلك، فإنه لا شك أن الرابطة في عهدها الجديد سوف تحقق أشياء كثيرة، وسوف تنجز إنجازات تكون تكملة لما تقدم في العهدين السابقين.

ومع ملاحظة أمر مهم، وهو أن الأمة الإسلامية اليوم تسير بخطى سريعة، وتواجه تحديات تطرأ في كل يوم بل في كل لحظة، وأن العصر لم يعد يقبل التقاعس والتراخي والتكاسل والاتكال، ومن ثم فإن الأمل معلق على الرابطة في هذه المرحلة الجديدة أن تحقق الغايات التي من أجلها أسست، وكذلك الأهداف التي أصبح يفرضها العصر ومراحل هذا العصر المتطورة والمتجددة.

سؤال : في سياق السؤال السابق، دائما، كيف ترون الدور العلمي الذي تقوم به رابطة علماء المغرب على الصعيد العربي والإسلامي ؟ وهل هناك فعلا، دور حقيقي تقوم به رابطة علماء المغرب ؟

جواب :

لا شك أن مسؤولية الرابطة ينبغي أن تسير في اتجاهين: أما الاتجاه الأول فهو داخلي، ويقتضي أن تكون الرابطة محورا يلتف حوله العلماء العاملون الصادقون المخلصون. والهدف ليس فقط أن تجمع كلمة العلماء، ولكن أن تجمع هذه الكلمة لإمكان النهوض بالتوعية الإسلامية والتوجيه الثقافي، والنهوض بالأعباء التي يتطلبها العمل الداخلي، بدءا من تجميع الكلمة إلى الاتصال بالمواطنين لتوعيتهم، ولتنقية أفكارهم، ولإحلال الأفكار الرئيسية والأساسية والأصيلة التي عاش بها المغرب على امتداد العصور، لأن المغرب كان، دائما، يسير في خط السنة وفي خط المذهب المالكي. وكان المغرب، دائما، يسير بخطى يلتقي فيها أولو الأمر من العلماء ومن الحكام. وهذه المسيرة الموحدة الواضحة هي التي جعلت المغرب يستمر مستقرا ويستمر قويا طوال قرون عدة.

وهذا هو الذي جعل المغرب يتغلب على مختلف المشكلات والأزمات ويسترجع سيادته ووحدته. ويحافظ على استقراره.

إذن، هذا هدف أول وهو الهدف الداخلي، بعد ذلك يأتي الهدف الثاني أو المسؤولية الثانية وتتعلق بالعمل الخارجي. والعمل الخارجي يقتضي السعي إلى التقريب ونبذ الخلافات بين المسلمين، وإلى الانضمام إلى جميع ما يوحد كلمتهم سواء على مستوى المذاهب الإسلامية، أو على مستوى الحوار مع أهل الكتاب ومع غيرهم من الذين لا يؤمنون بالله. وكل ذلك من أجل المحافظة على وحدة الكلمة ووحدة الصف ووحدة الهدف، والتغلب على القضايا الكبيرة التي أصبحت تواجه الإنسانية اليوم، ولا سيما فيما يتعلق بالقيم وبالأخلاق وبالسلوك وبالتربية، لأن الأزمة اليوم في العالم هي أزمة قيم. والكل يشعر بذلك، ونحن مطالبون بأن تكون لنا مساهمة في هذا الجانب.

وبطبيعة الحال، حين نتحدث عن العلاقات الخارجية فإننا نريد كذلك أن يكون للمغرب ولعلماء المغرب حضور متميز على الساحة الإسلامية وعلى الساحة الدولية، بما يعطي للمغرب قيمته ووضعه الطبيعي، وبما ييسر للمغرب أن ينهض بالدور الذي نهض به على امتداد العصور.

ونحن نعيش مرحلة يتحمل المغرب فيها مسؤوليات كبرى، ومولانا أمير المومنين هو رئيس المؤتمر الإسلامي، وهو رئيس لجنة القدس، وهو حريص على حل الأزمات والقضايا التي يتخبط فيها المسلمون، سواء فيما يتعلق بالقضايا التربوية أو القضايا السياسية.

ونحن نعرف جميعا ما يعانيه، وما يسعى إليه، وما يدعو إليه لحل المشاكل التي تتخبط فيها دول يوغوسلافيا القديمة، وجهوده في هذا المضمار واضحة. وينبغي أن نكون جميعا واعين بهذه الرسالة التي يتحملها المغرب في الخارج، ولا سيما في الساحة الإسلامية. وللعلماء دور في ذلك ينبغي أن يكونوا واعين به، وأن يتحملوه بكل ما يتطلب من جد وحزم وصرامة وثقة، كذلك في أنفسهم وعقيدتهم، وفي جميع المقومات التي ينبغي أن يكون الانطلاق منها ...

سؤال : هناك محور آخر نود أن نطرحه معكم، إذا سمحتم، وهو يتعلق بالوضعية الإدارية والمالية لرابطة علماء المغرب. كيف ترون وضعية رابطة علماء المغرب من الوجهة القانونية ؟

جواب :

لست مؤهلا للحديث عن هذه الوضعية، ولكن كل ما يمكن أن أقوله لك وما أعرفه جيدا، هو أن رابطة العلماء تحظى برعاية خاصة لمولانا أمير المومنين. وأن هذه الرعاية تتجلى في جوانب متعددة، في طليعتها الحاجيات المادية التي بها ينبغي أن تنهض، هذا كل ما أعرف، وبالطبع يبقى بعد ذلك الوضع الإداري أو التسيير المالي هذا أنا لا أعرف عنه شيئا.

سؤال : نعود إلى الدور العلمي الذي تقوم به رابطة علماء المغرب، وبجانبها المجالس العلمية. في رأيكم، هذا الدور الذي تقوم به رابطة علماء المغرب والمجالس العلمية على الصعيد الوطني خاصة، هل هو يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين، أو أنه يخدم مصلحة النظام الحاكم ؟

جواب :

ما تقوم به المجالس العلمية وما تقوم به رابطة علماء المغرب يخدم قضية الإسلام والمسلمين بصفة عامة، ويخدم قضية المغرب والمغاربة بصفة خاصة. وكما سبق أن قلت لك، إننا في المغرب نعيش، وعشنا خلال التاريخ، أوضاعا متميزة. هذه الأوضاع المتميزة ترجع إلى كون الحاكم في هذا البلد، هو في نفس الوقت، حامي عقيدتها. من هنا، لا تطرح أو لا ينبغي أن تطرح علينا أو عندنا المشاكل التي يمكن أن تثار في بلد آخر وقع الفصل فيه بين حاكم يحكم مدنيا وبين عالم أو مجموعة أو هيئة علمية تشرف على أمر الدين في هذا البلد.

نحن منذ أن تمت أول بيعة في المغرب، وهي بيعة المولى إدريس، منذ اثني عشر قرنا ونصف قرن، والمغرب يعيش ويسير على هذا النظام الذي يجعل من الحاكم مسؤولا عن الأمة، مسؤولا عن شعبها، مسؤولا عن حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومسؤولا أولاً وقبل كل شيء، عن عقيدتها لأنه أمير المومنين. ومن ثم، فإنه لا مجال لطرح السؤال حول ما يمكن أن يحقق من أهداف عن طريق الرابطة، أو عن طريق المجالس العلمية. هل هو لخدمة الدين أو لخدمة جهة معينة. فالمغرب، وهذا ينبغي أن يكون واضحا في الأذهان، المغرب يتمتع بهذا الوضع، وهو وضع قد ظهرت حسناته ومميزاته خلال التاريخ، كما سبق في إجابة أخرى في سؤال آخر. ولكنه اليوم سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الإسلامي، أو على المستوى الدولي، اليوم، تتضح أهميته وتزيد قيمته، ونحن في أمس الحاجة إلى أن نكون واعين بذلك، حتى لا نقع فيما يثير الاضطراب في أذهاننا أو البلبلة في فكر الشباب الذي يعيش في ظرف متطور، ويعايش واقعا معاصرا اختلطت فيه الأمور. وهذا الوضع المتميز الذي يعيشه المغرب، لعله الضمان لكي يحافظ المغرب على وحدته وعلى استقراره. وحين نقول على وحدته: على وحدته العقدية، على وحدته السكانية، على وحدته السياسية، وعلى وحدته الترابية، وكل هذا ينبغي أن ننظر إليه بالاهتمام الضروري.

سؤال : إذا سمحتم، فضيلة الدكتور، ربما فهمت من كلامكم أن الهيئتين معا: رابطة علماء المغرب والمجلس أو المجالس العلمية، أنهما من خلال جهودهما المبذولة على مستوى النشاط العلمي وعلى مستوى الوعظ والإرشاد، أنهما يخدمان المصلحة المشتركة من جهة للإسلام والمسلمين ومن جهة أخرى للنظام الحاكم، إذا صح هذا الفهم أو إذا صح هذا التعبير، ألا ترون معي أن هذا فيه نوع من التناقض، إذ كيف يعتبر أن تخدم العقيدة إيديولوجية النظام الحاكم ؟

جواب :

كان الأمر سيكون فيه تناقض لو أن الوضع التاريخي والوضع السياسي للمغرب مختلف عما هو عليه الآن، أما وأننا في المغرب نعيش نظاما يتميز بهذه الخصوصيات التي تحدثت عنها، فإنه لا مجال لإثارة أي تناقض أو التفكير في أي تناقض.

نعم، نحن نثير في أذهاننا تناقضا حين نتعامل أو نريد أن نتعامل مع الواقع بأفكار مخالفة لما هو من طبيعة هذا البلد، ولما هو مواكب لتاريخه ولواقعه، فليس هناك، إطلاقا، أي تناقض. قد يثار التناقض في بلد آخر، ولكن بالنسبة للمغرب والوضع على ما هو عليه، أي أن الحاكم، وهذه يمكن أن نقولها بصراحة، الحاكم هو حامي الوطن وحامي العقيدة في نفس الوقت. ويكفي أن نعرف أنه أمير المومنين. فهذه كلها معطيات ينبغي أن نعيها وأن نفهمها وأن ننطلق منها في التعامل مع غيرنا ومع أنفسنا، وألا نكون فقط تحت تأثير القراءات النظرية، أو تحت تأثير تجارب الآخرين الذين لا ينطبق واقعهم على واقعنا، أو ليس هناك ما يمكن أن يكون مقربا بيننا وبينهم.

سؤال : في سياق السؤال السابق، دائما، إذا كان لرابطة علماء المغرب وللمجالس العلمية دورٌ إيجابي وفعال على مستوى الوعظ والإرشاد وعلى مستوى تهذيب سلوك الأفراد والجماعات، داخل المجتمع، فلم نرى داخل مجتمعنا المغربي وهو تسوده موجة من الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، في رأيكم ما هي أسباب هذه الظواهر الفاسدة ؟

جواب :

ما يتخبط فيه المجتمع المغربي راجع إلى أسباب
كثيرة : راجع، بالدرجة الأولى، إلى انعدام التربية : التربية أهملت في مختلف المؤسسات والجهات التي ينبغي أن تنهض بها. أهملت في المدرسة، وأهملت في البيت والأسرة، وأهملت كذلك في الشارع وعلى المستوى العام، أي على مستوى المجتمع. فنتيجة لهذا الوضع اللاتربوي حدث ما حدث ويقع ما يقع. ثم إن هناك بالإضافة إلى هذا العامل الأساسي الذي هو العامل التربوي، هناك عامل آخر خاضع لشروط التطور وظروف هذا التطور، بكل ما يفرضه التطور أو ما يأتي به التطور، وبكل ما قد يكون في ذلك من سلبيات ناتجة عن طغيان القيم المادية التي أصبحت تستبد بالمجتمعات العالمية. وكذلك هناك عامل آخر، وهو الأزمات والمشكلات التي يعيشها المجتمع من بطالة وما ينتج عن البطالة من أزمات اقتصادية واجتماعية. كل ذلك يتدخل ليفضي إلى ظهور بوادر التحلل والتخلي عن القيم وانتشار بعض مظاهر الفساد. ولا شك أن هنا سيطرح السؤال عن العلماء وعن دور العلماء. والعلماء يتحملون بالفعل مسؤولية كبرى، لأن العلماء، أيضا، لم يعودوا يقومون بالدور الذي ينبغي أن يقوموا به، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هناك سبب آخر لا أقول، التخلي، ولكن هناك نوع من التعامل بشيء من اللامبالاة بهذا الواقع، وكأن العلماء لا يعطون لرسالتهم الأهمية التي ينبغي أن تكون لهذه الرسالة.

فهناك أيضا، في وسط العلماء والمثقفين والمفكرين والأدباء وأصحاب الكلمة، هؤلاء جميعا، هم أيضا يتخبطون في مشاكل ويعانون اضطرابا في المفاهيم، ومن ثم، فإنهم من خلال أو عبر هذا النزاع الحضاري وهذا الصراع الثقافي الذي يعرفه المغرب ويعرفه العالم كله، هم في شبه حيرة من أمرهم، بعضهم يائس من الإصلاح، بعضهم ينظر بلا مبالاة، بعضهم يبذل جهدا، وهذا ينبغي أن نعترف به. هناك العلماء الذين يبذلون جهودا، ولكن هذه الجهود تبقى في نطاق الممكن وفي نطاق ما هو ميسر لهم حتى ينهضوا برسالتهم.

سؤال : في سياق، دائما، الدور الذي تقوم به المجالس العلمية ورابطة علماء المغرب، يقال : إن هاتين الهيئتين معا لهما وزن قوي اجتماعيا، هل هذا القول، في رأيكم،
صحيح ؟

جواب :

ينبغي أن يكون لرابطة علماء المغرب وينبغي أن يكون للمجالس العلمية دور قوي ووجود وحضور في المجتمع، ولكن هل هذا الحضور هو حضور بالشكل وبالمستوى المرجو، وبالمستوى الذي يمكن أن يحقق الغايات التي من أجلها أقيمت المجالس ومن أجلها نظمت الرابطة ؟ إذا ما وقع الشعور الصادق بالمسؤولية، وإذا ما أعطيت الإمكانيات اللازمة للعلماء، وإذا ما حدث توضيح الرؤى والمفاهيم وتحديد الغايات والأهداف، فإنه لا شك سيكون للرابطة وسيكون للمجالس، الحضور الذي يتناسب مع المرحلة الجديدة. وهي مرحلة كما لا يخفى على أحد تتسم بالخطورة والصعوبة وبالظروف الدقيقة والأزمات والمشاكل التي سيستعصي حلها إذا لم تتكاثف الجهود في هذا المضمار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حديث علمي شامل
مع ميثاق الرابطة

"القسم الثاني"(1)

 

 

(1) حول : "الرسالة و السياسة العلمية للنشاطات الدينية" ميثاق الرابطة - (الخميس 29 شعبان 1417الموافق 9 يناير 1997م) وقد أجراه الأستاذ مصطفى ودادي (رئيس التحرير).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مُهد له بهذه الكلمة:

في هذا الحوار يدلي الدكتور عباس الجراري ببعض الآراء والأفكار، ويفصح، بصورة غير مباشرة، عن تقصير العلماء في القيام بواجباتهم ومسؤولياتهم، خاصة في مجال التوعية الدينية. وتعرض في حديثه الذي أدلى به لجريدة "ميثاق الرابطة" إلى مسألة الغزو الإعلامي الغربي وتأثيراته السلبية على الأبناء والشباب والمواطنين، ويرى أن الحل الأنجع لمقاومة القيم الغربية المبثوثة عبر وسائل الإعلام، يكمن في تحصين عقول الأبناء والشباب والمواطنين بالتربية السوية وبالأخلاق الإسلامية الصحيحة.

ولا يخفي ما لمسألة الاقتباس الحضاري من أهمية بالغة في حياة العالم الإسلامي، لمواكبة التطور المدهش الذي يشهده العالم في جميع الأصعدة. وفي هذا الاتجاه يؤكد أن الاقتباس الحضاري ضروري ولا مفر منه، ولكن ينبغي أن يكون التبادل الحضاري منسجما مع أصالتنا ومقوماتنا وتاريخنا وتراثنا. وبصدد الحديث عن مشكلة التطرف التي تستقطب اهتمام معظم الدوائر الفكرية والسياسية في العالم وتشغل بالهم، يكشف أن معظم بلاد العالم تعاني من مشكلة التطرف، وأن هذه الظاهرة ليست منحصرة فقط، في رقعة جغرافية معينة. وما يمكن تحصيله في هذا الباب هو أن الإسلام بريء مما ينسب إليه من أشكال العنف والإرهاب.

وفي هذا العدد الأسبوعي، يسر جريدة - ميثاق الرابطة - أن تقدم لقرائها الكرام القسم الثاني من الحوار، وإليكم نص الحوار التالي :

سؤال : إذا كان، فعلا، للهيئتين معا دور قوي ووزن قوي، فهل لهما انعكاسات إيجابية على مستوى ترشيد القرارات السياسية، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإعلامية ؟

جواب الدكتور عباس الجراري :

هنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم وهو أن العلماء، وحينما نقول العلماء، ينبغي أن نوسع دائرة العلماء، لتشمل كل القائمين على شؤون الفكر والثقافة والدين والأدب، وما إلى ذلك مما يعطي لمفهوم العلم ومفهوم العلماء مدلولا واسعا حتى لا يقزم هذا المفهوم. هؤلاء العلماء متى قاموا برسالتهم، ومتى طرحوا أفكارهم، ومتى قاموا بالتوعية اللازمة، ومتى أوضحوا وبينوا رأيهم في مختلف المشكلات، ومتى أثاروا وعرضوا الحلول الناجعة لمختلف هذه المشكلات التي يعانيها الناس سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الإسلامي، ومتى فعلوا ذلك، ومتى عرفوا كيف يقدمون الرأي العلمي، وكيف يكون هذا الرأي مقنعا، فإنهم لا شك يستطيعون فرض الآراء الصحيحة وفرض الحلول الناجعة ؛ ولكن إذا ظلوا مهمشين، وإذا ظلوا منكمشين، وإذا قنعوا بأن ينحصر دورهم في إطار وعظي محدود لا يُسمع ولا يقنع أحدا، ولا يصل إلى عقول الشباب والطلاب والمواطنين عامة، فإن دورهم سيظل دورا متقلصا لا يستفيد منه أحد.

سؤال : نعود إلى الحديث عن الفساد الإداري والأخلاقي والاجتماعي الذي تكلمنا عنه سابقا، والذي قلتم فيه بأن أهم عنصر أو أهم سبب هو سوء التربية. في رأيكم، ألا يمكن اعتبار أن التحدي الإعلامي الغربي المطروح على الساحة الوطنية والعربية والإسلامية، سبب آخر ينضاف إلى هذه الأسباب التي أدت إلى فساد المجتمع المغربي بصفة خاصة، وإلى فساد المجتمعات العربية والإسلامية بصفة عامة ؟

جواب :

هذا صحيح، الإعلام الغربي يعمل على نشر قيم غير صحيحة وغير صالحة. المؤسف هو أن هذه القيم التي يبثها الغرب فينا تصل إلى عقر بيوتنا عن طريق الأجهزة المتطورة التي أصبحت اليوم في كل بيت، عبر القنوات المختلفة التي ليس في مقدور أحد أن يمنعها. ولكننا نستطيع أن نمنع تأثيرها السلبي على أبنائنا وبناتنا وعلى المواطنين عامة، إذا نحن جعلناهم يتسلحون بما يجعلهم محصنين ضد كل سلبيات هذه الثقافة الجديدة التي تحمل قيما مناقضة لأصالتنا، مناقضة لديننا، مناقضة لأعرافنا، ولما نريد أن نكون عليه. فالحل ليس في أن نمنع وصول هذه الثقافة، فإنه لا مجال لمنعها، ولكن الحل في أن نحصن أبنائنا بتربيتهم، وبإشباعهم بالثقافة الإسلامية الحقيقية، بزرع الأفكار الوطنية والدينية في عقولهم وفي قلوبهم حتى يتعاملوا مع هذه القيم المادية وهذه القيم الفاسدة بشيء من الحصانة تجعلهم في منأى عن أن يقعوا فريسة لها.

سؤال : إذا سمحتم، فضيلة الدكتور عباس الجراري، سننتقل إلى المحور الثاني الذي يتعلق بالنشاط العلمي للمجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا، فضيلة الدكتور، هل يمكنكم أن تعطونا فكرة عن دور المجلس العلمي الإقليمي وطنيا على مستوى النشاط الثقافي والعلمي لهذه السنة الحالية ؟ هذا سؤال أول. سؤال ثان : ما هي مشروعاتكم المستقبلية للنهوض بالمجلس العلمي الإقليمي على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي ؟

جواب :

المجلس العلمي لولاية الرباط وسلا والأقاليم المجاورة، شأنه شأن بقية المجالس، يتحمل مسؤولية كبرى تقتضي منه أن يسهر على عملية الوعظ والإرشاد، وعلى توعية المواطنين بشؤون دينهم، وعلى توجيههم ثقافيا التوجيه الصحيح السليم. وهذا يتحقق في مجالات متعددة: تنظيم لقاءات متواصلة، محاضرات وندوات، وكذلك نحن نسعى إلى تكوين الوعاظ والمرشدين والأئمة والخطباء، أي نسعى إلى تقويم ما يحتاج إلى تقويم في مختلف هذه المجالات، وذلك عن طريق دورات تدريبية نقوم بها لتنبيه القيمين الدينيين، لا سيما، الخطباء والوعاظ والأئمة لتنبيههم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه، وإلى ذلك ملء الثغرات التي تكون في تكوينهم وفي ثقافتهم الإسلامية والعامة.

وبالفعل المجلس العلمي في هذا الموسم، قمنا بدورة تدريبية للخطباء وكانت دورة ناجحة، كذلك قمنا ببعض المحاضرات سواء في الرباط أو خارج الرباط. وكذلك نظمنا ندوة مؤخرا شارك فيها عدد من الأساتذة المتخصصين في موضوع يشغل بال المواطنين جميعا، وهو الفوائد البنكية. ونحن بصدد التنظيم لعقد ندوات في موضوعات تهم المواطن وتهم الشاب وتهم الفتاة وتتناول القضايا الحية والمسائل الشائكة التي تشغل بال الناس اليوم، ولا سيما بال الشباب والمتعلمين بصفة عامة.

ونحن نأمل أن نحقق الكثير من الأهداف التي هي مسطرة في الظهير المنظم للمجالس العلمية، ونسعى كذلك إلى أن تكون هذه الأنشطة التي نقوم بها متجددة ومسايرة للمرحلة الجديدة التي يجتازها المغرب والعالم الإسلامي بل العالم كله.

سؤال : في إطار النشاط العلمي الذي تقوم به المجالس العلمية على الصعيد الوطني، هل هناك إمكانيات في إطار العلاقات الثقافية والنشاطات العلمية للتنسيق والتعاون المشترك بين المجالس المغربية وبين سائر المجالس العلمية المشابهة لها على الصعيد العربي والإسلامي ؟

جواب :

نحن نسعى إلى التعاون بين مختلف المجالس في المغرب. وهذا قائم ويتحقق عن طريق تنظيم بعض الأنشطة التي يشترك فيها أكثر من مجلس. ونحن بصدد التخطيط للقاء علمي نقيمه مع بعض المجالس المغربية الأخرى، وقد يكون في الرباط أو في غير الرباط من الأقاليم المغربية.

أما على الصعيد الخارجي فهناك بعض الاتصال وبعض التعاون، ولكن ليس هناك شيء مدروس ومخطط في سياق التعاون بين المجالس العلمية والمؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي.

نعم، نحن نلتقي من خلال المؤتمرات، ولا سيما المؤتمرات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والجامعة الصيفية، وفي مؤتمرات الصحوة التي يلتقي فيها عدد كبير من علماء الإسلام ومن ممثلي الهيئات والمؤسسات الإسلامية العالمية. كذلك يتم الالتقاء في مناسبة شهر رمضان حين يحضر العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بحضرة مولانا أمير المومنين. وهذا كله يعتبر لبنات قوية وأساسية من شأنها أن توطد العلاقة بين علماء المغرب وزملائهم في العالم الإسلامي، ولكن كل ذلك ليس في الدرجة التي ينبغي أن يكون عليها هذا الاتصال حتى يحقق العلماء جميع ما هم مطالبون به، وأتحدث هنا عن العلماء على مستوى الأمة الإسلامية.

سؤال : دائما، في سياق التساؤلات السابقة ... كيف ترون أهمية ودور المجالس العلمية الرسمية على الصعيد العربي والإسلامي في خصوص ترشيد القرارات السياسية من أجل حل المشاكل والقضايا الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؟

جواب :

كما قلت لك من قبل، متى كان العلماء متحملين لمسؤوليتهم، ومتى كانت كلمتهم واضحة وموحدة، ومتى كان رأيهم مقنعا، ومتى تجمعت العناصر التي من شأنها أن تجعلهم ينهضون بمسؤوليتهم ؛ متى تحقق ذلك فإن أي قرار أو أي توجه أو أي أمر فإنه سيكون متأثرا، إن لم يكن سائرا ومسايرا لما ينبغي أن يكون عليه من الوجهة الوطنية ومن الوجهة الإسلامية.

سؤال : نعلم أن الأحزاب السياسية وطنيا لها منافذ كثيرة ولها مجالات كثيرة وبصفة خاصة دُور الشباب التي تستقطب إليها الشباب وتؤطرهم حسب معتقداتها وإيديولوجيتها، هل المجالس العلمية تقوم بنفس هذا الدور ؟ وهل لها فروع على الصعيد الإقليمي لتقوم بعملية استقطاب الشباب وخاصة الشباب المنحرف ؟

جواب :

كما بينت لك من قبل، المجالس العلمية غاياتها واضحة وأهدافها محددة، وهي تقصد إلى نشر التوعية الصحيحة الحقيقية في مختلف شؤون المواطن، انطلاقا من القيم الدينية والمبادئ الإسلامية. وهذا لا يعني أن المواطن لا يتعامل إلا مع المجالس العلمية، أو لا ينبغي أن يتعامل إلا مع المجالس العلمية.

نحن في بلد يتميز بالتعددية ويتسم بالحرية، ومن ثم فإن وجود أحزاب وجمعيات وهيئات تؤطر المواطنين وتكونهم وتسعى إلى جمعهم ولمهم، هذا لا يتعارض في شيء مع ما ينبغي أن تقوم به المجالس، لأن المواطن في حاجة إلى تأطير، وفي حاجة إلى تعبئة، وفي حاجة إلى توعية، وفي حاجة إلى من يأخذ بيده. وكل من هو مؤهل للقيام بذلك عليه أن يقوم بهذا الدور. فأن تقوم هيئة بعمل، هذا لا يتنافى مع أن تقوم به هيئة أخرى، طالما أن الأهداف واضحة، وطالما أن النيات صادقة، وطالما أن الغاية هي تكوين المواطن، وتحصين المواطن وجعله قادرا على أن يعيش في مجتمع نظيف، وأن يكون مسؤولا في هذا المجتمع، وأن يكون محصنا ضد كل الأفكار الهدامة. وهذه الأهداف ينبغي أن يتعاون الجميع عليها لما فيه صالح المواطن وصالح المجتمع المغربي وصالح مختلف مقومات هذا البلد ومكونات هويته.

سؤال : أنتقل معكم إلى محور آخر يتعلق بمحور حضاري : لقد كثر الحديث داخل الدوائر الفكرية والسياسية في السنوات الأخيرة عن قضية أساسية وملحة للدول السائرة في طريق النمو، وخاصة الدول العربية والإسلامية، ألا وهي قضية الاقتباس الحضاري من الطرف الآخر أي الغرب، فكيف ترون هذه القضية ؟ وما هي تعليلاتكم الإيجابية في حالة الاتفاق مع دعاة الاقتباس الحضاري من الغرب ؟

جواب :

الحضارة ظاهرة غير ثابتة، الحضارة في تطور دائم وفي نمو مستمر، والحضارة ليست حكرا على أحد. ومجال تبادل التأثر والتأثير فيها مجال واسع، ولا ينبغي أن ينكره أحد. والحضارة مراحل، والحضارة كذلك في نطاق تغيرها قابلة لكي تقتبس ولكي يتأثر بها غير صانعيها. ويوم كان المسلمون مؤهلين لإنشاء حضارة وثقافة، فإنهم استطاعوا أن ينشئوا هذه الحضارة وهذه الثقافة التي تعرف بالحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية، واستطاعوا على مدى عصور طويلة أن ينموها، وأن يغنوها في مختلف المجالات، وأن يفرضوها على غيرهم. والعالم الغربي استطاع أن يتطور انطلاقا مما أفاده من الحضارة العربية والإسلامية.

ونحن اليوم، نعيش مظهرا من مظاهر التطور، هذا التطور الذي يجعل الحضارة الغربية تفرض نفسها على الآخرين وعلى المسلمين بصفة عامة.

نعم، لا مفر لنا نحن من الاقتباس. وينبغي أن نقتبس، ولكن ينبغي أن نقتبس بوعي، أي أن نقتبس ما هو نافع من جهة، وأن نسعى في اقتباسنا إلى التوفيق بين ما نقتبسه وبين ما ينسجم مع هويتنا ومع عقليتنا ومع تاريخنا وتراثنا ومع همومنا ومشاكلنا وتطلعاتنا في المستقبل. فالعيب لا يمكن أن يكون في التبادل الحضاري أو في الاقتباس الحضاري، بل بالعكس الاقتباس أو استطاعة امتصاص حضارة الآخر، هذا دليل على حيوية، ودليل على قوة، ودليل على قدرة، ولكن ينبغي أن نفعل ذلك بمعرفة وبوعي وبقدرة على التمييز بين الصالح والفاسد.

سؤال: لقد قال الأستاذ المرحوم عبد الله كنون، دائما، في سياق هذا الحوار حول الحضارات، لقد قال قولته المنشورة بجريدة "الميثاق" تحت عدد 36 سنة 1963 عند تحليله لنص الخطاب الملكي بمناسبة عيد الشباب لعام 1963 قال: "لقد صدقوا لقد تقدمنا، ولكن تقدمنا يسير إلى وراء ...".

على ضوء هذا القول، رغم ما فيه من نقد لاذع واستهزاء وسخرية ... كيف ترون قضية التقدم الحضاري ؟

وهل كان الأستاذ الراحل صائبا فيما ذهب إليه من خلال نظره لواقع الأمة العربية والإسلامية في الوقت الراهن ؟

جواب :

إننا حين نتأمل الواقع الذي يعيشه المسلمون بالقياس إلى ما حققه الغرب من تقدم، ولا سيما في المجال التكنولوجي والعلمي بصفة عامة، فإننا نلاحظ الفرق الكبير الذي يفصلنا عن الغرب. ومن ثم فإنا قد ننظر إلى أنفسنا بشيء من التشاؤم أو بشيء من اليأس. وهذا منظور شائع الآن. هناك الذين يرون أنه لا إمكان للحاق بالغرب، وبالإضافة إلى هذا هناك جانب آخر، وهو لا شك أنه هو الذي حرك المرحوم الأستاذ عبد الله كنون ليقول مثل هذه القولة، وهو أننا ربما نخطو خطوات إلى الأمام في المجال المادي وفي المجال التقني، ولكننا نتراجع فيما يتعلق بالقيم، وفيما يتعلق بالعقيدة، وفيما يتعلق بمقومات شخصيتنا وهويتنا. وكل ذلك يدل على ما نعانيه في هذه المرحلة من اضطراب. نحن نعيش نزاعا حضاريا وصراعا ثقافيا مع أنفسنا ومع الآخرين. وينبغي أن نتسلح بالمكونات والمقومات التي بها نهض الغرب. الغرب نهض بالعلم، ونهض بالجد، ووصل إلى ما وصل إليه بقوة ذاته، وبما توافر له من مقومات علمية ومادية. نحن ما زلنا في أول الطريق، نحن ما زلنا نعاني الأمية والضعف العلمي وقلة الإنتاج العلمي وضعف البحث العلمي، بالإضافة إلى أننا نشكو داخليا من هذا الصراع الذي يبننا وبين أنفسنا ومقومات ذاتنا داخليا. ولهذا ينبغي أن لا نضيق بالحضارة الغربية، وأن لا نلقي كل العيوب عليها، هذه الحضارة سائرة في طريقها، ونحن لا مفر لنا من التعاون معها ومن الاستفادة منها ومن الاقتباس، ولكن على أن نكون محصنين ومسلحين حتى نستطيع أن نهضم وأن نمتص ما عند الآخرين، ونجعله مفيدا لأنفسنا ولحضارتنا ولثقافتنا، من غير أن نكون يائسين من جهة، ومن غير أن يتسرب إلينا الفشل والإحباط الذي نصادفه عند كثير من الناس ؛ ولكن كذلك من غير أن ننغلق وأن نغلق الأبواب والنوافذ ونقول: إن هذه حضارة غير صالحة فنحن نرفضها ...

سؤال : يكثر الكلام، اليوم، عن ظاهرة التطرف الديني ونعت الإسلاميين بالمتطرفين والإرهابيين من طرف القيادات الحاكمة الدولية، وكذا من طرف المؤسسات الفكرية والسياسية المعادية للإسلام والمسلمين، فما هو تقييمكم لهذه الظاهرة ؟

جواب :

ما ينبغي أن يقال هنا : هو أن التطرف ليس من شأن الدين، وأن الإسلام يدين التطرف ويرفض التطرف، ويرفض كل تشدد وكل عنف. ثم إن هذا التطرف الذي يعيشه العالم اليوم، وليس العالم الإسلامي فحسب، معظم بلاد العالم تعيش ظاهرة التطرف. وهذا التطرف الذي نسمع عنه ونقرأ عنه لا علاقة له بالإسلام، بل لا علاقة له حتى بأي دين. هذا من جهة، من جهة ثانية أن ظاهرة التطرف هي راجعة إلى أسباب، ربما شروط اجتماعية وظروف اقتصادية، عوامل أخرى ... وإنما يتستر البعض وراء الدين للقيام بما يقومون به، فينبغي أن تعالج هذه الظاهرة بمنظور واضح: الإسلام يدين التطرف، لأنه دين التسامح، ودين التعارف، ودين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتعايش مع الآخرين، سواء أكانوا من المسلمين أم من غير المسلمين، سواء أكانوا يعيشون في نفس المجتمع أم يعيشون في مجتمعات أخرى. الإسلام هو دين التسامح والتعارف بامتياز، ما يقع هو مرتبط بأسباب أخرى لا علاقة لها بالدين، ولكنها قد تتستر خلف الدين أو قد تحلل من الزاوية الدينية ولكن الدين منها بريء ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حوار مع الملحق الثقافي لجريدة "العلم"

حول النشر و التحقيق(1)

 

 

 

 

(1) نشر هذا الاستجواب في الملحق الثقافي لجريدة العلم يوم السبت 12 ذي الحجة 1407 (8 غشت 1997) عدد : 835 سنة 17. وقد أجرته الأستاذة الدكتورة السيدة نجاة المريني: في ضوء صدور الكتابين التاريخيين "مجالس الانبساط" و "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مَهدت له بالكلمة الوافية الآتية :

لاشك أن العناية بالكتابة التاريخية شكّلت وتشكّل عبر فترات تاريخية مختلفة هاجساً كان وما يزال يشغل فكر الكتاب المغاربة على مستويات كثيرة، فمنهم من اهتم بالتاريخ العام للمغرب متتبّعاً التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي في تفاعلاتها وتطوّراتها، ومنهم من اهتم بالتراجم والفهارس، ومنهم من اهتم بتاريخ المدن أو المدينة التي ينتمي إليها المؤلف المؤرخ، فتحدث عنها وعن أعلامها، متقصّيا الجزئيات ومفصلا في المجملات كي يعطي صورة تكاد تكون واضحة جامعة عن المدينة وحضارتها ورجالها، إلى غير ذلك.

وقد نشطت حركة التأريخ للمدن المغربية ولأعلامها منذ وقت بعيد، فكتب ابن القاضي عن مدينة فاس (جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس). وفي العصور المتأخرة نجد ابن زيدان يكتب عن مكناس في (إتحاف أعلام الناس)، والكانوني يكتب عن (آسفي وما إليه قديما وحديثا)، وابن علي الدكالي يكتب عن مدينة سلا في (الإتحاف الوجيز)، ودينية وبوجندار يكتبان عن مدينة الرباط في (الانبساط) و(الاغتباط)، بينما يكتب عبد الله الجراري عن العدوتين كتابه (من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين).

ومن المؤكد أن مؤلفات من هذا النوع ستكشف النقاب بصفة دقيقة عن حقيقة الأوضاع المختلفة في المنطقة المؤرخ لها، إذ نجد المؤلف يعمد إلى الاستفادة ممّا كان متوفراً لديه من مصادر ومخطوطات، ومن النقولات الشفوية التي كان يأخذها عن بعض معاصري الأحداث، فتتكوّن لديه معلومات كثيرة صحيحة يعمل على تدوينها وتسجيلها، وهكذا تكتمل لديه الصورة: عن البلدة: تاريخها ومآثرها وسكانها، عن الرجال الأعلام ومؤلفاتهم. وكل هذه المعلومات يستقيها المؤرخ المؤلف ممّا استطاع التوصل إليه والاطلاع عليه، ومما لم يستطع وإنما نقل إليه خبره عن طريق رواة ثقات - بحكم احتفاظ ورثة العَلَم الفقيد بمؤلفاته خوفاً من اطلاع الناس عليها - سبق لهم أن اطلعوا على هذه الأخبار أو سمعوها عن صاحبها، فعلقت بأذهانهم.

وتتبلور أهمية المؤلفات التاريخية أو غيرها في طبعها ونشرها، ومن ثمّ في رواجها وشيوعها واستفادة الناس على مختلف طبقاتهم منها، وهكذا يتعرّف الناس إلى الغامض المجهول عندهم من تاريخ مدينتهم ومن أعمال رجالها، فينكبون على الكتاب المؤَلَّف درساً وتحليلا ونقاشا، ويسهمون بدورهم في تنشيط الدرس التاريخي أو الأدبي، بما لديهم من المعلومات أو الحقائق أو الإضافات التي قد يكون المؤرخ أغفلها أو نسيها ...

في هذا الإطار، تعزَّزت المكتبة المغربية اليوم بصدور مؤلفين تاريخيين هامّين عن مدينة الرباط، العاصمة الإدارية للمملكة، حيث انصبّ اهتمام المؤرخين دينية وبوجندار على التأريخ لمسقط رأسيهما عبر عصور التاريخ المختلفة، وعلى التأريخ لرجال هذه المدينة، كما فعل غيرهم من المؤرخين.

أمّا الكتابان فهما : (مجالس الانبساط بشرح تراجم علماء وصلحاء الرباط) لجامعه محمد بن علي بن أحمد دينية المتوفى سنة 1358ﻫ، و (الاغتباط بتراجم أعلام الرباط) لمؤلفه محمد بن الحاج مصطفى بوجندار المتوفى سنة
1345 ﻫ.

صدر الكتاب الأول (مجالس الانبساط) منذ سنة تقريباً في مايو 1986م في 339 صفحة من القطع المتوسط في طبعة لا بأس بها، حافظ من خلالها المشرفون على نشر الكتاب وعلى تقديمه كما هو في الأصل، وكما كتبه مؤلفه دون زيادة أو نقص ؛ وإن جعل أحد أقارب المؤرخ دينية السيد مصطفى الغربي لهذا الكتاب توطئة، فإنما هي تقديم لشخصية المؤلف، وتعريف به وبمراحل حياته ومؤلفاته، دون أية إشارة إلى هذه التوطئة في غلاف الكتاب. وبذلك نحمد للناشر عمله، وهو حفاظه على المتن ونشره كما هو ليصبح في متناول الناس. وهو في جزأين، يقع الجزء الأول في 177 صفحة، والثاني في 156 صفحة من القطع
المتوسط ...

أما الكتاب الثاني، فقد صدر في مطلع هذه السنة 1987م، وكما جاء في غلاف الكتاب "دراسة وتحقيق الدكتور عبد الكريم كريم". ولا شك أن غلاف الكتاب قبل الاطلاع عليه يثلج الصدر لكونه طبع ونشر محققاً، وبذلك يُعْفي القارئ من مشقة البحث والتقصّي. أمّا الدراسة، فالمعتقد أنها ستضيف جديداً إذ ستكشف عن عمل الدارس وعن اشتغاله بتقديم هذا المتن تقديما جيّداً ومفيداً. غير أن القارئ سيفاجأ بطريقة أو بأخرى، بطريقة التحقيق (الجديدة) التي تحافظ - كما فعل الدكتور كريم - على المتن الأصلي كما هو بتخريجاته وهوامشه، دون إضافة أو تصحيح أو تعليق أو توضيح كما هو معروف عند المهتمين بالتحقيق، ولا أقول المحققين، فأين التحقيق ؟ تحقيق المتن الذي قام به الأستاذ المحقق ؟...

وإن قلنا وسلّمنا - رغم أن العمل المحقق ليس سوى تصوير للمتن كما هو - بتحقيق كتاب الاغتباط، فالسؤال الذي يطرح نفسه: أين هي مقدمة المحقق التي يشرح فيها منهجه في العمل، ويوضّح فيها للقارئ مشكلات النص المحقق اعتماداً على النّص الأصلي وعلى النصوص الأخرى - إذا كانت متوفرة - إلى غير ذلك ممّا هو معروف في ميدان التحقيق ؟

وتعميماً للفائدة، فقد وضع الدارس المحقق الأستاذ عبد الكريم كريم لكتاب الاغتباط (مقدمة) دون أن يشير إلى ذلك، تحدث فيها عن حياة المؤلف المؤرخ محمد بوجندار، وعن عمله (الاغتباط) مكتفياً بالنقول أو الأقوال التي كان قد سجلها المؤلف بقلمه. يقول الأستاذ المحقق: "يهتم بمن أنجبته مدينة الرباط"، وبين معقوفتين يورد قول المؤلف في الموضوع: "من الأئمة الأعلام والرجال العظام"، ثم يضيف الأستاذ كريم : "وبتراجم الأولياء والصالحين"، وبين معقوفتين قول المؤرخ بوجندار : "وذكرت كثيراً ممّن اشتهروا بالولاية والصلاح، ولم يشتهروا بالعلم" (ص 4). أمّا العمل الذي يظهر أن الدارس قام به، فهو جدولة الأعلام المترجم لهم حسب تخصّصاتهم وطبقاتهم التي تبلغ أربع عشرة طبقة: العلماء، الفقهاء، القضاة ... ألخ، كما يضع الدارس فهرساً بأسماء الأعلام وبأسماء المساجد والزوايا الوارد ذكرها في المؤلَّف، وكذلك فهرساً للمؤلفات والفهارس والإجازات وغيرها ...

تستغرق هذه المقدمة (الدراسة والتحقيق) سبعاً وعشرين صفحة، منها سبع صفحات في التعريف بالمؤلِّف المؤرخ وكتابه، وعشرون صفحة تضمّ فهرسة وتصنيفاً للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب. أمّا فهرسة الكتاب ففيها إشارة إلى المقدمة، وثبت آخر للأعلام مرتبين حسب ورودهم في المتن (المحقق؟!).

بقي أن أشير إلى أن كتاب الاغتباط يقع في جزأين هامين : الأول والثاني. يبدأ الجزء الأول من المتن المصور من الصفحة 1 إلى الصفحة 237، حيث جاء في آخر صفحة: "تمّ الجزء الأول من كتاب الاغتباط، ويليه الجزء الثاني أوله حرف الهمزة، ذكر من اسمه إبراهيم". ويبدأ الجزء الثاني من صفحة 238 إلى صفحة 479، وقد جاءت في آخر الصفحة أبيات شعرية للمؤلف ينوّه فيها بعمله، مشيراً إلى تاريخ الانتهاء من كتابته بحساب الجمل، بكلمة "الاغتباط"، وهي سنة 1344 ﻫ، (وقد وقع المؤلف في خطأ. إذ جاء حساب كلمة "الاغتباط مساوياً 1444 ﻫ). والغريب أن الدارس المحقق لم يشر في مقدمته إلى أن عمله سينصّب على جزأين من الكتاب تحقيقاً ودرساً، حتى يكون القارئ على بيّنة ممّا سيقدم عليه أثناء القراءة أو عند الاستفادة من الكتاب !!

** ** **

الحقيقة أن صدور كتاب (الاغتباط) بهذه الطريقة الجديدة في التحقيق والدراسة تدعو إلى التساؤل والاستفسار حول واقع التحقيق في ميدان التراث. وقد دفعني هذا العمل إلى التأمل مليّاً في منهجيته، متسائلة عن حقيقة إنجاز تحقيق كتاب (الاغتباط)، فهل أحسن الأستاذ الدكتور عبد الكريم كريّم إلى المؤرخ المؤلف السيد بوجندار بتحقيق كتابه والعمل على نشره، أم أنه أساء إليه بمثل هذا التحقيق ؟

إنه عمل يبعث على التساؤل وعلى السؤال. وهكذا توجهت بالسؤال المباشر إلى أستاذي الجليل الدكتور عباس الجراري لأعرف رأيه، وأستنير بتوجيهه في مثل هذا الموضوع الشائك. وقد دار الحوار بيننا سجالا حول الكتاب المطبوع (المحقق) لصاحبه محمد بوجندار، وحول الكتاب المطبوع (المنشور فقط) للمؤرخ محمد دينية. ولأهمية هذا الحوار ارتأيت أن أشرك معي بعض القراء المهتمين بالتحقيق أو المهتمين كذلك بتاريخ مدينة الرباط لتوضيح كثير من الحقائق من جهة، وللحديث عن الكتابين الصادرين عن مدينة الرباط في فترة زمنية واحدة من جهة ثانية، وفيما يلي نصّ الحوار :

1/ الأستاذ الجراري، لا شك أن صدور كتاب المؤرخ الرباطي بوجندار "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط" أضاف جديدا إلى المكتبة التاريخية الرباطية، فكيف كان وقع صدور الكتاب في نفسكم ؟

على الرغم من أن الكتاب كان معروفا من خلال نسخه المخطوطة التي أفاد منها الباحثون المعتنون بتاريخ أعلام الرباط، فقد جاء نبأ صدوره باعثا على كثير من الارتياح، إذ سيجعل هذا الكتاب متداولا على أوسع نطاق، وميسرا في أيدي الدارسين والطلاب، وكذا في متناول القارئ العادي الذي قد يميل إلى هذا النمط من الكتابة التاريخية. إلا أن الشعور بالارتياح لم يلبث أن خف وخفت، إن لم أقل تحول إلى ضده حين تبين الشكل الذي تم عليه إخراج الكتاب.

2/ جاء في غلاف الكتاب المطبوع "الاغتباط" [دراسة وتحقيق الدكتور عبد الكريم كريم] فماذا يعني التحقيق ؟ هل يعني التصوير كما هو الشأن في كتاب "الاغتباط" ؟ أم أن التحقيق شيء آخر، له منهجيته وأصوله ؟

لنشر كتب التراث توجد طرق ثلاثة :

الأولى : التصوير، أي تصوير المتن ليخرج على نفس شكل المخطوطة، ويكون التصوير بذلك وسيلة آلية لتقديم نسخ مكررة من هذه المخطوطة، تصبح لها نفس القيمة التي للنسخة الأصلية.

الثانية : الطبع، ويقتضي نقل النص من شكله المخطوط إلى شكل آخر يجتاز مرحلة الطباعة بكل ما تتطلبه من مراجعة وتصحيح حتى يخرج المتن طبق الأصل.

الثالثة : التحقيق، وهو مصطلح يرادف التصديق، ويقتضي تحقيق عنوان الكتاب واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه، ثم تحقيق المتن ليقدم على الصيغة التي أرادها مؤلفه له، أو على أقرب صيغة إلى ما أراده، دون التدخل بالزيادة أو الحذف أو أي تصرف مهما كان، إلا إذا تعلق الأمر بنص القرآن الكريم، فإنه تصوب أخطاء كتابته، أعني ما يعد أخطاء بالفعل مما لم يرد على أية قراءة حتى ولو كانت شاذة. كذلك يصوب ما يدخل في نطاق التصحيف والتحريف. وليس هذا فحسب، ولكن عملية التحقيق تقوم أيضا على ضبط النص، أي شكل ما يرد فيه من أعلام وأشعار وكلمات غامضة، وكذا تقوم على التعليق على النص، سواء على مستوى المقابلة بين مختلف نسخه، أو على مستوى توضيحه وشرحه والتعريف بأعلامه، وبما قد يكون فيه من إشارات تاريخية أو جغرافية أو أدبية أو غيرها.

ثم إن التحقيق بعد هذا يكمل بوضع الفهارس اللازمة وما قد يكون على النصّ من استدراكات وتذييلات، وبالتزام طريقة مضبوطة في الإخراج تمس الترقيم وتنظيم الفقرات، وطريقة كتابة الهوامش والإحالات. ويكمل التحقيق في النهاية بكتابة مقدمة، عادة ما تتناول التعريف بالنص وصاحبه وموضوعه ومخطوطته ووصف نسخها. وقد يتوسع المحقق في المقدمة فيجعلها دراسة مستفيضة. بهذا يتضح أن التحقيق - بما قد يكون معه من دراسة - عمل علمي له قواعده وقوانينه وشروطه. وهو على صعوبته أصبح يغري غير قليل من طلابنا الذين ينجزون بحوثا جامعية تسعى إلى إحياء التراث. وإني من أجل ذلك أخصص درساً لمنهجية تحقيق النصوص داخل نطاق حلقة المناهج بالسلك الثالث من كلية الآداب. وقد كان حريا بالدكتور عبد الكريم كريم، وهو ينشر كتاب (الاغتباط) عن طريق تصويره ألا يزعم "الدراسة والتحقيق"، لأنه ليس في العمل الذي قام به ما يقربه ولو بأدنى سبب إلى ما ادعى القيام به. ولعله من الواجب الملح - حماية للمقاييس العلمية الأولية - تبديل غلاف الكتاب بآخر يشير فيه السيد كريم - إن كان يصر على ذكر اسمه - إلى أنه عني بنشره أو إخراجه أو تصويره أو ما شاء من عبارات.

3/ نجد في الصفحات 417، 418، 419، كما في غيرها من الصفحات تراجم لأعلام منهم العربي بن محمد الحفيان الشرقي وسيدي العربي بن السايح والعلامة المحدث سيدي أحمد بن موسى السلوي وغيرهم، وذلك بطريقة المؤلف الخاصة، وبالإضافات الهامشية، هذه الإضافات
- فضلا عن النص - يصعب فك رموزها أو قراءة الخط الذي كتبت به، فما رأيكم في مثل هذا العمل ؟ وهل سينكب القارئ بصبر وتأن كما هو الشأن بالنسبة للمحقق على قراءة المتن بهامشه وإضافته ؟

هذه بالفعل ظاهرة مزعجة للقارئ في أي مستوى كان، ولا سيما إذا كان من عموم القراء، والسبب فيها أمران :

الأول : أن الكتاب لم يحقق.

الثاني : أن التصوير اعتمد نسخة غير جيدة، بل هي أشبه ما تكون بالمسودة. ومن ثم فإن القارئ العادي سينصرف عن الكتاب، في حين أن القارئ المتخصص سيبذل جهدا - هو أقرب ما يكون لجهد المحقق - حتى يتسنى له أن يستفيد من مثل هذا النص المضطرب.

4/ عمل الدكتور كريم على تصوير المتن (المحقق؟!)، وبحكم اهتمامي بالشعر أو الأشعار الواردة في المتن، صعب علي الانكباب على قراءة الأشعار والاستفادة منها، إذ أن قراءتها تستدعي وقفات متأنية طويلة، وجهدا كبيرا كان سيحمل عبئه (المحقق)، لو قام بتحقيق الأشعار وضبطها وشرح مُعماها، فما هو موقفكم من هذا الرأي ؟

الشعر بصفة خاصة - وكما سبق أن قلت - من أجزاء المتن التي ينبغي العناية بها في التحقيق، بدءا من مراعاة سلامة كتابته العروضية إلى ما يتطلبه من ضبط وشرح. وطالما أن الكتاب أخرج بطريقة غير علمية، فإن مشكل قراءة الأشعار الواردة فيه سيكون عويصا ما في ذلك شك ؛ إلا أن يكون القارئ قادرا على تحقيقها وهو يقرأها أو يحاول الاستفادة منها. وحتى في هذه الحالة فإنه سيجد صعوبة. وإني لأدرك موقفك أنت التي سبق لك أن اشتغلت بجمع نص قديم وبتحقيقه ودارسته، هو ديوان الفشتالي، فكيف بغيرك ؟!

5/ بالنسبة لكتاب المؤرخ دينية "الانبساط" حافظ الناشر على المتن، وهذا عمل جيد كما أعتقد إذا لم يوجد المحقق الذي سينكب على المتن لينجز عمله بطريقة جيدة، ومن ثم بإمكان أي باحث مهتم بالموضوع أن يقوم بالتحقيق ثم بالدارسة، فهلا حدثتمونا عن هذا العمل ؟

الطريقة التي سلكها ناشر كتاب "الانبساط" تعتمد الطبع الذي هو السبيل الطبيعي والصحيح لإخراج أي نص. ولم يكن الأمر سهلا، أقصد أمر الطبع، لما يتطلبه من مراجعة التجارب وتصحيحها قبل أن يأخذ الكتاب شكله السوي. ومن حسن حظ مؤلف الفقيه دينية أن الذي أشرف على هذه العملية هو العلامة السيد مصطفى بن المبارك الذي أعرف مدى الجهد الفكري الذي بذله، بالإضافة إلى آلية عملية المراجعة والتصحيح ؛ من غير أن يتطلع إلى الظهور ولو بذكر اسمه. وأستغرب كيف أن الناشر لم ينتبه إلى شكره والتنويه به، وما أظن السيد ابن المبارك - لعلمه وتواضعه - إلا زاهدا في ذلك، مصرا على أن يظل اسمه غير مذكور. على أن الكتاب سيبقى في حاجة إلى تحقيق ودارسة علميين، بسبب تعدد نسخه المخطوطة وغنى مادته، ولكن هذه مرحلة أخرى في بعث التراث.

6/ ورد في مقال نشرته إحدى الصحف الوطنية في مارس الأخير عن كتابي "الانبساط" و"الاغتباط" أن "هناك رأيا علميا يذهب إلى أن الكتابين أصلهما واحد، هو كتاب "الاغتباط" لمحمد بوجندار، وأنه قد يكون انتقل إلى الطرف الثاني عن طريق الاختلاس أو ما شابه ذلك من أعمال السطو المتكررة كثيرا في تاريخ التأليف"، فإلى أي حد يصدق هذا القول ؟

هذا كلام أكتفي بوصفه بأنه غير علمي وغير مسؤول. وهو على فداحته لا يعبأ به، مع أن العبارات الواردة فيه قد تعرض صاحبها لما لا تحمد عقباه. وما أحوج الصحافيين والكتاب عامة إلى التريث والتثبت قبل تناول أي موضوع، وإلى عدم الخوض في المسائل التي تدخل في مجالات علمية دقيقة ومتخصصة. وأكاد أجزم بأن مثل هذا الكلام أُوحى بكتابته ونشره لتبرير الطريقة المشوهة واللاعلمية التي لجأ إليها الأستاذ كريم في إخراج الكتاب.

7/ عمد صاحب المقال المذكور إلى تقديم نماذج من كلا الكتابين كي يؤكد زعمه بأن أصل الكتابين واحد، مع أن الأمانة العلمية تقتضي إنصاف كل مؤرخ، وعدم اتهامه بالنقل أو السطو. والمؤرخ دينية كما هو معروف رجل من صفاته الأمانة، فكيف يعقل أن ينقل عن المؤرخ بوجندار ؟ وكيف يعقل ثانية أن ينقل عنه، وقد عاشا معاً في فترة زمنية واحدة ؟

المقارنة في أي مجال دارسي تعد من أصعب - إن لم تكن أصعب - مراحل البحث، ولا تتسنى إلا للدارسين المتمكنين. ومن ثم لا يدخل في باب المقارنة العلمية خطف نموذج من هنا وثانٍ من هناك، والتسرع في القول بأن أحدهما أخذ من الآخر، لمجرد وجود معلومات أو معطيات تاريخية وأدبية متشابهة، كما هو الشأن بالنسبة لمادة الكتابين، وكان كل من المؤلفين يستقي من مصادر تكاد تكون واحدة. هذا بالإضافة إلى أن المرحوم دينية مشهود له بالعلم والأمانة والتوثيق والتأليف في موضوعات كثيرة تتصل بميادين ثقافته. ومع ذلك، ومن غير أن أطرح القضية بشكل معكوس، بل إنصافاً للرجل وسعياً إلى وضع حدّ لمثل هذه الترهات المتهافتة، أكتفي بالقول إن المؤرخ بوجندار فرغ من "الاغتباط" عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، على حد تصريحه في آخر كتابه، وهو تصريح ساقه منثوراً ومنظوماً ؛ في حين فرغ المؤرخ دينية من "الانبساط" عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وإن أضاف إليه زيادات فيما بعد قبل أن يأخذ شكله النهائي عام سبعة وأربعين، على حدّ تصريحه بذلك في آخر الكتاب. يضاف إلى هذا أن التقريظين اللذين كتبهما عليه العلامة المكي البطاوري والشيخ عبد الحي الكتاني مؤرخان عام أربعين وثلاثمائة وألف، أي أربع سنوات قبل أن ينتهي المرحوم بوجندار من تأليف كتابه.

8/ مرة أخرى، تطالعنا الصحيفة نفسها بحديث عن كتاب "الاغتباط" يبدي فيه صاحبه إعجاباً كبيراً بتحقيق الدكتور كريم للكتاب حيث يقول : "ونمضي مع كتاب (الاغتباط) من تحقيق وتقديم وفهرسة الدكتور عبد الكريم كريم أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس، وأحد أبناء الرباط، وأعلمهم بالمدينة وأسرها وأعلامها وتاريخها، الذي تفضّل بجهد حميد في إخراج وتقديم الكتاب على صورته الأصلية كما هي في المخطوط بطريقة الطباعة المصورّة "أوفست". وهذا الفن الطباعي الحديث يساعد على نشر كتب التراث بشكل طبق الأصل للنص المخطوط. وهذا نوع جيد من التحقيق يتيح للقارئ المهتم والمختص الحصول على نسخة طبق الأصل من المخطوط بأقل تكلفة. هذا الأسلوب الطباعي أخذ ينتشر في جميع الأنحاء لأنه لون جديد من تحقيق التراث ونشره في أصوله الأولى، مع مقدّمات تدرس النص وتحقق وتقارن وتفهرس وتترجم وتكمل وتضيف ما يحتاج إلى الإضافات، وذلك ما فعل الدكتور كريم مع كتاب الاغتباط". هذا الكلام يكشف عن حقيقة الجهل بمفهوم التحقيق ؛ وتنويراً للرأي العام، ما رأيكم في هذا القول ؟

هذا كلام مليء بالمغالطات، ويكفي أن أعقب منه على ما يتّصل بالتحقيق، مذكرا بالإجابة التي سبقت، وكذا بالإشارة إلى أن التصوير إحدى صيغ إخراج كتب التراث، وهي صيغة لا غبار عليها في حد ذاتها، شريطة أمرين اثنين :

أولهما : أن تكون النسخة المصوّر عنها جيّدة، أي صالحة لكي تكرر وتعدد، سواء من حيث سلامة متنها وكماله، أو من حيث الخط الذي كتبت به.

ثانيهما : ألا يزعم من يلجأ إلى التصوير أنه محقق ودارس.

9/ طرح صاحب المقال المذكور مجموعة أسئلة ذيّل بها مقاله حول : [علاقة الانبساط بالاغتباط والعكس بالعكس، هل كانت بين بوجندار ودينية علاقة ما ؟ هل اطلع أحدهما على أعمال الآخر ؟] فما هو القصد من وراء طرح هذه الأسئلة ؟

بين الرجلين صلات المعاصرة بجميع جوانبها، ولا سيما العلمية منها، وبينهما كذلك علاقات أسرية لا أريد الدخول في تفاصيلها، وأكتفي منها بالإشارة إلى أن المؤرخ بوجندار كان متزوجا بنت أخت الفقيه دينية، أي أن مؤلف "الانبساط" خال زوج مؤلف "الاغتباط". ومن ثم، لا يستبعد أن يكون أحدهما قد اطلع على عمل الآخر أو مشروع عمله، وربما كان ذلك حافزاً بينهما للمنافسة، ولكن ما أظن أن الأمر وصل إلى حدّ الأخذ والنقل، سواء من هذا الطرف أو ذاك.

10/ سؤال آخر، ربما انتقل بنا إلى الضفة الأخرى، إلى مؤرخ سلا الفقيه محمد ابن علي الدكالي، يقول صاحب المقال : "هل هما معا (أي بوجندار و دينية) اطلعا على أعمال المؤرخ السلوي محمد بن علي المفقود منها
والمخطوط ؟" فهل يقصد من وراء سؤاله أو تساؤله نقل المؤرخين الرباطيين عن المؤرخ السلوي أم ماذا ؟ ...

هذا كلام يعد أيضا من الترهات المتهافتة، لأن بوجندار ودينية وابن علي في غنى جميعا عنه، بما بذلوا من جهود وما قدموا من أعمال جزاهم الله عنها بأحسن الجزاء وأوفاه. وقد أقحم اسم المؤرخ الدكالي إقحاماً في هذه القضية المصطنعة، على الرغم من أنه اهتم بالرباط في بعض ما كتبه عن تاريخ العدوتين، على حدّ ما فعل في "الإتحاف الوجيز" وهو مطبوع، وكذا في "أدواح البستان"، وهو مخطوط لا يعرف مصيره بالضبط. إلا أننا بالرجوع إلى ما كتبه عن الرباط في "الإتحاف" نستطيع البت في الأمر، أي بإبعاده عن القضية، وتأكيد أنه أقحم فيها بغير حق أو موجب.

11/ كلمة أخيرة - الأستاذ الجراري - عن هذين العملين.

الكتابان في موضوع واحد، والمنهج يكاد يكون واحدا، ولكن أحدهما لا يُلغي الآخر، إذ في كل منهما جوانب متكاملة سواء من حيث المادة التاريخية أو الأدبية. ولو صدرا محقّقين مدروسين لظهرت قيمتهما العلمية الحق. وفي اعتقادي أن "الاغتباط" في حاجة إلى أن ينشر بالطبع، وأن الكتابين بعد هذا سيظلان معاً في حاجة إلى التحقيق والدراسة، بعيداً عن التشويه والتزييف، وبعيداً كذلك عن الزعم والادعاء ...

 

 

 

 

 

 

 


حـوارات أنـدلسيـة(1)

- مع نشرة الحمراء -

 

 

 

 

(1) مركز دراست الأندلس وحوار الحضارات (الثلاثاء 19 شوال 1423ﻫ الموافق 24 دجنبر 2002م).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قدم لهذا الحوار بالكلمة الآتية:

يسعد نشرة الحمراء أن تستهل سلسلة حواراتها الشهرية مع عميد الأدب المغربي والأمين العام لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الدكتور عباس الجراري الذي قبل مشكوراً، ومن خلال هذا الحوار، الحديث عن تجربته الخاصة في مجال الدراسات الأندلسية، وعن النموذج الحضاري الأندلسي بشكل عام.

السؤال الأول : كيف بدأ اهتمامكم بالدراسات الأندلسية ؟

بدأ اهتمامي بالدراسات الأندلسية مقترناً - أو يكاد - بما أوليت من اهتمام مبكر للدراسات المغربية. وذلكم لما بين المغرب والأندلس من تداخل وترابط، منذ فترة الفتح الإسلامي، وحتى قبله. وقد برز هذا الاهتمام حين اتجهت إلى البحث في تاريخ المرابطين والموحدين وما كان لهم من أدب لم يخل من قضايا شائكة لا يتسع المجال لإثارتها. وزادت هذه العناية حين درست الموشحات والأزجال المغربية. وهو موضوع حتم النظر إلى ما اشتهرت به الأندلس في هذا المجال. ثم كان اهتمامي بالموسيقى دافعاً آخر للبحث في التراث الغني الذي عرفه البلدان، ولا سيما فيما يتعلق بطرب "الآلة".

السؤال الثاني : الرجاء إعطاء فكرة عن الدراسات التي قمتم بإنجازها حول التراث الأندلسي ؟

إلى جانب الحضور الذي للأندلس في الدراسات المغربية وما له معها من تأثر وتأثير، خاصة ما كان منها مرتبطاً بالموضوعات المشار إليها، فقد أنجزت بعض البحوث المتصلة مباشرة بالتراث الأندلسي ؛ وتمثلها الكتب الآتية :

1 - فنية التعبير في شعر ابن زيدون

وفيه أبرزت مدى تميز إبداع هذا الشاعر، مع مناقشة ما قيل عن تأثره ببعض شعراء المشرق.

2 - أثر الأندلس على أروبا في مجال النغم والإيقاع

وفيه تناولت هذا الأثر في مختلف جوانبه الشعرية والموسيقية، ومدى تجليه في التراث الأروبي المرتبط بهذه الجوانب.

3 - صبابة أندلسية

وفيه جمعت بعض الدراسات التي كتبتُ - بالعربية والفرنسية - عن الأندلس، وأهديتها إلى روح يوسف بن تاشفين. وقصدت بنشر هذا الكتاب إلى الرد على ما كان صدر في مؤتمر عقد للمعتمد بن عباد من هجوم على هذا القائد المرابطي، من خلال ما وقع له مع ملوك الطوائف، مما هو معروف.

4 - النغم المطرب بين الأندلس والمغرب

وهو عبارة عن مجموعة من الكتابات - بالعربية والفرنسية - تناولت فيها التراث الموسيقي للبلدين، مع التركيز على الطرب الأندلسي الذي ما زال المغرب يحتضنه ويتداوله باعتزاز.

السؤال الثالث : ما هو تقييمكم للتجربة الحضارية الأندلسية ؟

إنها تجربة غنية على مستوى التاريخ والحضارة والثقافة. فقد دامت ثمانية قرون، وكان لها تأثير واضح في الحضارة العربية الإسلامية على العموم، والحضارة المغربية على الخصوص، مما تقوم معالم كثيرة شاهدة عليه، لا سيما في بعض الحواضر، كالرباط وتطوان وفاس وشفشاون، وغيرها من المدن التي استقبلت أفواجاً من المهاجرين الأندلسيين، واستقبلت معهم أنماطاً فكرية واجتماعية وسلوكية وغيرها مما هي باقية ملامحها حتى الآن. وكان لهذه التجربة كذلك أثر متميز في الحضارة الأروبية الحديثة، دون أن ننسى ما لها من آثار بارزة في الأندلس اليوم، أعني في إسبانيا والبرتغال، إذ تنهض المآثر التاريخية والمكتبات - وكذا بعض المظاهر الاجتماعية - شاهدة على ما خلفت هذه الحضارة.

السؤال الرابع : كيف تقيمون الاهتمام بالدارسات الأندلسية في كل من الجامعات العربية ونظيراتها الغربية ؟

لا شك أن الأندلس لقيت اهتماماً كبيراً لدا الدارسين المعتنين بالحضارة العربية الإسلامية وما كان لها من تميز ومن دور في الحضارة الأروبية. وكانت الجامعات العالمية سباقة إلى هذا الاهتمام، سواء منها الجامعات العربية أو الأروبية أو الأمريكية. وكان لما قامت به الجامعة المصرية والمعهد المصري في مدريد أثر كبير في هذا المجال. وبعد أن أنشئت جامعة محمد الخامس في الرباط مباشرة بعد استقلال المغرب، وما تلاها من جامعات في مختلف جهات المغرب، قُرر الدرس الأندلسي إلى جانب الدرس المغربي. كما أحدثت شعب للتخصص في الدراسات العليا تهم الدرسين معاً. فكان أن أثمر هذا الدرس وفرة هائلة من الرسائل والأطاريح في مختلف ميادين التاريخ والأدب الأندلسيين. وقد جاء هذا الإنتاج الثر الغزير مكملاً لما صدر من قبل، ومقوماً لبعض الهفوات التي وقع فيها المستشرقون وحتى بعض المشارقة الذين عنوا بحضارة الأندلس وثقافتها. وإن هذه الدراسات لتحتاج اليوم إلى مزيد من الرعاية، والتعاون كذلك، لا سيما بين الباحثين العرب والغربيين. ولعل مركزنا أن يكون من ضمن المؤسسات التي نأمل أن تنهض بهذا الدور.

السؤال الخامس : هل يمكن اعتبار جو التسامح الذي ساد العلاقات بين المسلمين وأهل الذمة في الأندلس نموذجاً يمكن أن يقتدى به في الوقت الحاضر ؟

لا يجادل أحد في أن الجو الذي كان يسود بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في الأندلس، ولا سيما من اليهود، كان جو تسامح مثالي، على الرغم من حدوث بعض الشوائب التي لم تعكر صفوه. وقد أثمر هذا التسامح حضارة غنية وثقافة متفتحة مما يصعب التمثيل له، وإن كان المجال العقلي المتمثل في الفكر الإسلامي الفلسفي خير ما يبرز هذا التفتح. وما أحوجنا اليوم، والعالم يتخبط في متاهات التشدد والتطرف والانحياز العنصري، وما إلى ذلك من معاناة، أن نستحضر النموذج الأندلسي ونقتدى به.

 

 

 

 

 

 

 


حوار مع "عيون تربوية"

حول التعليم(1)

 

 

 

 

(1) نشر في مجلة (عيون تربوية ثقافية) التي تصدرها نيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي - قطاع التربية الوطنية بالمحمدية - العدد الأول 2005 تحت عنوان : حوار العدد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كتب له هذا التقديم :

الأستاذ الدكتور عباس الجراري عميد الأدب المغربي غير منازع. منذ الستينات وهو يشق مساره العلمي بأخلاقية مهنية صارمة مخترقا عتمات تاريخ الأدب المغربي القديم والحديث والمعاصر بكثير من التبصر والتواضع. راكم أعمالا عديدة، قيمتها العلمية وإضافتها النوعية تلفت انتباه الرأي العام الأكاديمي في مختلف الجامعات بالمغرب وخارجه.

من هنا تأتي أهمية هذا الحوار الشيق والعميق الذي أنجزته رئاسة تحرير مجلة "عيون تربوية ثقافية" مع الأستاذ الدكتور عباس الجراري. لا يسعنا إلا أن تقدم جزيل الشكر لعميد الدارسين على تفضله بقبول دعوة المجلة ضيفا على أحد أبوابها الثابتة.

1) عايشتم محطات رئيسة في مسار القطاع التعليمي بالمغرب. هل لكم أن تحددوا لنا الانتقالات المركزية في هذا المسار ؟

كان التعليم في عهد الحماية قائماً - بالنسبة للأوَّلي منه - على الكتاتيب القرآنية التي كانت تفضي ببعض النجباء من تلاميذها إلى الحلقات العلمية في القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش، وما إليهما من زوايا ومساجد في مختلف أنحاء المغرب. ومثلها المدارس العتيقة التي كانت تلقن العلوم العربية والإسلامية في البوادي والجبال والمناطق النائية. ثم عزز هذا التعليم بالمدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية، كما عزز بمدارس للبنات كانت تحظى برعاية خاصة من ملك البلاد، علماً بأنه كانت توجد قبلها دار الفقيرات (الفقيهات) التي كانت شبيهة بالكتاتيب، والتي كانت تتعلم فيها الفتيات ما يخرجهن من الأمية، كما تتعلمن بعض شؤون التدبير المنزلي. وإلى جانب هذا التعليم الوطني بجميع أنماطه، كانت هناك المدارس التي أنشأتها حكومة الحماية، وكانت تقوم في الغالب على ما كانت تسميه مدارس أبناء الأعيان والمدارس الصناعية ؛ وكانت قليلة، وأقل منها المدارس التي كانت خاصة بأبناء الفرنسيين، وإن كان يلتحق بها بعض أبناء المغاربة.

أما في عهد الاستقلال، فقد نودي بأربعة مبادئ، هي التعريب والتعميم والمغربة والتوحيد. ولكنها تعثرت وظلت مجرد شعاراتٍ يتداولها المسؤولون عن التعليم في كل الفترات. وكان - نتيجة لذلك - أن أُضعفت الكتاتيب القرآنية، كما أضعفت القرويين وابن يوسف وما إليهما، وتقلص أمرها ووجودها إلى ما سُمي بالتعليم الأصيل، وإن وقعت المحافظة عليه بعض الشيء بإنشاء دار الحديث الحسنية، وكذا بعدم مس المدارس العتيقة التي كان ينهض بها السكان المحليون، ثم بمحاولة تطوير القرويين، وهو تطوير متعثر، ويحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة جذرية لهذه الجامعة والرسالة المنوطة بها.

ثم إن التعليم الحر تحول في معظمه إلى تعليم خاص يغلب عليه الطابع التجاري. وما بقي منه حـرّاً، فقد ضعف وكاد أن يموت.

أما المدرسة العصرية التي أنشئت في عهد الاستقلال لتبلور المبادئ المشار إليها، فقد قامت بجهود حميدة وكبيرة لا تنكر، وإن واجهت سلبيات وعوائق وإكراهات كانت في كل مرة تزيد لتحول دون تحقيق المرجو منها على النحو المتوقع والمأمول.

2) ما هي العوائق التي اعترضت الحقل التعليمي في بداية الاستقلال ؟ وما هو المسلك الذي كان ممكنا أن يجنب هذا الحقل أزمته منذ المشاريع الأولى التي شهدتها هذه الفترة ؟

في هذه المرحلة الصعبة والدقيقة من وضع الركائز الأساسية لبناء الاستقلال، نودي بالمبادئ التي أشير إليها، لكن وقع التعامل معها بأسلوب أضحت به - كما سبق أن قلت - مجرد شعارات تكاد أن تكون مفرغة من أي مضمون حقيقي وملموس.

وعلى الرغم من أن الأمر لم يكن سهلاً، فإنه لو أُخذ بجد أكثر، لأمكن الوصول به إلى مداه المأمول. والسبب كامن في التسرع والارتجال، وعدم التخطيط، وعدم الإعداد لتنفيذ هذا التخطيط.

ويكفي أن أذكر أنه كانت في السنوات الأولى لهذه المرحلة، تنظم مباريات لولوج سلك مُعلِّمي التعليم الابتدائي. وكان يتقدم لها بعض المتعلمين المؤهلين، ولكن كان يتقدم لها كذلك بعض الصناع والحرفيين الذين كان لهم إلمام ما بالقراءة والكتابة. وبعد أن تعلن النتائج التي لم تكن في الغالب تستجيب للعَدد المطلوب، فإن المباراة كانت تعاد مرة ثانية وثالثة. والمؤسف أن الذين كانوا لا يوفقون في أية مرة، كانوا يُقبلون ويُعيَّنون. وكان المسؤولون يوصون بأن يُعطاهم تدريس الأقسام الأَوَّلية، في جهل أو استهانة بما يتطلبه التعليم في هذه الأقسام من معرفة مضبوطة وخبرة تربوية.

3) بناء على ذاكرتكم التعليمية والتربوية، ما هي الجوانب التي ظلت، في نظركم، تحتاج إعادة بناء بغية تفعيلها ؟

لا شك أن أشياء كثيرة تحققت، بدليل وفرة المدارس والجامعـات التي نرى تزايدها كل يوم. ولكن - وعلى سبيل المثال - ما زال تعميم التعليم مجرد شعار، إذ أن عدداً هائلاً من أطفالنا لا يلتحق بالمدرسة، خاصة في القرى والبوادي. ثم إن التعليم القروي ضعيف ومتقلص ولا يشجَّع عليه، وكيف والمدرسة تقع على بُعد أربعة أو خمسة كيلو مترات من مسكن التلميذ. كما أن وسائل العيش والاستقرار غير متوافرة للمعلمين والمعلمات في هذا النوع من التعليم.

هذا إضافة إلى الأمية التي ما زالت منتشرة بنسبة تصل إلى نصف السكان في المغرب، وتزيد في البوادي والقرى. وهي تشكل داء - بل عاراً - لا يمكن التغلب عليه بالمدرسة فقط، ولكن لا بُد من تعبئة جميع الإمكانات وفعاليات المجتمع، والتطوع لذلك، من خلال دروس نهارية أو مسائية تقدم في المؤسسات التعليمية وفي المساجد التي شرعت فعلاً في ذلك، وكذا في المصانع والشركات، وفي الأندية وغيرها.

ثم إن الحديث عن الأمية الأبجدية لا ينبغي أن ينسينا الأمية الثقافية التي يعانيها كثير من المتعلمين وحملة الشهادات.

4) لا أحد يشك في أن قطاع التعليم من أهم القضايا الوطنية التي يتعذر التفكير في التنمية المجتمعية بدون استحضارها، غير أن السائد في التصور العام كون القطاع غير منتج. ما هي في نظركم العوامل التي أدت إلى هذه المفارقة ؟ وكيف لكم أن تضيئوا فعالية هذا القطاع بما يكشف هشاشة التصور الذي يفصل التعليم عن التنمية ؟

هذا بالفعل تصور كان شائعاً، وما زال شائعاً لحد الآن. بل هناك من يلح عليه، باعتبار أن التنمية تحتاج إلى معارف وإلى مهارات لا يجدي التعليم في إبرازها، لا سيما بعد أن أصبح معظم المتعلمين اليوم عاطلين. لكن هذا رأي خاطئ، حين يعبَّر عنه بإطلاق، إذ لا تنمية بدون النهوض بقطاع التعليم، أقصد أن التنمية في مختلف مجالاتها قائمة، وينبغي أن تقوم على العلم والثقافة، وعلى الفكر الواعي والقادر على الإبداع والعمل، واكتساب القدرة على تطوير هذا العمل، وكذا إيجاد فرص له جديدة.

وبطبيعة الحال، وبحكم تطور العصر، فالعلم المطلوب في كثير من هذه المجـالات - وخاصة منها المادية والصناعية وما إليها - هو العلم الحديث القائم على التقنيات. لهذا، فما دمنا، أي مادام تعليمنا ناقصاً ومبتوراً على النحو الذي هو عليه، فستظل تنميتنا كذلك ناقصة ومبتورة. وهذا لا يعني أننا لا نتحرك في المضمار الصحيح ولا تُحقق إيجابيات كثيرة. ولكن العصر بتحدياته لا يرحم، والصراع القائم في العالم على القوة لا يرحم. ولسنا في حاجة إلى أن نثبت أن القوة اليوم في جميع أبعادها مرتكزة على مدى التحكم في مفاتيح المعرفة بجميع فروعها وأشكالها، بما في ذلك العلوم الإنسانية التي نُخطئ حين نحاول تهميشها أو النظر إليها بازدراء، وكأنها عبء يلزم التخلص منه ؛ في حين أنها هي وحدها القادرة على تكوين الفكر وتهذيب الذوق وإظهار ملكات الإبداع ؛ ومتى وُجدت هذه المقومات، أمكن تفعيلها لإحداث التنمية.

وليس هذا فحسب، بل إن الحاجة ماسة كذلك إلى جهد ينبغي أن نبذله، حتى لا يبقى تعليمنا جافاً، وذلك بإدخال مواد جديدة، كالرسم والخط والموسيقى، مما كان يعنى به في السابق، مثلما كان يعنى بتلقين التربية المنزلية، وبالمطالعة التي كانت تهيأ لها مكتبات، ولا سيما في الثانويات التي كانت تهتم كذلك بتدريس مادة الترجمة تعريباً وتعجيماً.

5) ألا ترون أن تحقيق المبادئ الأربعة (تعميم التعليم، التعريب، المغربة، التوحيد) استنفد جهدا كبيرا دون أن تتحصل عنه نتائج في حجم المجهود المبذول وخاصة التعميم والتعريب ؟

هذا صحيح، ولكنه كان جهداً مبعثراً وغير منظم، إذ لم يكن قائماً على تصور واضح لتلك المبادئ، وكيف ينبغي تفعليها وإخراجها من عالم النظر إلى عالم التطبيق، أي من مجرد أملٍ يراود إلى واقعٍ حي وملموس.

والمشكل ما زال قائماً لحد الآن، إذ ما زلنا نتخبط فيه. وتخبطنا يزيد حين يتعلق الأمر كما ذكرت في سؤالك بالتعميم والتعريب.

فالتعميم يمثل إشكالاً من جانبين: أولهما نشر التعليم على أوسع نطاق، والثاني نمط هذا التعليم الذي سيُعمم ونوعيته. وهو إشكال آخذ في الازدياد مع التوسع في إحداث المدارس الأجنبية، سواء منها التابعة للبعثات أو التي تسير على منهاجها.

أما التعريب فمتعثر، بحكم واقع التعليم عامة، ثم بحكم الإكراهات التي تعانيها اللغة العربية.

ومع ذلك، ومع كل المشكلات التي يواجهها تعليمنا، والتي هي وليدة عقود من الزمن تراكمت خلالها، من غير أن يوجد لها الحل الناجع، فإن كثيراً من هذه المشكلات بدأت تأخذ طريقها للحل أو التصويب والتصحيح ؛ وذلك بفضل الإصلاحات التي دعا لها ميثاق لجنة التربية والتكوين، والتي نأمل أن تكمل بما يُحسِّن ويُرقِّي أوضاعنا التعليمية، ولا سيما إذا ما تحقق إحداث المجلس الأعلى للتعليم.

6) لا يخفى عليكم ما تعانيه اللغة العربية من إكراهات في الحياة اليومية، يعضده تذبذب القرار السياسي. ما المخرج في نظركم ؟

نشعر جميعاً بأن اللغة العربية تعاني إكراهات في الحياة اليومية. وهذا مؤثر سلبي يلتقي مع إكراهات أخرى. ومنها ما تواجهه اللغة العربية على مستوى الإدارة المغربية، مما لا شك يحتاج التغلب عليه، إلى قرار سياسي حاسم ؛ إلا أن أهم إكراه لغوي بالنسبة للتعليم، كامن في الحاجة إلى تطوير تدريس هذه اللغة، وتيسير مناهج تلقين قواعدها، وحسن اختيار النصوص المحببة فيها وفي التدرب على أساليبها الجيدة والتمرس بها.

وتلكم مسؤولية علماء اللغة والعارفين بها والمبدعين، وكذلك المربين والمعلمين الممارسين. وإن الأمل معلق على أكاديمية اللغة العربية التي لا شك أنها يوم تخرج إلى الوجود، سيكون لها أثر إيجابي كبير في هذا المجال وما يتطلب من إصلاح وتطوير.

ومن عجيب أن تلاميذنا يقضون سنوات طويلة في تعلم اللغة العربية - وكذا اللغة الفرنسية - ثم بعد ذلك هم لا يحسنون استعمالهما ؛ مع أنهم إذا أرادوا أن يتعلموا لغة أخرى لإتمام دراستهم الجامعية - كالإسبانية أو الإنجليزية أو الألمانية أو الروسية - فإنهم يقضون فترة في حدود سنة - تزيد أو تنقص قليلاً - يكونون بعدها مؤهلين لتلك الدراسة، وحتى لكتابة أطروحة جامعية باللغة الجديدة. وهذا يدل على أن المشكل بالنسبة للعربية - وحتى الفرنسية - ليس مشكل لغة في حد ذاتها، ولكنه بالدرجة الأولى كامن في مناهج التدريس، إلى جانب الإكراهات الأخرى.

7) في السياق نفسه انفتحت المدرسة المغربية على تدريس الأمازيغية، ما هو تقويمكم لهذا الانفتاح، خاصة وأنكم كنتم أول من اهتم بالأدب الأمازيغي بإشرافكم على مجموعة من الرسائـل والأطاريـح وتشجيعكم للبحث في هذا الموضوع ؟

لا يجادل إلا جاهل في كون اللسان الأمازيغي يُشكل أحد المقومات اللغوية الوطنية، إضافة إلى ما ينبثق عنه من تراث حضاري وثقافي مُكمل لمجموع التراث المغربي المتميز بالتنوع والتعدد، ولكن بسمات تكاملية تفضي إلى الوحدة وتغنيها. وذلكم ما حفزني إلى ما أشرتم إليه من العناية بالأمازيغية في البحث الجامعي.

وقد سبق لي أن انتقدت الإغلاق الذي وقع عند إحداث كلية الآداب، للشعب التي كانت للأمازيغية والعربية الدارجة في معهد الدروس العليا أيام الحماية. فقد كان لازماً وضرورياً تعويضها بشعب أو وحدات بحث في كليات الآداب للنهوض بهذا النوع من الدراسة، وبالتراث الشعبي عامة. وهو التراث الذي كنت شخصيا - بحكم عدم قبول الجامعة للعناية به - أتحايل لتدريسه، بإدماجه ضمن التراث المدرسي، بالنسبة للأدب المغربي.

ومن ثم فقد كان محموداً هذا الانفتاح الذي وقع، والذي دعت له لجنة إصلاح التعليم. إلا أني أرى أنه كان خطأ قرار كتابة الأمازيغية بحرف التيفيناغ، لأن مثل هذا القرار سيعطل تدريسها وانتشارها. ولو تم استعمال الحرف العربي، على نحو ما فعل العلماء الذين وضعوا مؤلفات وشروحاً فقهية وغيرها بالأمازيغية، لكان حالها اليوم أفضل بكثير مما هي عليه، ولتجنبَت كثيراً من التعثرات التي تواجهها الآن في التدريس. أما في غير هذا المجال التعليمي، فإن لحرف التيفيناغ قيمته وأهميته التراثية لا شك.

كما أني لا أرى فرضها في جميع المدارس، ولكن أن يتم تلقينها وما معها من تراث محلي في الأقاليم التي تتحدث بها، وذلك في نطاق خطة تجعل للجهات - أي لكل جهة من المغرب - حيزاً في برامج التعليم تكون اللهجة المحلية إحدى فقراته، إلى جانب تاريخ هذه الجهة وفنونها وتراثها عامة، وما له من خصوصيات تغني المجموع، هذا المجموع الذي سيتاح بحثه وتعميق النظر إليه في شعب التخصص المهيأة في الجامعة لمثل هذا الدرس الموسَّع.

8) لا يخفى على أحد دوركم في تأسيس كرسي الأدب المغربي، والصعوبات التي اعترضتكم لا في التأسيس فحسب، وإنما في المسار كذلك، إلى أن أصبح للأدب المغربي شعب ووحدات في مختلف الجامعات المغربية. ومجهودكم في هذا السياق جلي في الأطاريح التي أشرفتم عليها، ومن عدد الأساتذة المتخصصين في هذا الحقل.
ما هي انطباعاتكم عن حضور هذا الأدب في الكتاب المدرسي
؟

لقد واجهتني بالفعل تحديات كثيرة منذ سعيت، قبل نحو من أربعة عقود، إلى إدخال درس الأدب المغربي - بفرعيه المدرسي والشعبي - ضمن مقررات كلية الآداب. ولم يكن من السهل رفعها ومواجهة الذين كانوا لا يرون قيمة لأدبنا المغربي، والذين كانوا يرون ألاّ يدرّس هذا الأدب، أو في أحسن الأحوال أن يدمج نص أو نصان منه عند تدريس الأدب العربي الذي كان مركزاً على الإنتاج المشرقي. ولكن الحمد لله أن الأمر تغير مع مرور هذه الأعوام الأربعين، إلى الحد الذي أضحى به البحث في أدبنا وفكرنا يكاد يكون على رأس ما ينجزه الدارسون في الجامعات المغربية المختلفة ؛ بعد أن تكوّن جيل من الباحثين المؤهلين الذين يواصلون المسير بحزم وجد، وبإيمان واقتناع، وبكثير من التوفيق والسداد.

وما كان يلاحظ في الجامعة، كان مثله أو بعضه ينعكس كذلك على مقررات المرحلة الثانوية، ولكن الأمر تغير بفعل هذه الجهود المثمرة، وإن كانت الحاجة مازالت ماسة إلى إعادة النظر في اختيار القضايا والظواهر التي ترتبط بأدبنا، مع اختيار النصوص الملائمة وكذا المناهج. وهو وضع يلتقي فيه مع ما تعانيه حال اللغة كما أسلفت.

9) تأسيسا على السؤال السابق، هل لكم أن تعطونا نظرة عن تطور هذا الحضور ؟ وألا تفكرون في التأريخ له على غرار ما أنجزتم في كتابكم (تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر من 1830 إلى 1990).

إن في النية أن أنجز كتاباً عن النثر، شبيه بالكتاب الذي أشرتم إليه عن الشعر، بل إني آمل أن يتسنى وضع كتاب جامع عن أدبنا، خاصة وأن كل مادته عندي متوافرة. إلا أن الأمر ليس بالإلحاح الذي قد يُظن. فإن البحوث التي أنجزها طلابنا في دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة، والتي ينجزها آخرون في إطار الدكتوراه الجديدة، لتُعد اليوم بالمئات، وتغطي كثيراً مما نتطلع إلى معرفته، وهو ما يتطلب استكمال هذه المعرفة، ثم وضع كتاب أو كتب جامعة تقرب أدبنا وفكرنا للقارئ العادي وحتى للدارس المهتم.

ويجرني الحديث عن هذه الرسائل والأطاريح العديدة إلى إثارة مشكل نشرها حتى تتم الفائدة منها، وحتى لا تصبح بدورها تراثاً مخطوطاً نندب حظه. وهو ما يستلزم مشروعاً وطنيّاً كبيراً يقوم على خطة محكمة لإنجازه، ليس هذا مجال تفصيل القول فيه.

10) من بين ما يحسب لكم اهتمامكم بتدريس الأدب الشعبي إلى أن أصبح تخصصاً قائم الذات في الجامعة تمخضت عنه كتب وأبحاث عديدة. هل تتصورون إمكان دمج هذا الأدب في الكتب المدرسية ؟ وكيف يمكن استثماره في إكساب المتعلمين كفايات معينة ؟

نعم، يمكن إدماج أدبنا الشعبي في الكتب المدرسية، بل يجب القيام بهذا الإدماج، وفق التوجه المحلي المشار إليه ثم ببُعد وطني بعد ذلك، لأن من شأن تعرف هذا الأدب خاصة، والتراث الشعبي عامة، أن ينمي المعرفة بحقيقة الذات ويُقوي روح المواطنة، ويزيد في الإحساس بالهوية وما يشكلها من قيم ومقومات.

ومن أجل هذا، ونظراً لما يتميز به المغرب من تعدد وتنوع، فإني أرى ضرورة الاهتمام بالجهة وما تزخر به من تراث، وإعطاء حيز لذلك في المقررات الدراسية.

11) الملاحظ في ميثاق التربية والتكوين تنصيصه على التجديد، ولا يخفى عليكم أن هذا التنصيص يقوم على فتح المدرسة على المعرفة. ما هي، بناء على تجربتكم، الصعوبات التي يطرحها تحويل المعرفة العالمة إلى معرفة مدرسية ؟ خصوصا أن مفهوم التحويل يكتسي أهمية بالغة لدى المنظرين في الحقل التربوي ؟

حقيقة أن التجديد الذي دعا له الميثاق يقتضي التفتح على المعرفة في شتى مجالاتها وجوانبها، ولا سيما ما يُستحدث منها في المرحلة المعاصرة عبْر المعلوميات وما تفرضه العولمة، مما لا مناص منه. وهو أمر ممكن إذا ما تم الإعداد له، سواء بالنسبة للبرامج أو للمكوّنين أو للأدوات اللازمة لذلك. ويبدو لي أن أطفالنا وشبابنا شاعرون بهذه الحاجة. وهو ما يدفعهم إلى الالتحاق بمراكز الانترنيت، وكذا مراكز اللغات الأجنبية، مع السعي إلى التسجيل في تخصصات يرونها أكثر ملاءمة لمتطلبات العصر.

12) من بين رهانات هذا الميثاق أيضا، ربط المدرسة - الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، غير أن المتتبع يلاحظ أن هذا الرهان ظل شعارا للاستهلاك لا أكثر، بدليل ما يطفح به الواقع. ثم إن هذا الشعار ينطوي على زعم أن المدرسة - الجامعة كانت منغلقة على نفسها. انطلاقا من تجربتكم الطويلة في الحقل التعليمي ما رأيكم في هذا الزعم ؟

هذا مشكل يحتاج حله إلى جهد كبير يبذل، ليس فقط بالنسبة للمؤسسات التعليمية، سواء أكانت مدارس أم جامعات أم معاهد تكوين، ولكن كذلك من لدن القائمين على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في تواصل مع هذه المؤسسات التي بدأت تشعر بالحاجة الماسة إلى هذا التواصل وتعمل على تحقيقه. ولكن لابد للطرفين من منظور واضح للواقع ومشكلاته، والمستقبل ومقتضياته. ولابد لهما كذلك من تعبئة الوسائل والإمكانات اللازمة، وفتح المزيد من آفاق الشغل لاستيعاب أفواج المتعلمين المؤهلين للنهوض بالتنمية الشاملة، بناء على متطلبات هذا المنظور.

13) إسهامكم المعرفي لم يقتصر على الأدب المغربي، بل اتسع ليشمل الحقل الديني، الذي راكمتم فيه عددا مهما من الكتب والدراسات. وهو ما توج بتعيينكم على التوالي خطيباً فرئيسا للمجلس العلمي للعدوتين، ثم مستشارا لصاحب الجلالة. لا يخفى عليكم أن تدريس مادة التربية الإسلامية في المدرسة المغربية يتطلب اجتهادا ينسجم مع المبادئ السمحة لديننا الحنيف. كيف تتصورون تدريس هذه المادة في المدرسة والجامعة لتجسيد هذا الانسجام ؟

لست في حاجة إلى أن أبين أن الدين حاضر في شعورنا وفكرنا وسلوكنا وفي كل ما يصطلح عليه بالحضارة والثقافة، إذ هو في طليعة مكونات هويتنا. وذلكم ما يستدعي العناية بتدريسه في مختلف مستويات التعلم.

إلا أن هذا التدريس يحتاج إلى شروط حتى يكون مجدياً، وحتى يكون مقبولاً كذلك. والأسف أننا ما زلنا نشكو نقصاً في هذا المجال، إذ يغلب على مقررات التربية الإسلامية - ومثلها مقررات التربية الوطنية - طابع الحشو والتنفير والتركيز في الإسلام على المسائل الخلافية مع البعد عن الحقائق وما يرتبط بالواقع وقضاياه المعيشة، والبعد كذلك عما يبرز وسطية الدين واعتداله وسماحته وسلميته وملاءمته لكل زمان ومكان. وهو ما يستوجب أن تعنى به المقررات الدراسية ؛ مع الاعتماد في ذلك على مناهج تربوية مناسبة لمثل هذا النوع من الدرس.

14) أسهمتم في صوغ الأسئلة التي طرحها المغرب بخصوص قضيتنا الوطنية في محكمة لاهاي، كما أوليتم عناية كبرى بثقافة الصحراء المغربية تدريسا وإشرافا وتأليفا. كيف يمكن أن نتخذ الكتاب المدرسي واجهة لترسيخ هذا الوعي بقضيتنا الوطنية لدى الناشئة ؟

ليس من شك في أن الكتاب المدرسي هو الوسيلة الأساسية - إلى جانب الإعلام - لتعميق الإيمان بقضية وحدتنا الترابية، وتقوية التعبئة للدفاع عنها، ولاسيما بالنسبة لأطفالنا وشبابنا الذين لم يعيشوا فترة المسيرة الخضراء، ولم يحضروا حدثها الكبير، ولم يتشبعوا بروحها وما اتسم به من حماس وإجماع.

وهذا يحث على مزيد من العناية بالقضية في مختلف جوانبها التاريخية والحضارية والثقافية والدبلوماسية، سواء من خلال الدرس الجغرافي أو التاريخي أو الأدبي أو الفني أو غير ذلك مما يمكن أن يرسخ الوعي بها. وهو ما بدأ يجد مكانه في المقررات التعليمية.

15) كلمـة أخيـرة.

هي كلمة تنويه وتقدير لنيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر بالمحمدية، أن أخذت مبادرة إصدار هذه المجلة الرائدة، مع متمنياتي لها
أن يحالفها
التوفيق والنجاح في أداء رسالتها العلمية والتربوية؛ وكذا مع ثنائي وشكري للأخوين الكريمين، اللذين يرأسان تحريرها، الأستاذين الباحثين السيد السعيد بنفرحي والسيد خالد بلقاسم.

 

 

 

 

 

 

 


حـوار فكـري

مع اللـواء الإسـلامـي(1)

 

 

 

 


(1) أجراه الأست حازم عبده من جريدة "اللواء الإسلامي"مع المفكر الإسلامي الدكتور عباس الجراري، مستشار العاهل المغربي (العدد : 1377 - الخميس 8 جمادى الآخر 1428الموافق 12 يونيو 2008م).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قدم له بهذه الكلمة :

كرمت جامعة القاهرة العالم والمفكر المغربي الكبير د. عباس الجراري مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس ضمن احتفاليتها بمئويتها الأولى، باعتباره أحد أبنائها الرواد الذين التحقوا بها في الخمسينيات من القرن الماضي، وتخرج في كلية الآداب بها عام 1961 ... وقد سبق وأن كرمته مصر مرتين من قبل حيث منحته وسام الاستحقاق عام 1965، ومنحته وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 2004. وهو صاحب قصب السبق في مجال الفكر الإسلامي والدراسات الأدبية بالمغرب العربي، وواحد من المدافعين عن الإسلام وحضارته وثقافته ضد الهجمات المتتالية التي تريد أن تعصف به.

وقد كان لـ "اللواء الإسلامي" هذا اللقاء معه عقب تكريمه بجامعة القاهرة، في حوار حول رؤيته لمستقبل جامعته التي تخرج فيها، وأفكاره تجاه قضايا النهضة العربية الإسلامية والحوار مع الآخر، وأبعاد الحوار الديني بين الجانب الإسلامي والفاتيكان، في ضوء الإساءات المتكررة من قبل الفاتيكان للإسلام وحضارته ونبيه "صلى الله عليه وسلم". وفيما يلي نص الحوار مع د. عباس الجراري :

سؤال : كأحد أبناء جامعة القاهرة ... كيف تتطلع إلى مستقبل الجامعة بنظرة الابن والعالم ؟

جواب :

أود أن أعرب عن السعادة الكبيرة التي تخالجني وأنا أزور مصر الحبيبة، وأحضر إلى الجامعة في هذه الذكرى الطيبة الذكرى المئوية لإنشائها وهي تكرم بعض قدامى طلابها ... وقد شعرت بسعادة وأنا أدخل إلى حرم الجامعة وأتلقى التكريم منها، وهي جامعتي التي أنتسب إليها ولها فضل علي ... وبهذه المناسبة أتطلع لمستقبلها في جملة نقاط. أولا آمل أن تظل هذه الجامعة منارة إشعاع ليس في مصر فحسب وإنما في العالم العربي كله ؛ وثانيا أن تكون لها درجة من الجودة ومستوى رفيع تستطيع به أن تواكب الجامعات العالمية وأن تكون في طليعة الجامعات العربية والعالمية ؛ وثالثا ألا تبقى هذه الجامعة حبيسة مصر، فهي في حاجة لتقوية التواصل الذي ينبغي أن يتم من خلال العلاقات المتينة بين الجامعات العربية وجامعة القاهرة، وأن يكون ذلك عن طريق تبادل الأساتذة والطلاب والملتقيات المشتركة، وأن تكون الجامعة قادرة على أن تزاحم جامعات العالم في عصر العولمة الذي لا يقبل الضعفاء.

سؤال : حديثك عن الجودة يعكس حالة عدم رضا عما هو عليه حال الطغيان النظري، أليس كذلك ؟

جواب :

الدراسات الجامعية تتطور، ليس من حيث المناهج وإنما حتى من حيث المضامين والتخصصات. فالتعليم الجامعي يعاني طغيان الجانب النظري ... ولذا يجب أن تكون الجامعة مؤهلة لخوض غمار المجالات الجديدة التي يتطلبها العصر، وأن يكون خريجها مؤهلا لما تتطلبه المرحلة.

سؤال : أكدت على ضرورة التحرك نحو التواصل ... فما الذي يعوق هذا التواصل بين الجامعات العربية برأيك ؟

جواب:

نحن نريد أن يكون التواصل قويا، وأن يقوم على التبادل والاشتراك المتبادل في المناقشات وتبادل المنح، لأن الجامعة لا يجب أن تكون مقفلة على نفسها ... وسبب ضعف التواصل وجود إكراهات كثيرة، فالعالم العربي والإسلامي يتخبط في متاهات كثيرة، سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية. وكل هذا يجعل الناس لا ينظرون إلا لما هو آني، والتحديات الداخلية والخارجية تفرض نوعا من الانكماش، وإن كانت هذه التحديات يجب أن تكون حافزا، لا سيما في المرحلة الراهنة التي يعاني فيها العالم العربي من التمزق والتشتت، ولا تبقى أمامه إلا الثقافة لأنها العنصر الوحيد الذي يجمع العرب والمسلمين.

سؤال : إلى أي مدى ترى أن ما يكتب في المغرب ولا يأتي إلى القاهرة ... يعد جزءا من أزمة التواصل ؟

جواب :

هنا يمكن التوقف مع نقطتين اثنتين فيما يتعلق بما ينشر، فهناك مشكل نعانيه جميعا، هو عدم القدرة على تبادل المطبوع. وهناك قيود في الرقابة والجمارك. والمهم أن الكتاب المغربي لا يصل إلى مصر. وفي الوقت نفسه فإن الكتاب المصري لا يصل إلى المغرب إلا في المعارض، مع أن الكتاب المصري قبل 50 عاما كان هو المورد، وهو المصدر الثقافي الأول بالنسبة لنا نحن المغاربة ... ولا شك أننا في حاجة إلى أن نكسر الحواجز التي تعوق التواصل.

والنقطة الثانية إذا استثنينا هذا الجانب القائم على المنشورات والمطبوعات، فإن التواصل قائم على أشده عبر القنوات الفضائية - المصرية والمغربية - التي أصبحت اليوم تجعلنا أقرب مما كنا في السابق، ولم يعد الكتاب الوسيلة الوحيدة في التواصل.

سؤال : حالة التواصل تصب في خانة الحوار الداخلي، وذلك يقودنا للحديث عن الحوار مع الآخر، فمن الملاحظ أننا نسعى للحوار ولا نجني منه شيئا ... فلماذا نصر على الحوار بلا جدوى ؟

جواب :

قضية الحوار هي قضية متشعبة، لأن العرب والمسلمين في قبضة الاتهام، فنحن نريد أن ندافع عن أنفسنا وأن نفهم الآخر حقيقتنا، وأن نزيل هذه التهم كذلك. نريد التواصل مع الآخر، فهناك دوافع وقتية ودوافع ضرورية.

سؤال: إذن كيف نضمن النجاح لهذا الحوار ؟

جواب :

للحوار مع الآخر - الخصم - شروط حتى ينجح. فنحن لا يمكن أن نحاور طرفا لا يعترف بنا أو يشكك في قيمنا أو يطعن في ديننا أو في لغتنا. ولا ينبغي أن نحاور طرفا يحتل أرضا عربية. إذن الحوار مع الآخر ينبغي أن يقوم على تبادل الاحترام والاعتراف، ويقوم على تنظيف الذاكرة وإزالة الغيوم. فنحن عانينا الاستعمار والحروب الصليبية، وعلى الآخر العمل على محو هذه الآثار بطريقة من الطرق سواء بالاعتذار أو بغيره، حتى يمكن أن نتأكد من سلامة طويته، وأنه يريد بالفعل أن يتحاور وأن يعترف بنا وبمقوماتنا وبهويتنا. وهنا نتوقف مع اللغة التي هي مكون أساسي في الهوية. ولذا ينبغي أن يقبلنا بهويتنا وأن نحاوره بهويتنا ...

وهناك نوع آخر من الحوار ينبغي أن نلتفت إليه وهو نقطة الانطلاق، ويقتضي أن نحاور أنفسنا وأن نحاور ذاتنا، سواء على الصعيد الثقافي العربي أو على الصعيد الإسلامي، والحديث أصبح يدور حول الحوار (الإسلامي - الإسلامي)، بين السنة والشيعة وحول الكثير من الأشياء التي يمكن أن نلتقي حولها.

سؤال : ولكن هل نحن قادرون على أن نجعل لغتنا قادرة على التطور لتلبية متطلبات الحوار ؟

جواب :

اللغة العربية بحاجة لأشياء حتى تكون لغة العصر، منها أن ندخل إليها المصطلحات العلمية والحضارية، وعلينا أن نعرف كيف نعلمها للشباب، وعلينا مراجعة مناهجنا بحيث نحببها للأجيال الصاعدة، حتى تكون متقبلة لديهم، وأن يعتزوا بها ...

وعلينا أن نعترف بأن اللغة العربية تعاني مشكلات أخرى، كالعاميات التي تحاول أن تفرض نفسها، وتريد أن تأخذ مكانا على حساب العربية الفصحى لغة القرآن، وهذا مشكل يجب أن نكون واعين به، فالفصحى هي لغة الدين ولغة القرآن ؛ ونحن مسؤولون عن حفظ اللغة كما تعهد الله بحفظ كتابه، فإذا كانت المناهج تحتاج إلى تطوير، فعلينا أن نقدم على ذلك. والقواعد إن كانت تحتاج إلى تصفية وتيسير فلنفعل، وهذا يحتاج إلى شجاعة منا ويحتاج منا أن نحاور أنفسنا للقيام بهذا الدور، والمجامع هنا عليها عبء كبير ولا بد من تنفيذ قراراتها.

سؤال : أود التوقف على وجه التحديد فيما يتعلق بالحوار مع حوارنا مع الفاتيكان، لماذا نتمسك بالحوار ونصر عليه على الرغم من إساءات بابا الفاتيكان وكبار كرادلته للإسلام والمسلمين ؟

جواب :

الحوار مع الفاتيكان يدخل في نطاق الحوار الإسلامي المسيحي - أي الحوار بين الأديان - وهناك حوار بين الديانتين، وهناك حوار بين الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية). وهذا الحوار يحتاج إلى تبادل الاعتراف والاحترام وقبول الطرف الآخر كما هو. ولو أن الفاتيكان يعترف بنا ويحترمنا كما نحن لما صدر عن البابا ما صدر عنه أو عن غيره بحق الإسلام مثل هذه الإساءات. فيجب على الأطراف التي تدخل الحوار أن تنتبه إلى أننا لا نناقش قضية العقيدة، فبعض الذين يثيرون قضية الحوار بين الديانات يقولون بوحدة الديانات، أي أن يكون هناك دين واحد، فلا يمكن أن نضحي بالإسلام أو أن يضحي المسيحي بمسيحيته، وينبغي أن يرتكز الحوار على القيم الموجودة في الديانات، وهي قيم إنسانية.

سؤال : لكن الدكتور محمد سليم العوا وبعض المفكرين الإسلاميين يرون أن الحوار بأجندة واحدة منذ خمسين عاما وبلا جدوى ويجب التوقف عنه ... فإلى أي مدى تتفق معه في ذلك ؟

جواب :

المشكلة أن من يحاورنا يقف في مكانه لا يتحرك، وما عنده من مفاهيم عن الإسلام والمسلمين لا تتغير ؛ ومنها أن المسلمين إرهابيون، وأن الإرهاب آت من الإسلام ؛ وهي أشياء هو مقتنع بها. والقوى التي تسير العالم اليوم تقتنع بذلك، بأن الإرهابي هو المسلم أو العربي ... ثم هناك قضية أخرى، إذا كان الآخر يريد أن يتحاور وأن نواكبه في العولمة، عليه أن يساعدنا، ليس بمدنا بالبضائع، ولكن أن يمكننا من مفاتيح التقدم. ولكن الغرب يغرقنا بما يجعل من الصعب منافسته. ومن جهة أخرى ينبغي ألا نكون عالة عليه ومستهلكين يبيع لنا سلعه. ويتضح ذلك فيما يتعلق بالطاقة النووية التي تقدم عليها بعض الدول الإسلامية، وينبغي للطرف الآخر أن يتنازل عن غطرسته وأن يعترف أن هناك شعوبا أخرى. فالغرب يعتقد أنه وحده في العالم، ويرى في الإسلام خصما وعدوا، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونحن لسنا خصوما للغرب الذي يريدنا أن نظل متخلفين ومادين اليد إليه.

سؤال : مرت الشهر الماضي الذكرى الستين لضياع فلسطين وبيت المقدس، والمغرب ... يترأس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي ... من هذا الموقع ما هو الدور الذي يقوم به المغرب ؟ وما الذي يمكن عمله ؟

جواب :

القضية الفلسطينية هي قضية حق يطالب به أصحابه، ونحن نؤيد أصحابه في ذلك، وهذا حق يجب أن يعود إلى أصحابه، ونعم قد مرت 60 عاما تعرضت فيه فلسطين والعرب لحروب، وكانت هناك محاولات للسلم وتنازل العرب تنازلا كبيرا إلى حد التطبيع مع إسرائيل، ولكن هل إسرائيل قدرت الموقف السلمي الذي يميل إليه العرب ؟ إنها لم تفعل ذلك وظلت متعنتة ... وفي الوقت الذي يبحث فيه الفلسطينيون عن السلام نرى الموت في غزة، فالمسألة تتجاوز الجهود الحثيثة التي يبذلها العالم العربي والمغرب من ضمنه. وهناك أشياء يجب أن تحل، فلا يمكن أن يكون الحل مقبولا إلا إذا عادت الأرض لأصحابها، وتم حل مشكلة اللاجئين وإقامة الدولة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار فكري شامل

مع مجلة "الإحياء"(1)

 

 

 

 


(1) أجراه الأستاذ عبد السلام طويل، مندوب مجلة "الإحياء" التي تَصدر عن "الرابطة المحمدية للعلماء"، ونُشر في عددها المزدوج 30-31 (ذو القعدة 1430ﻫ - نونبر 2009م) تحت العنوان أعلاه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استهل بهذا التمهيد :

"في هذا الحوار الفكري الشامل مع عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري أوضح فضيلته كيف أن المغاربة قد تبنوا اختيارهم المذهبي المالكي عن اقتناع بعد مخاض تاريخي طويل، محذرا من تعميق الاختلاف بين الهويات داخل القطر الواحد حتى لا تستغله القوى التي تسعى إلى تمزيق مجتمعاتنا وتشتيتها وتكريس التفرقة بينها، معتبرا أن من مسؤولية الجميع النهوض باللغة العربية، وحمايتها، وفرض احترامها، وجعلها أداة للتعليم والإدارة والإعلام ...

كما نبه فضيلته إلى أن العولمة قد تجاوزت الأبعاد الاقتصادية والتجارية، وباتت تسعى إلى عولمة الهويات وتنميطها، إلا أنه شدد على حيوية كسب رهانها بجودة إنتاجية تصمد للمنافسة، وبتكامل اقتصادي إقليمي بين الدول العربية والإسلامية. كما جدد دعوته إلى بلورة استراتيجية ثقافية، بل والعمل لـ "تثوير الثقافة" من خلال تحريك عناصرها القوية ومقوماتها الحية، لتنهض بالدور المنوط بها في التوجيه والتقويم ... وهو ما لن يتسنى إلا بإعادة الاعتبار للبحث العلمي ولمسألة المنهج سعيا لتسليح الطلاب والباحثين بأساليب التفكير والتحليل والاستنتاج والنقد ...

ومن جهة أخرى فقد شدد على أن "فقهنا السياسي يحتاج إلى أن يوضع في منظومة فكرية جديدة متكاملة، تستفيد من معطيات الحداثة وما بعدها"، وأن الديمقراطية إذا ما رسخت في مجتمع ما بآليات متينة وأدوات ثابتة، ترسخت معها كثير من تطلعات هذا المجتمع.

ووعيا منه بأهمية الحوار الحضاري فقد اعتبر الدكتور عباس الجراري مهما تكن فرص نجاح هذا الحوار أو فشله، فإنه يبقى تحدياً كبيراً لا بد من اجتيازه ورهاناً لا بد من كسبه ...".

1/ تنضوون الأستاذ الجليل ضمن زمرة الأدباء المفكرين الذين تجاوزوا دائرة الأدب، على رحابته وغناه، إلى أفق معرفي أرحب، أبنتم فيه عن إحاطة موسوعية رصينة بقضايا التاريخ، والفلسفة، والاجتماع، والسياسة، وقضايا التفاعل الحضاري والثقافي بين الشعوب
والأمم ...

حبذا لو أطلعتمونا عن محددات ومغزى هذا الانفتاح، وعن أهم التحولات المفصلية الفارقة التي حكمت مسار تبلور شخصيتكم العالمة ؟

إن الحديث عندي عن "الأدب" في عمومه لا يرتكز على مفهومه التعليمي التقليدي الذي يقصره على الشعر والنثر الفني، ولكنه يتجاوزه إلى كل إبداع، سواء في شكله المدرسي أو الشعبي ؛ بل هو يتجاوز هذا الإبداع ليشمل كل المعارف المرتبطة به، سياسية ودينية وتاريخية وفكرية وفنية. وهي معارف تراثية ومعاصرة، أي قديمة وحديثة، بدونها لا يمكن النفاذ إلى عمق هذا الأدب الذي اغتنى بعد الاحتكاك بأوروبا بأنماط إبداعية جديدة.

ومن ثم فتخصصي في الأدب العربي عامة، والأدب المغربي خاصة، ما كان ليكتمل، بل ما كان ليتحقق إلا في هذا النطاق المعرفي الواسع الذي يجمع بين حقول ومجالات تبدو مختلفة أو متباينة، ولكنها في الحقيقة ذات نبع واحد يفضي بها إلى مصب مشترك. وهو ما ينبغي لصاحب هذا الاتجاه أن يكون مدركاً لحقائقه وأبعاده، في غير ادعاء أن يكون ذا إحاطة شمولية بكل دقائقه وجزئياته كما قد يتوهم.

وهو بهذا يدخل في المشروع الفكري أو الثقافي الذي عملت على تأسيسه منذ نحو من نصف قرن، أي منذ اقتنعت بالحاجة الماسة إلى دراسة أدبنا المغربي. وقد تبلور عندي هذا المشروع حين التحقت بالتدريس الجامعي، مما أتاح لي فرصة التعمق فيه، سواء عن طريق الدرس أو البحث أو الإشراف على الطلاب وتوجيههم للاهتمام به. وهو ما أعطى بعون الله وتوفيقه ثماراً طيبة، على الرغم من كل العوائق التي كانت تعترض الطريق على امتداد هذه المرحلة.

ولا شك أن مثل هذا الاتجاه يتطلب المثابرة على تحصيل أكبر قدر من المعرفة، ولكن يقتضي أولاً وقبل كل شيء رؤية واضحة هي أساس المنهج الملائم لذلك.

وهكذا فإني لم أتجاوز دائرة الأدب - كما ذكرتَ في سؤالك - ولكني وضعت هذه الدائرة في إطار أوسع وأشمل.

أما عن العوامل التي كان لها تأثير في تشكيل مساري العلمي ليسلك، أو لأسلك فيه هذا النهج، فتتمثل في الطبيعة المتنوعة التي كيفت تعليمي وتكويني على امتداد فترات التحصيل. فهي تبدأ من الكُتاب - المسيد - الذي حظيت فيه وأنا دون السادسة من عمري بقسط وافر من القرآن الكريم والتربية الدينية.

ولأسباب - لا مجال هنا لذكرها - تابعت تعليمي في مدارس إدارة الحماية (الفرنسية) حيث قضيت المرحلة الابتدائية والثانوية. وصادف انتهائي من هذه المرحلة الأخيرة أن استرجع المغرب استقلاله، فبدا لي أنه لا بد من إتمام المرحلة الجامعية بتخصص في الدراسات العربية، على اعتبار أن استرجاع الاستقلال يعني استرجاع الهوية. وهو ما لن يتحقق - كما كان الظن - باللغة الأجنبية. وهذا ما جعلني أختار السفر إلى القاهرة حيث تابعت دراستي العربية.

قد تستغرب لهذا التحول، ولكن استغرابك سيزول إذا علمت أن الفضل في ذلك يرجع إلى مدرسةٍ أخرى خاصةٍ، أقصد مدرسة البيت التي كنت أتلقى فيها باستمرار على يد والدي رحمه الله، من العلوم العربية والمعارف الإسلامية ما جعلني لا أواكب الدراسة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة فحسب، ولكن جعلني أوفق فيها وأتفوق.

وعدت مرة أخرى إلى النهج الفرنسي لإعداد الدكتوراه التي قضيت فترة أهيئها في السوربون بباريز، لولا أن ظروفاً - ليس هذا مجال الحديث عنها - ألزمتني بالعودة إلى القاهرة، لأعمل في السلك الدبلوماسي بسفارة المغرب في مصر. وهناك أكملت تعليمي العالي بنيل درجتي الماجستير والدكتوراه.

ولا أخفي أني استفدت كثيراً من كل الذين درست عليهم في الكُتاب القرآني وما بعده، سواء في المغرب أو مصر أو فرنسا، تغمد الله برحمته من انتقل منهم إلى جواره. إلا أن الفضل الأكبر يرجع إلى والدي رحمه الله وجزاه عما قدم لي ولإخوتي ولأجيال عديدة، فقد أفدت من علمه وموسوعيته، ومن مجالسته ومذاكرته، ومن توجيهاته وإرشاداته، ومن مصاحبتي له منذ طفولتي في كثير من أسفاره. كما أفدت من أبوته المثالية التي كان يضفي عليها صداقة حميمية ويغنيها بأستاذيته النافعة.

2/ تزخر كتاباتكم الفكرية، وإسهاماتكم في مختلف المنتديات الدولية، بانشغال خاص بقضايا التفاعل الحضاري، حوارا وصراعا، كيف تقيمون النقاش الدولي الدائر في هذا الإطار ؟ وكيف تتصورون طبيعة هذا التفاعل الحضاري في أبعاده الصراعية والحوارية على حد سواء ؟ وما هي رؤيتكم لما ينبغي أن يكون عليه هذا الحوار من حيث منطلقاته، وأسسه، وآلياته، ومضامينه، ومقاصده ؟

لا يخفى أن أشكالاً عديدة من الحوار، أو من التصارع والتصادم، قد جربت وما زالت تجرب، ولكنها مع ذلك ما زالت غير مقنعة أو لم تفض إلى النتائج المرجوة. والسبب في هذا الفشل تباين الآراء والمواقف حول هذه النقط التي أشرتَ إليها في سؤالك، ويمكن إجمال الجواب عنها في عناصر محددة.

منها اقتناع الراغبين في الحوار والداعين إليه بضرورته والحاجة إليه لنشر التفاهم والسلام بين الشعوب، دون السعي إلى فرض "عولمة ثقافية"، على اعتبار أن الله تعالى خلق البشر مختلفين، وأنه جعل اختلافهم سبيلاً للتعارف والتعاون ]يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا[ أي شعوباً وقبائل مختلفة.

وإذا ما تم هذا الاقتناع، فإن الحوار ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بكل هوية، واحترام ما يشكلها من مقومات، لا سيما ما هو منها من قبيل الثوابت والمقدسات ؛ على أن يكون الهدف من هذا الحوار هو الرغبة في إغناء الذات بما عند الآخر، مع العناية بالقيم التي هي غالباً ما تكون مجالاً للالتقاء، وخاصة ما يتصل بالقيم الدينية التي هي بدون شك قيم إنسانية تكاد تكون واحدة.

على أن ذلك كله لا يكفي ما لم يقع التخلي عن روح استعلاء القوي على الضعيف، وحب فرض السيطرة عليه بحجة انعدام التكافؤ معه، وكذا ما لم تحل المشكلات العالقة بينهما، وفي طليعتها مشكلة الأراضي التي ما زالت محتلة، وكذا معاناة الذاكرة من أحداث أليمة في الماضي تحتاج إلى إزالة آثارها بالاعتذار أو التعويض أو هما معاً.

وفي جميع الأحوال، أي مهما تكن فرص نجاح الحوار أو فشله، فإنه يبقى تحدياً كبيراً لا بد من اجتيازه ورهاناً لا بد من كسبه، على مستويات مختلفة وبآليات متعددة حكومية ومدنية وسياسية ودينية وغيرها، وفي ارتباط وثيق بالمجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية. وألح على هذا المجال الأخير الذي يمثل البذرة الأولى لنشر ثقافة الحوار بين الأجيال، اعتماداً على مبدأ قبول الاختلاف والتعددية، وعلى مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن المؤكد أن اجتياز هذا التحدي أو كسب رهانه هو السبيل إلى تحقيق تعايش سلمي بين الشعوب كافة، والسبيل كذلك إلى تجنب الصدام الذي لا يمكن أن يكون إلا مدمراً للإنسانية فيما أبدعت من حضارة وثقافة.

3/ تشددون في سياق تحديدكم لشروط الحوار الحضاري، على ضرورة الاحترام والاعتراف المتبادل بثقافات وهويات الشعوب. وهذا أمر على درجة بالغة من الأهمية. لكن ألا ترون أن القوى الدولية الكبرى قد سعت من وراء دعوتها منذ ستينيات القرن الماضي لاحترام الاختلاف الثقافي إلى إضفاء اعتراف شكلي بالهوية الثقافية للشعوب مقابل الالتفاف وعدم الالتزام بأية مناقشة جدية لبرنامج إصلاح النظام الدولي على مختلف الأصعدة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعلمية، والتكنولوجية ..؟

ثم ألا ترون أن الرؤية الانقسامية التي تحملها القوى الغربية للعالم، وللعالم الإسلامي بوجه خاص، تجعل تصورها وتوظيفها لحوار الحضارات يلغي مسؤولياتها التاريخية والسياسية، بالنظر إلى العلاقة القائمة بين الأوضاع التي يعيشها المجتمع البشري اليوم والاختيارات الاقتصادية والإستراتيجية والاجتماعية والتقنية ... التي تبنتها في العقود الماضية الدول الصناعية الكبرى التي تسير بهذا المجتمع نحو أوضاع معقدة ومأساوية ... وهي العلاقة التي تمعن هذه القوى في إنكارها والتمويه عليها وتسعى إلى تحميل عبء هذه الأوضاع المختلة وغير العادلة إلى الخصوصيات الحضارية، متجاهلة دور سياستها الدولية الواعية المكرسة لها ..؟

ليت هذه الدعوة كانت صحيحة وصادقة، إذ هي - كما ذكرت في سؤالك - تتضمن مجرد اعتراف "شكلي" بالاختلاف الثقافي بين الشعوب. وإن هذه "الشكلية" هي التي حالت وتحول دون تطبيق فعلي لتلك الدعوة ؛ إذ يغلب عليها السعي إلى مزيد من فرض السيطرة والنفوذ. وهو ما تجليه سلبيات أخرى، كانعدام الإرادة في تفعيل الحوار، أي إجرائه على نحو ما ينبغي أن يكون عليه. وهنا يكمن تفسير ما أشرت إليه من عدم الرغبة في إصلاح النظام الدولي، بما يتيح للشعوب المستضعفة وجوداً فاعلاً وحضوراً متميزاً ومشاركة بالتالي في هذا النظام.

على أن الأمر يزيد خطراً حين يتعلق بالدول العربية والإسلامية التي تتوافر لها جميع الإمكانات، ليكون لها موقع بارز في سياسة العالم المعاصر واقتصاده. ويكفي أن نشير إلى ما لهذه الدول من مقومات هامة، أبرزها موقعها الاستراتيجي، وثرواتها الطائلة، وأرصدتها البنكية الهائلة، وعدد سكانها، ودورها التاريخي والحالي في إغناء الحضارة والثقافة، وغير ذلك مما هو معروف.

ومحاولة من القوى الكبرى لطمس هذه المزايا وإبطال مفعولها، لا تنفك تلك القوى تثير للعرب وللمسلمين مشكلات، وتلقي عليهم بتهم هم منها براء، وعلى رأسها تهمة الإرهاب التي تلصقها ظلماً بهم وبدينهم وثقافتهم المختلفة التي تحملهم بها مسؤولية اختلال الأوضاع العالمية وعدم سيادة الأمن والاستقرار.

ولعله لم يعد يخفى على أحد أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وأن بوادره الأولى ظهرت في الغرب، وقبل أن تتجه القوى العالمية نحو العالم العربي والإسلامي في أعقاب الحرب الباردة لإلقاء التهمة عليه واتخاذه واجهة صراع وكبش فداء، دون نسيان منظورها إليه باعتباره خصماً تاريخيا لا سبيل للاطمئنان إليه.

وإلحاحاً على هذا الاتجاه، ما فتئت تلكم القوى تبذل قصارى الجهد للحيلولة دون امتلاك هذا العالم مفاتيح الرقي، حتى يبقى مجرد مستهلك لما تنتج من تقدم، وكذا الحيلولة دون تطوير إمكاناته العلمية والمادية للحاق بركب هذا التقدم. وهي في هذا تلجأ إلى مختلف الوسائل، بما في ذلك الحصار والتهديد بالغزو وتنفيذه.

وعلى الرغم من كل آثار هذا الواقع المتفاقم، فإن على الجهات المستضعفة، وفي طليعتها الدول العربية والإسلامية، أن تكون واعية بما يحاك لها، وأن تحاول بإرادتها وقدراتها الذاتية أن تتغلب على المصاعب التي تعترضها. وهو ما يعني الحاجة الملحة إلى فتح مجالات الحوار مع الذات بدءاً من نقدها، بقصد إزالة الخلافات وتصفية الأجواء، مما قد يمكنها من وضع قواعد جديدة وثابتة للتحاور، والتعاون فيها بينها، وكذا للتحاور والتعاون مع الآخر، في غير استسلام له ولما يفرضه والتخلي عن المسؤولية كاملة، بحجة أنه لا يد للجيل الحاضر في صنع واقع الأمة الأليم.

وما إخال ذلك بمستحيل أو بعيد، إذا ما توافر الوعي بتحقيق هذا الواقع، ووجدت الإرادة في تغييره، بدءاً من العمل على تغيير التفكير لإزالة الصورة المشوهة التي رسمها الغرب الاستعماري للعرب والمسلمين، والتي ظلت راسخة حتى في أذهانهم، بفعل المشاعر الانهزامية التي بثها فيهم، والتي لم يتخلصوا منها بعد، أو بالأحرى لم تتخلص منها بعض فئاتهم.

أعود بعد هذا إلى الحوار مع الذات - وأهميته بالغة - فهو في الحقيقة حوار داخل الهوية الواحدة. ذلكم أن الهوية تتسع وتضيق بحكم عوامل بيئية متعددة، بدءاً من ارتباطها بأقاليم صغيرة إلى جهات أكبر لتصل إلى الوطن فمجموع الأوطان التي تشكل الأمة. وهو ما تعكسه المجتمعات العربية والإسلامية. ولست في حاجة إلى أن أثبت أن ديننا الحنيف يدعو إلى الأمة بل إلى العالمية، لقوله تعالى : ]وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون[، وقوله عز وجل : ]وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً[. وإننا لنقرأ في الفكر الفلسفي الإسلامي عن "المجتمع الكامل" الذي تحدث عنه الفارابي ؛ وهو ما يبلور تلك العالمية.

وهنا أود التحذير من تعميق الاختلاف بين الهويات داخل القطر الواحد، سواء أكان هذا الاختلاف مذهبيا أو عرقيا أو لغويا، حتى لا تستغله القوى التي تسعى إلى تمزيق تلك المجتمعات وتشتيتها وتكريس التفرقة بينها، وتشكيل كيانات صغيرة منها، اعتماداً على ذلك الاختلاف الذي هو في الحقيقة مغن للهوية الوطنية ومقوّلها.

ولا شك أن من شأن الالتئام والتفاعل التلقائي داخل هذه الهوية، أن يكون الخطوة الأولى للانفتاح على هوية الآخر والتحاور معه، ومعينا على مواجهة تحديات الاحتكاك به.

4/ نجد لديكم، وعيا حادا بضرورة التمييز بين مفهومي الحضارة والثقافة على ما بينهما من ارتباط وثيق، وهو الوعي الذي لا نكاد نجده في الكثير من الكتابات التي يمعن أصحابها في الخلط بين المفهومين، مما يؤدي إلى تحويل جميع الفوارق النسبية اللغوية، والأنثروبولوجية إلى فوارق حضارية معيقة لأي تفاعل وتواصل إنساني ... هل لكم أن تبرزوا لنا أهم الفوارق بين المفهومين ؟ والأهمية العلمية الإجرائية لهذا التمييز ؟

إنك بهذا السؤال تطرح إشكالاً اصطلاحياً سبق لي أن أثرته في إحدى دراساتي المتصلة بالموضوع. ويتعلق بمفهومي "الحضارة" و"الثقافة". ولعلك تلاحظ أن مصطلح "الحضارة" غالباً ما يقرن بـ: "التحالف" أو "الصدام" و"الصراع" باعتباره دالاً على كل ما يبدعه الإنسان ويتداوله من ماديات ومعنويات. إلا أن ما أميل إليه هو قصر مفهوم "الحضارة" على الماديات، أي على المظاهر التقنية والمنجزات العمرانية الدالة على التطور المعيشي والنماء الاجتماعي، في مقابل البداوة وما يطبعها من حياة بدائية. فالحضارة بهذا هي خلاصة ما توارثته الأجيال، وما تدمجه في اختراعاتها بما يمكن أن نسميه "تمازجاً" أو "تعاقباً" وليس "تحالفاً" أو "صداماً". والدليل على ذلك أننا نمارس كثيراً من المظاهر الممثلة لحضارات سابقة علينا أو مختلفة عنا، سواء في المأكل أو الملبس أو المسكن، وما إلى ذلك مما هو منتشر في العالم بأسره، على تباين هوياته، دون بذل أي مجهود لممارسته فضلاً عن مقاومته، إذ أن هذه المظاهر تتسرب إلينا فنتلقاها بعفوية وتلقائية.

في حين أن الشق الآخر من المبدعات وهو المتصل بالممارسات العقلية، وما يكون خلفها من إمكانات ومؤهلات، وما يتولد عنها من إنتاجات هي خلاصة موروثات وإبداعات، أي بالجوانب العقدية والفكرية والنفسية والسلوكية، فإنه لا يتسرب على هذا النحو، وإنما هو يحتاج إلى نوع من التبادل قد يأخذ صيغة "تحالف" أو "صراع"، وهو الذي يمثله مصطلح "الثقافة".

ومنذ قيام العلاقات الأولى بين البشر برزت هذه الظاهرة للوجود، وربما كانت من أهم أسباب قيام الحروب بين المجتمعات المختلفة. وهي في المرحلة المعاصرة، تبدو أكثر حدة لما بين الشعوب من تباين ثقافي، ولما هي عليه من شديد التمسك بثقافتها إن لم تكن تسعى إلى فرضها. وذلكم ما تمثله "العولمة"، هذه "العولمة" التي تجاوزت جوانبها الاقتصادية والتجارية، ساعية إلى عولمة الهويات، أي هوية ثقافية واحدة تعمل على إقصاء غيرها، وتلغي قيم التعدد والاختلاف، وتكرس ثقافة القوى المسيطرة والمتحكمة في العالم.

وهو ما ترفضه المجتمعات - مهما تكن صغيرة أو ضعيفة أو فقيرة - تلكم التي تعتز بهويتها ومقومات هذه الهوية، من دين ولغة وتراث وقيم، أي ما يطلق عليه مصطلح "الثقافة". وهنا يمكن الحديث عن "التحاور" و" التحالف" أو "التصارع" و"التصادم".

5/ ذهبتم في كتابكم الموسوم : "الإصلاح المنشود" إلى ضرورة مراعاة عملية التحديث لاختلاف السياقات والشروط الاجتماعية والثقافية لمختلف المجتمعات الساعية إلى تطوير مختلف بنياتها. واعتبرتم أن "التحديث المأمول" يستوجب، حتى يكون إيجابيا، مراعاة واقع المجتمعات العربية والإسلامية وعدم الابتعاد عن قيمها سواء في جانبها الخاص المتعلق بالدين واللغة، والثقافة، أو في جانبها العام القائم على حرية الإنسان وكرامته وحقوقه ... لكن كيف لعملية التحديث أن تستوفي هذه الشروط في ظل إكراهات العولمة التنميطية الكاسحة ؟ وهل من سبيل إلى ترشيد ظاهرة العولمة والإفادة منها ؟

إن عملية التحديث التي أثرتها في سؤالك، لا يمكن أن تنجح ما لم ننظر في ثقافتنا بعين نقدية فاحصة، بقصد مراجعتها وتصفيتها مما فيها من شوائب وسلبيات، وما لم نهتد بعد ذلك لإقامة مؤسسات فاعلة، ووضع قواعد لبناء ثقافي جديد يكون قائماً على الجوانب الإيجابية التي أفضت إليها تلكم المراجعة والتصفية، ويكون في الوقت نفسه محكوماً برؤية مستقبلية واعية، واعدة بها تتضح معالم التحديث المرجوة ؛ وقبل ذلك تتضح شروط المنهج المؤهل لبلوغ الحداثة. وهو ما يتطلب مراعاة طبيعة المجتمع وواقعه وما يعتمل فيه من علاقات خاصة وعامة، ثم ما هو متطلع إلى تحقيقه من عدل وأمن وحرية وكرامة، وما إلى ذلك كله من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. وبذلك تتحقق لهذه الحداثة شرعية تحميها من كل عبث أو تحريف أو عرقلة، وتدعو إلى الاطمئنان على ما قد تقضي إليه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يمكن إجماله في الديمقراطية التي إذا ما رسخت في مجتمع ما بآليات متينة وأدوات ثابتة، ترسخت معها جميع تطلعات هذا المجتمع.

على أننا بهذه المسيرة لا نسعى فقط إلى إدراك قيم الحداثة وتمثلها وممارستها، ولكن نسعى انطلاقاً منها إلى ما بعدها، أي إلى ما بعد الحداثة بكل ما يقتضيه من اندماج في العصر، والتفاعل مع ما يجد فيه من معارف واختراعات وأفكار، بمنظور شمولي وبروح متفائلة وذهن منفتح، وفي غير استسلام لواقعنا المتخلف ومناخه النفسي المضطرب، وما يُروج فيه من دعوات متضاربة يغلب عليها اليأس والتشاؤم.

ومن المؤكد أننا إن سلكنا هذا النهج، تسنى لنا أن نتخلص من وصاية الآخرين علينا، أولئك الذين يعطون لأنفسهم حق وقاية مجتمعاتنا النامية من كل خرق يمس حقوق الإنسان، باعتبارهم حماة لهذه الحقوق، مما يخولهم - بحق أو بباطل - إصدار أحكام قد لا تكون دائماً موضوعية أو منصفة.

ثم إن التحديث في ارتباطه بالعولمة ينبغي أن يجعلنا ننتبه إلى ما قد يكون وراء هذه العولمة من مخططات خطيرة على الاقتصاد الوطني الذي غالباً ما يجد صعوبة في تحريره وتأهيله، لمواكبة هذه العولمة فضلاً عن منافستها. وهو ما قد يفضي إلى المس بالسيادة الوطنية، أي إلى إحداث نمط جديد للمواطنة تكون طوع القبضة الحديدية التي تكون للشركات الدولية الكبرى. ومن ثم فإنه على الدول صاحبة السيادة أن تحمي ذاتها ومواطنيها، وأن تتسلح بما يجعلها قادرة على الصمود لزوابع العولمة، من غير أن تتخلى عن قيم هويتها والمقومات المتجـذرة فيها ؛ مع التحلي بالشجاعة اللازمة لنقد الذات وتطويرها، وجعلها قادرة على التكيف مع معطيات هذه العولمة. وهو ما لن يتسنى لها ما لم تفتح مجالات التفكير والقول والعمل للطاقات العلمية المفكرة، وتمكينها من أداء دورها الحق، بعيداً عن التهميش الذي تعانيه إن لم نقل المحاربة.

وإذا كان الجانب الاقتصادي - باعتباره واجهة العولمة الأولى - ينذر بصعوبة هذا التعامل، فإنه لا مجال للتغلب على مخاطره إلا بجودة إنتاجية تصمد للمنافسة، وكذا تكامل اقتصادي إقليمي وتنسيق متوازن بين الدول العربية والإسلامية. وبهذا يمكن التخفيف من وقع ظاهرة العولمة، وترشيدها بما قد يحولها إلى عنصر إفادة وإغناء.

6/ في صلة مباشرة بالسؤال السابق كيف تتصورون إشكالية العلاقة بين الحداثة والتراث في ظل الدعوات المتتالية للقطيعة مع التراث والثورة عليه أو حتى اجتثاثه؟ وكيف تنظرون إلى منهجية التعامل الأنجع معه في ظل دعوتكم إلى إعادة قراءة النصوص التأسيسية وتأويلها من جديد بما يجعلها تتلاءم مع مقتضيات الواقع

هذا سؤال يعكس قضية قديمة جديدة، ألا وهي العلاقة بين التراث والحداثة. وقد أسلتُ - وأسال غيري - مداداً كثيراً في مناقشتها منذ نحو من نصف قرن. ومع ذلك فهي ما زالت قائمة، لا تزيد إلا تعقيداً في ظل التطورات التي يعرفها العصر بمستجداته السريعة والعديدة.

ومن غير أن أعود إلى التراث من حيث أهميته والحاجة إلى إحياء الصالح والنافع منه، فإن الذي يبدو لي من صيغة سؤالك أنك تقصد إلى نوع من هذا التراث، هو المتعلق بنصوصه التأسيسية المتصلة بالفكر الديني الذي لا يخفى مدى تخلفه، أو تخلف القائمين عليه عن مواكبة تلك التطورات المتلاحقة.

وهو تخلف يعزى إلى إغلاق باب الاجتهاد، مما أصبح معه الفقه الإسلامي في وضعه الراهن الذي انتهى إلينا، غير مسعف للنظر من خلاله إلى قضايا العصر الشائكة، وما تستدعي من رؤى جديدة ومناهج مستحدثة.

من هنا كانت الحاجة ماسة إلى إعادة قراءة تلك النصوص وتأويلها، بما يستجيب لمقتضيات الواقع والإقناع بما تفضي إليه من حلول، هي وحدها الكفيلة بصد الرافضين لذلك الفكر وخصومه والشاكين في جدواه.

وعندي أن هذه الحقيقة لا تنصب فقط على الفقه من حيث هو عقيدة وشريعة، أي عبادات ومعاملات، ولكنها تتجاوز هذا المجال الرحب إلى كل ما يمس حياة المسلمين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي المجالات التي تحتاج إلى أن يُنظر فيها برؤية تحديثية تنويرية.