هويتنا والعولمة

 

عباس الجراري

 

المحتويات 

مقدمة

الهوية

ارتباط الهوية بالإسلام

العولمة

البعد الثقافي

العالمية والخصوصيات المحلية

الموقف من الذات والآخر

الانخراط في العولمة

سبيل النجاة

خاتمة

 

مقدمة

إن إثارة قضية هويتنا والعولمة تنطلق من السعي إلى إيجاد مكان لهذه الهوية حتى تستمر قادرة على الحياة في القرن المقبل، وحتى نكون مؤهلين لمواصلة المسير وإمكان العيش، بمواكبة إيجابية لهذا القرن وما بعده.

  إن هذا الإمكان يقتضي توافر بعد مستقبلي، ومنظور لهذا البعد، قائم على إدراك واع للواقع الإقليمي والعالمي، والقدرة على تجاوزه بمقومات العصر ومؤهلاته، أي بتلك التي تفوق بها الآخر، بدءا بمعالجة الأدواء التي تنخر الجسد من فقر وأمية، مع العمل الجاد على اللحاق بركب العلم والتكنولوجيا، وعلى ترسيخ الحقوق الأساسية التي بدونها لامجال للإبداع وتحديث الفكر وتحرير الإرادة.

  إن الواقع الذي يعانيه العالم ـوالعربي والإسلامي منه على الخصوص ـ يبرز مدى التمزق الذي تعمقه وتوسع خروقه القوى الكبرى العاملة بكل الوسائل ـ مهما تكن غير مشروعة ـ على أن تبقى هي وحدها المتحكمة في المنظومة الدولية، بغرور وطغيان،ومن خلال قطبية لا تنافس ولا تنازع، ولو على حساب حاجات الشعوب المستضعفة ورغبتها في التعايش والتواصل والتعاون بأمن وسلام.

  إن مواجهة تلك الهيمنة بالنسبة لهذه الشعوب، سوف لا تستند إلى القوة العسكرية أو حتى الاقتصادية ـ على أهميتها ـ ، ولكنها ستعتمد بالدرجة الأولى على العنصر الحضاري والثقافي، متمثلا في هوية هذه الشعوب، بكل المكونات التي تشكل هذه الهوية، بدءا من العقيدة واللغة والتراث وما انتسج بها على أوطان تلك الشعوب.

  وإن الإلحاح على مقوم العقيدة لينطلق من الحالة الراهنة التي يعيشها الإسلام، باعتباره قوة تزعج خصومه، وباعتباره هدفا لهم على حد ما تكشف الحرب الصليبية الجديدة التي لم يخفف من حدتها زعم الحوار ودعوى التعايش.

  من هنا، فإن هذه الدراسة ستنظر في مسألة الهوية من حيث هي، وفي القضايا التي تتفرع عنها، مع التركيز على ارتباطها بالإسلام. كما ستنظر في العولمة وفي البعد الثقافي وأثره في تحقيق التقدم، لتتناول بعد ذلك الخصوصيات المحلية وإمكان الالتقاء بها في بوتقة عالمية، على نحو ما عرفته الأمة الإسلامية، مما سيفضي بالدراسة إلى تحديد الموقف من الآخر، في غير انبهار به وفي توسل بأسباب تفوقه، وفي سعي إلى الانخراط في العولمة بهوية إسلامية؛ بعد التخلص من عقدة التخلف والعمل على مراجعة الذات، مما يجعلها قادرة على هذا الانخراط الذي من شأنه، إن كان على أساس صحيح، أن يحدث توازنا هو وحده القادر على الحيلولة دون أي طغيان متوقع للعولمة. ولن يتحقق شيء من هذا ما لم يتم تجاوز واقع التفرقة والتمزق الذي ينخر جسم المجتمعات الإسلامية، وما لم يخرج المسلمون من المتاهات التي يتخبطون فيها على جميع الأصعدة ومختلف المستويات.


الهوية

 

  لتوضيح هذه المسألة نرى إثارة أربع نقط:

الأولى : مفهوم الهُوية بدءا من ضبط صحيح لكلمتها، إذ هي بضم الهاء وليس بفتحها، وبكسر الواو المشددة وليس بفتحها وتخفيفها، لأن الهَوِيّة بفتح الهاء وكسر الواو هي البئر العميقة وجمعها هَوِيات، كما أن الهُوَيَّة بضم الهاء وفتح الواو تصغير هُوَّه، وهي كذلك البئر العميقة. وقد شاع في بعض بلاد الشرق إطلاق اسم الهَوِية بفتح الهاء وكسر الواو على البطاقة الشخصية، وهو استعمال أجازته بعض المعاجم العصرية.

  وأصل كلمة الهُوية من : هوهو، وتقابلها الغيرية. وهي الحقيقة التي تعطي الماهية تشخصها ووجودها الظاهر. فهي إِنِّيتها ونفسها والجوهر، أي هي الذات وما يلازم هذه الذات ويَلزمها، إذ به يتحقق  لها الوجود،باعتبارها مجموع المقومات والخصوصيات التي بها تتأكد الماهية، لأن كلمة الماهية نفسها ـ كما تقول المعاجم المتخصصة ـ مشتقة من حرف"ما"، وكان ينبغي أن ينسب إليها "مائية"، وقلبت الهمزة هاء حتى لا تشتبه اللفظة بالنسبة إلى الماء. ولعلها مشتقة من السؤال"ماهو؟" أو " ما هي؟" .

الثانية: العناصر المكونة للهوية. فهي تتشكل من أربعة مكونات أو مقومات:

أولا:       تبدأ من البيئة أي من الوطن في جانبيه الطبيعي والبشري؛ بما يغنيه من تنوع وتعدد. ومعروف ما لكل وطن في نفس أبنائه من تعلق وتفان وافتداء.على نحو ما قال ابن الرومي:

ولي وطن آليت ألا أبيعه       وألا أرى غيري له الدهر مالكا

  وحبب أوطان الرجال إليهم  مآرب قضاها الشباب هنالكا                    إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكاوكان شاعر آخر ـ لعله الرقاع بن قيس الأسدي ـ قد قال يعلل حبه لبلاده:

  بلاد بها نيطت علي تمائمي   وأول أرض مس جلدي ترابها        

 والأدبيات في هذا والممارسات أكثر من أن  تعد، تُبرز مدى التعلق بالأرض التي فيها يولد المرء وينشأ، ومن خيراتها يقتات، وبها يدفن ويدفن أهله وأحباؤه.ومن ألطف ما يذكر في هذا الباب بيتان لابن رشيق القيرواني يقول    فيهما:

                     سألت الأرض لم جُعلت مصلى

                                                  ولم كانت لنا طهرا وطيبا

                     أجابت غير ناطقة لأنـــي

                                                  ضممت لكل إنسان حبيبا

ثانيا:      تأتي اللغة باعتبارها أداة تواصل بين سكان هذا الوطن، وباعتبارها بوتقة فكرهم ورمز وجودهم وعنصر التحامهم، لتجاوز ما قد ينشأ عن التنوع البيئي من تفريعات وخصوصيات. وحين نتحدث عن اللغة لا نغفل ما يرفدها من لهجات محلية أو لغات عامية. 

ثالثا: مع اللغة وروافدها يظهر مضمونها ومحتواها، متجليا في التراث ببعديهالثقافي والحضاري، وفي سياقه المدرسي والشعبي، مما أبدعته   الأجيال المتعاقبة، سواء على مستوى المعرفة والخبرة، أو على صعيد العقل والروح، أو على نطاق العاطفة والذوق، به برهنت عن قدراتها وطاقاتها وما لها من نبوغ وعبقرية.

رابعا: ثم يتم الانصهار في الدين والتفاعل مع روحه، بماله من تأثير في النظم التي تتحكم في سير الوطن وأبنائه، وكذا في الفكر والسلوك، بدءا مما تحدده شرائع هذا الدين، وبدءا كذلك مما ترسبه عقيدته في المفاهيم والتصورات.

وحين ننظر في الهوية الإسلامية، نجد أنها تكتسي هذه الصفة"الإسلامية" في جميع المقومات المكونة لها:  

            فالأرض هي التي انتشر فيها الإسلام.

            واللغة هي اللسان الذي نزل به كتاب الإسلام.

            والتراث هو ما أنتج من ثقافة وحضارة بروح الإسلام وبلسان قرآنه.

            والدين هو المحور والعنصر الفاعل و المكيف.

الثالثة: تعتبر الهوية شبكة قابلة للتوسع والتفرع، فيما يتصل بكل واحد من هذه المقومات.

  ويكفي أن أمثل بالمغرب، فإذا كانت هويته تتفرع حسب الخصوصيات النابعة من تعدد مناطقه وتنوع أقاليمه ، فإنها تتوسع لتصبح هوية مغاربية وعربية وإفريقية ، ثم إسلامية في روحها المهيمن وطابعها العام.

الرابعة: هنا تثار إشكالية الائتلاف والاختلاف في الهوية.

  أما الائتلاف فهو أن يجتمع أمران أو أكثر، عبر عنصر التقاء أو مجموعة عناصر يتم بها الاجتماع، سواء أكانت هذه العناصر مادية أم معنوية، كالمصالح السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية، وأعلاها مقومات الشخصية والأهداف العالية.

  وقد ياخذ هذا الاجتماع في حال اكتماله صورة انضمام متواز ومتكامل أو اتحاد، في تجانس وتناغم وتناسق، لكن من غير ذوبان أو فقدان للملامح المميزة لكل أمر.

  والائتلاف بهذا كالاتفاق، ـ عند المناطقة ـ ليس مما يكون دائما وفي الغالب، ,لا مما يكون موجودا بالضرورة وبطبيعة الأشياء، ولكن قد يقصد إلى إنشائه وإحداثه، كما هو الشأن حين يتحقق الائتلاف وفق مصالح معينة.

  ودعوة الإسلام إلى الائتلاف واضحة في آيات الدرس.

  وأما الاختلاف فيكون بالتضاد:

                     كالوجود والعدم،

                     والخير والشر،

                     والصدق والكذب،

 والأعلى والأسفل،

                     واليمين والشمال،

 والخلف والأمام،

  وهذا هو الاختلاف في معناه المادي الملموس المرادف للتناقض. ومن خير ما يمثله في التعبير الشعري قول عروة بن حِزَام العذري:

            هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى

                                        وإني وإياها لمختلفان

  والاختلاف ـ كما عند بعض المتكلمين ـ هو ما ليس تضادا ولا تماثلا.

  ويتم التمييز بينه وبين الخلاف بأن الاختلاف يقوم على دليل، في حين أن الخلاف لا يبنى على دليل.

  وقد يكون الاختلاف في نطاق تداخل، وفي إطار علاقة بين الخاص والعام، أو بين البعض والكل، مما يسميه المناطقة اختلاف إيجاب.

  وهو ما يمكن أن نعتبره من التعدد والتنوع داخل الائتلاف.

                              


ارتباط الهوية بالإسلام

  إن الهوية بهذه الأبعاد ترتبط أشد الارتباط بالإسلام الذي يدعو إلى التشبث بها لاقترانها به، باعتبارها هوية المنتمين إليه، مع الحث على الائتلاف ونبذ الاختلاف. وهو ما أكدته آيات قرآنية كثيرة يكفي أن نقرأ منها قوله تعالى:

  "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"(سورة آل عمران الآيات 102 ـ 105 ).

  فهذا النهي بصيغة الاستثناء في قوله عز وجل:"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" هو دعوة إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية والتمسك بها، إذ يعني  ملازمة الإسلام في جميع أوقات الحياة. وهو كناية عن هذه الملازمة، ولا يعني الموت على الإسلام مع مفارقته أو عدم التزامه قبل الموت. وهذه إحدى صيغ النهي في القرآن الكريم، إذ القصد منها هو النهي عما يتصل بالمنهي عنه لفظا.

  وتوضيحا لما ينبغي أن تكون عليه الهوية وتفضي إليه، تنتقل الآيات بعد هذا النهي إلى الغرض الرئيسي منها وهو الاتحاد، فتبين شكل الاتحاد الذي ينبغي أن يكون بين المسلمين وتوضح صورته منبهة إلى ضده:"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا":أي تمسكوا بالدين وبالقرآن الكريم وسنة نبيه. وهو استعمال قائم على استعارة تصريحية، إذ استعير المشبه به وهو الحبل للمشبه. في هذا الجزء من الآية، يشار إلى أربعة أمور:

أولا أن نعتصم، أي نلتف ونتماسك ونكون صفا واحدا.

 ثانيا أن يكون هذا الاعتصام حول هدف معين، وهو دين الله، أي كتابه وسنة نبيه،. يقول ص مؤكدا هذه الصورة التمثيلية:"إن هذا القرآن طرَفُه بيد اله وطرفٌه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تَضِلوا ولن تهلكوا بعده أبدا"(رواه الطبراني في الكبير عن أبي شريح الخزاعي).

ثالثا أن نعتصم جميعا، أي أن يكون هذا التمسك جماعيا وليس بشكل انفرادي. ولا يتحقق هذا إلا بشمولية الاعتصام، أي بأن نكون أمة متحدة.

رابعا ألا نتفرق، أي ألا نفعل عكس هذا. ولا يكتفي القرآن الكريم بالتنبيه إلى أهمية وحدة الصف والهدف وخطر التمزق والتفرقة، ولكنه يزيد الأمر بيانا وتوضيحا، فيذكر بالتاريخ وواقع العرب قبل الإسلام مما هو معروف؛ وقد تحدث عنه التاريخ والأدب. يقول الشاعر الأموي أرطأة الذبياني:

            ونحن بنو عم إلى ذاتِ بَيْنِنا

                               زرابيُّ فيها بِغْضَةٌ وتنافس

ويتبين هذا التذكير في قوله عز وجل في الآية نفسها:" واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"

  إنه تعالى يذكر العرب بحالة العداوة التي كانوا عليها قبل أن ينعم عليهم بالإسلام الداعي إلى الأخوة والألفة والاتحاد.

  وتزيد الآية الكريمة فتذكر بنعمة أخرى هي نعمة الإنقاذ من الهلاك الذي كانوا على وشك الوقوع فيه، في الدنيا نتيجة تناحرهم،بالإضافة إلى إنقاذهم من النار في الآخرة.

  والتشبيه ب"شفا حفرة" هو كذلك من باب الاستعارة التي هي هنا تمثيلية. وتستمر الآيات الكريمة في إبراز أهمية ظاهرة الاتحاد، فتدعو المسلمين بعد أن يجتهدوا أن يكونوا أمة باعتبار الأمة مظهرا عمليا وملموسا للاتحاد والاعتصام، بل هي تأمرهم بذلك وتوجبه عليهم:

  "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"

  إنها دعوة لتكوين الأمة في مفهومها المجرد المطلق، وليس في مفهومها الإيديولوجي، باعتبارها مجموعة بشرية ـ شعب أو عدة شعوب ـ تشدها مجموعة من الروابط الدينية واللغوية والجنسية والثقافية ـ كلها أو معظمها ـ ويكون الزمان فد صهرها لتوافق بين أفرادها وتتفاعل في بوتقة الاستقرار في وطن أو أوطان معينة، مع تأكيد الرغبة في بلوغ أهداف مشتركة، وتقوية أواصر الوحدة والائتلاف.

   والتركيز على الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو في الحقيقة تلخيص لمختلف الوظائف التي على الأمة أن تنهض بها في مفهوم الإسلام، من حفظ الشريعة وتطبيق أحكامها، وإقامة العدل وتحقيق التكافل والتضامن، وتنظيم الجهاد للدفاع عن الكيان والنهوض بالعمران وما به تتحقق الحية الكريمة، من تعليم وتثقيف وتنمية للموارد والإنتاج .

  ونقرأ في السورة نفسها: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"(الآية 110)  وهي آية كثيرا ما نرددها دون استيعاب مدلولها، إذ الخيرية فيها مرتبطة بشرط أساسي توضحه بقية الآية: " تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله".

  ثم تتابع الآيات التي مثلنا بها مزيدا من التنبيه إلى خطر التفرقة ومآلها: " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات  وأولئك لهم عذاب عظيم"

  وإذا كانت دعوة الإسلام إلى التشبث بالهوية واضحة في هذه الآيات، فكذلك هي واضحة فيها وفي غيرها وفي كثير من الأحاديث النبوية الشريفة إلى الائتلاف ونبذ الخلاف، كقوله تعالى يخبر رسوله الكريم ص أنه عز وجل هو الذي جعل المومنين يتآلفون حوله ويأتلفون، وما كان لهذا أن يتحقق بدون الدين"هو الذي أيدك بنصره وبالومنين وألف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم"(سورة الأنفال الآيتان 62 و 63 )

  ويقول سبحانه ناهيا عن الاختلاف والتنازع:"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"(سورة الأنفال الآية 47)، أي تذهب قوتكم وتصبحوا ضعفاء؛ وهي كذلك استعارة في التعبير. ويقول تعالى مبينا أن الرسول ص متبريء من المتنازعين:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لستَ منهم في شيء"(سورة الأنعام الآية 160 )

  وقد أخبر النبي الكريم" أن الله عز وجل رضي لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا، رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تنصحوا لمن ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".(أخرجه ابن حنبل عن أبي هريرة).

  وفي هذا السياق خط رسول اله ص خطا ثم قال:"هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال:"هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"(رواه ابن حنبل عن عبد الله بن مسعود)، ثم قرأ:"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتَّبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله"(سورة الأنعام الآية 154)

  ويقول رسول الله ص:"من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"(أخرجه ابن حنبل عن عمر بن الخطاب ض).

  ويقول ص كذلك:"يد الله مع الجماعة"(رواه الطبراني عن عرفجة بن شريح. وفي رواية للترمذي عن ابن عباس:"يد الله على الجماعة").

  وفي الأمثال العربية ما يعزز هذه  الدعوة، كقولهم:"المرء قليل بنفسه كثير بأخيه"ومثل هذا كثير في الشعر كقول أحدهم:

                     تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

                                                  فإذا افترقن تكسرت آحادا

  ويقول ص محذرا من  التفرقة:"عليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية"(رواه ابن حنبل عن الدرداء)، و"إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ياخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشتات وعليكم بالجماعة"(رواه أحمد عن معاذ).

  وهو بيت تصاحبه حكاية الرجل الذي جمع أولاده قبل أن يموت، وطلب من كل واحد منهم أن يكسر حزمة من العصي ضم بعضها إلى بعض، فلم يستطع أي منهم أن يكسرها. وحين فكها تمكنوا من كسرها بسهولة، فقال لهم:"أنتم كهذه الحزمة، إن بقيتم مجتمعين فستظلون أقوياء لا يجرؤ عليكم عدوكم، وإن تفرقتم كنتم له لقمة سائغة وقضى عليكم بسهولة".

  هذا هو منظور الإسلام للهوية من خلال توجيهات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وما يعززهما من حكم التراث وما يملأه من أدبيات إرشادية، فما هو الموقف من العولمة؟ وقبل ذلك، ما هي العولمة؟

                              


العولمة

  إن العولمة نظام يسعى إلى فرض خططه المالية والاقتصادية والتسويقية، ومن خلال ذلك فرض أفكاره ومناهجه، ثم بعد هذا فرض قيمه وأنماط سلوكه، ليصل في النهاية إلى فرض هيمنته وسيادته. هو بهذا يشبه الاستعمار إن لم يكن يمثل أعلى درجاته ومراحله، إذ هو بوسائله وإمكاناته والظروف التاريخية التي يوجد فيها، يتعدى كل مظهر استعماري سابق. ونحن الذين جربنا هذا الاستعمار في شكل ما من أشكاله، لم نكن نشعر بهذا الذي تهددنا به العولمة اليوم، ليس فقط لأن الأهداف الاستعمارية كانت محدودة بما تقتضيه المصالح الظرفية يومئذ، ولكن لأن هذه الأهداف كانت تقاوم بروح وطنية قوية بذاتها، مقتنعة بحقها، مسلحة بهويتها، لا يداخلها الخور والهوان، ولا ما يثبط العزائم ويفشل الهمم؛ إلى حد أننا كنا نرفض كل المستجدات التي أدخلها الاستعمار ـ وكانت في الحقيقة قليلة ـ مقابل أن نسترجع استقلالنا وحريتنا، وعلى الرغم من أن طبيعة المرحلة التاريخية اليوم مخالفة، وأن القدرات العلمية والإنتاجية متطورة، وأن الوسائل والأهداف بالتالي متغيرة؛ وعلى الرغم من أننا مطالبون ليس برفض التقدم مقابل الحفاظ على وجودنا ـكما كنا نفعل من قبل ـ لأن الاندماج يفرض نفسه، فإن الذي علينا أن نفعله هو أن نختار أي نوع من الاندماج سنسلك سبيله، هل هو اندماج نفيد به من آثار التقدم وما ينتجه الآخر نستهلكه وندور معه كيفما دار؟ أم هو اندماج نشارك فيه بقدراتنا العلمية والاقتصادية والثقافية، مؤهلين للتبادل والتنافس، في نطاق كيانات أو كيان قوي ومتماسك ومشدود بعرى هوية لها مقومات راسخة وإمكانات إبداعية تجديدية؟

 

  هذا جانب من مفهوم العولمة، وهناك جانب آخر، هو أن العولمة في المفهوم الذي ساد والذي تعتقده الولايات المتحدة الأمريكية، تعني وحدة القطبية التي تتحكم في الكون بأسره، سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا.

  والحقيقة أن من يتأمل الوضع الراهن على مستوى العالم، يلاحظ تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بهذه القطبية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان من قبل يشاركها هذه المكانة.

  وزاد في تقوية هذه القطبية الأحادية، ما تعرفه الولايات المتحدة من تقدم تكنولوجي تتمثل قوته في الثورة التي تعرفها المعلوميات، والتي أحدثت تغييرا في المفاهيم والمسارات التابعة لها؛ بدءا من الاقتصاد العالمي وإمكانات توجيهه والسيطرة عليه. وهو وضع تواكبه المجموعة الأروبية أو تسير في ركابه، علما بأن الدول الأسيوية تزاحم فيه وتنافس بمهارة واقتدار.

  إلا أن تأثير هذه الثورة يضعف حين يتعلق الأمر بالثقافة التي يبدو أنها لن

تنقاد ـ كما انقاد الاقتصاد ـ سواء بالنسبة لأروبا أو آسيا. فتمسك الأروبيين أن معظم هؤلاء  بهويتهم أو هوياتهم الثقافية واضح، ومثله تمسك الأسيويين، إن لم يكن هؤلاء أكثر تشبثا وإيمانا بثقافتهم.

 

  والسبب كامن فيما لهؤلاء وأولئك  ـ أقصد الأسيويين والأروبيين ـ من إرث ثقافي غني يشكل هوياتهم بثوابت راسخة، تتمثل على الخصوص في اللغة وما يرتبط بها من فكر وأدب وقيم تجعلهم بها يصمدون، غير قابلين للاندماج في السياق الثقافي الذي تحاول فرضه تلكم الثورة. وهم بهذا الرفض موقنون أن حرصهم على ثقافتهم لا يحول، بل لم يحل دون التنافس في عالم الاقتصاد والتبريز في هذا التنافس.

  يؤكد هذا ما حدث مؤتمر سيتيل أوائل شهر دسمبر 1999 ، للدول النامية وبعض الدول الأروبية فيه من موقف، بشأن القيود التي ستفرض على الدول النامية لعرقلة صادراتها، وبالتالي عرقلة اندماجها في العولمة. ولعل الإشارة قبل هذا أن توجه إلى ما يعانيه الاتحاد الأروبي بشأن التمسك بالهوية والمقوم الثقافي واللغوي فيها على الخصوص، وما تعانيه تركيا المسلمة في مشكل انضمامها لعضوية هذا الاتحاد، إذ ينظر إليها بحذر شديد، وإن أعطيت مؤخرا حق الترشيح لهذه العضوية. والسبب في هذا الحذر راجع إلى هويتها الإسلامية. هذا في الوقت الذي نجد أن دول أروبا الوسطى والشرقية التي كانت خاضعة للهيمنة السوفياتية تسعى إلى الانضمام إليه، على الرغم من أنها في أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذا في مستواها التنموي لا ترقى إلى مستوى الدول الأروبية الأخرى؛ مما يوسع دائرة اتحاد هذه الدول من ستة إلى خمس عشرة.

  وعلى الرغم من أن الانضمام إلى هذا الاتحاد يقتضي تماثلا في الهوية واقتصاد السوق والديموقراطية، فإن دولا كثيرة لا يتوافر فيها هذا التماثل، في الوقت الذي يراد إقصاء تركيا بعلة الإسلام.

 

  وهذا يؤكد أن وضع الدول العربية والإسلامية يدعو إلى القلق والانزعاج، لأنها تعاني تخلفا عن الركب، وإن كانت في معظمها تمتلك إمكاانات المواكبة، إن لم أقل السبق، لأن نتاج الثورة التكنولوجية أصبح متوافرا ومتيسرا فيها؛ إضافة إلى أن صانعي هذا النتاج وخبراءه هم بنسبة عالية من الذين كونتهم الدول العربية والإسلامية وأنفقت على تكوينهم، ثم هم يهاجرون إلى أروبا وكندا والولايات المتحدة؛ أو بالأحرى تبحث عنهم هذه البلدان بمغريات كثيرة ليقووا مكانتها في هذا المجال.

 

  ولو أن الأقطار العربية والإسلامية أدركت أهمية هذه الظاهرة وخطرها، وأتاحت لأبنائها فرصة توظيف علمهم وخبرتهم داخلها، لكان وضع هذه الأقطار على غير ما هو عليه.

  والأسف أن معظم هؤلاء الأبناء العلماء الخبراء يعانون نزاعا ثقافيا في أعماق ذواتهم، بسبب منظورهم للثقافة العربية الإسلامية التي قد يقرون بما لها من إرث خصيب، ولكنهم يرونها تعاني ـ بحق ـ واقعا يحول دون تطورها وتجددها لإكسابها قوة على مواكبة العصر. ويرون ذلكم الإرث عبئا يثقل كاهلها، مما يذهب ببعضهم إلى القول بأنه لا مجال للتقدم إلا بالتخلص منه، في إطار التحرر والتفتح الذي ستتيحه العولمة.

 

  وهنا تجدر الإشارة إلى أن تيار العولمة سيحمل للشعوب بالفعل أنماطا من هذا التحرر والتفتح، إلا أنها لن تفيد منها إلا فئة معينة من هذه الشعوب، طالما أن معظمها ما زال يرزح تحت وطأة الفقر والأمية والحياة التقليدية، بعيدا عن وسائل الحضارة الحديثة، حتى ما أصبح من هذه الوسائل متجاوزا. وهذا لا شك عائق يمنع اندماجها في التيار، بل لربما ستزيدها العولمة تهميشا وتخلفا سيفرضان عليها مزيدا من القهر والاضطهاد، ليس من قبل العولمة مباشرة، ولكن من قبل الفئة المحلية المستفيدة منها، أي من قبل النخبة المؤهلة التي قد تواجه على المدى القريب أو البعيد صراعا داخليا، أو صداما مع الفئات غير المستفيدة.

 

  مهما يكن من هذا الأمر، يبقى النظر إلى العولمة، باعتبارها نظاما أو تنظيما جديدا للعالم، مؤسسا على بنيات اقتصادية وإعلامية تسعى إلى فرض هيمنتها على مختلف الدول التي ستجد نفسها ملزمة بقبول هذه الهيمنة والاستسلام لها إن هي لم تقدر على المشاركة بفعالية في هذا التنظيم، إنتاجا وتسويقا، وتوسلا بالوسائل التقنية التي تتخذها لذلك. وإذا هي لم تفعل، فإنها ستركن إلى الخمول والجمود والإغراق في التخلف والتدهور.

                              


البعد الثقافي

  إن حقيقة الأمر ليست بهذه الحتمية التي قد تبدو لأول وهلة، إذ يظل للبعد الثقافي في ارتباطه بالهوية أثره الفعال ـ مهما يكن موقف المعارضين له ـ وربما من مظاهر أثره جانبه الفكري والعلمي الإبداعي الخلاق الذي هو أساس كل تقدم معرفي؛ وبه أدركت المجتمعات المتفوقة ما بلغت في هذا المضمار. وما أحوجنا في مرحلة أولى إلى بعث الثقة في نفوسنا وقدراتنا، وكذا تحريك الإرادة للعمل بدل التأمل اليائس أو التحليل المثبط.

 

  وإننا حين نتحدث عن الثقافة باعتبارها مكونا أساسيا في الهوية، فإننا نعني أمرين اثنين:

 

الأول: مرتكزات هذه الثقافة ودعائمها الثابتة التي يمكن القول بأنها تشكل ـ عبر اللغة ونسقها الفكري والمعرفي ـ روح تلك الثقافة، بكل ما يميزه من خصوصيات، بها تختلف عن غيرها من الثقافات؛ على الرغم من كل أنواع التداخل الموجود بينها، وجميع أشكال التأثر والتأثير. ولا شك أن هذا الروح الثقافي ـ إن جاز التعبير ـ يبقى   مستمرا على امتداد التاريخ، محتفظا بكنهه وطابعه، مهما تكن عوامل التغيير التي تواجهه.

 

الثاني:مكتسبات هذه الثقافة ومستجداتها على مر العهود، بما يجعلها في كل عصر ـ وفق مدى وعيها وما لها من طاقة إبداعية ـ تغتني متأثرة بظروفها المحلية، وبما تحتك به خارج إطارها، مما يزخر به هذا العصر، وما يكون له من مظاهر وظواهر، وما يتعرض له من مشكلات وأزمات بها ومعها تتفاعل الثقافة ـ أية ثقافة ـ أخذا وعطاء؛ مما يمنح هذه الثقافة سمات تربطها بالعصر الذي عاشته، وما كان فيه من مخاض وما ميزه من ملامح.

 

  وحين تحقق الثقافة مثل هذه السمات، فإنها تبرهن عن حيوية ذاتية وقدرة على التطور والتجدد، في سياق التحديث المؤسس على الأصالة، بغض النظر عما بين هذه المصطلحات جميعها من شبه أو اختلاف، وعلى الرغم مما قد يظن البعض من أنها طارئة على الثقافة العربية، مع أن الفكر الإسلامي كان سباقا إلى استعمال مصطلحات مماثلة، وربما أقوى في التعبير وأعمق في الدلالة،كالتأصيل والتجديد والاجتهاد، مما هو معروف.

 

  على أننا لو تأملنا هذا المصطلح الأخير (الاجتهاد)ن لوجدناه يشكل أساسا منهجيا يقوم على ضبط محكم لقواعد وشروط منظمة عقلية وفكرية، يحث بها وانطلاقا منها ليس فقط على تطوير المعرفة وتوسيع آفاقها عبر التعمق في قضايا الدين عامة ومسائل الفقه خاصة، ولكن يدعو من خلال ذلك إلى ربط الشريعة والحياة بآصرة توفق بين الدين والدنيا، في احتواء لأي واقع كيفما كان، أي لأي زمان ومكان، بمنظور مستقبلي يهدف إلى تجديد المعرفة كي تبقى حية وقادرة على مواكبة مختلف الظروف والأحوال.

 

  إن الاجتهاد في عمق مدلوله يعني النظر باستمرار، وبفهم متطور وتأويل لائق، للنصوص الشرعية الثابتة لتوسيع مراميها، وجعلها قابلة للتطبيق، وصالحة للاحتكام إليها، والالتزام بها في كل زمان ومكان، وفق مقتضيات الحياة ومتطلبات الناس المتجددة . وإن أغلق باب هذا النوع من الاجتهاد، بقي المسلمون حائرين أمام مايقع لهم، مما لم ينص فيه، أو في مثله على حكم، وقد يلقون تهمة النقص على الدين، وربما يسيرون مع ما يبدو لهم حسب الهوى والشهوة والمصلحة، فينتهي بهم الأمر إلى أحكام فاسدة تتصادم والإسلام.

 

  ولعل الاجتهاد اليوم غدا أسهل وأيسر من ذي قبل، بسبب التطور الهائل الذي تعرفه المعرفة في شتى جوانبها، وكذا بسبب توافر المصادر والمراجع، لاسيما في المجال الإسلامي وما يتعلق منه بحديث رسول الله ص وكتب الفقه المختلفة. هذا حين تتجاوب الثقافة مع عصرها، أما حين يجتاز الثقافة عصر أو بعض من عصر، إن لم أقل جملة عصور، وتبقى على حالها، من غير أن تغتني بما عاصرته؛ فإنها حينئذ تكون راكنة للخمول والجمود، وعاجزة بالتالي عن مواصلة المسير ومواكبة التاريخ وتعاقب الأجيال.

 

  وما يقال عن الثقافة يقال كذلك عن الحضارة، إذ هي في نطاق ثوابتها الدالة المميزة، تكون لها مجالات التفاعل مع غيرها ومع عصرها بما فيه من متغيرات.

 

  وإذا كانت كل مرحلة من التاريخ تتيح للمجتمعات التي تعيشها إمكانات للتطور والتجدد، فإن المرحلة الحديثة والمعاصرة بما تعرفه من تقدم هائل في مجال العلم والتكنولوجيا وشتى ميادين الاكتشاف والاختراع، تجعل العالم المتفوق يتبارى ويتسابق في هذا المضمار، غير آبه بالمتخلفين عن الركب، اولئك الذين لا يستطيعون المواكبة أو يترددون في أخذ الطريق؛ إضافة إلى الذين يعجزون عن المشاركة بفاعلية وإيجاب.

 

  وإننا حين نتأمل الثقافة العربية على مدى العصور التي اجتازتها، ننتهي إلى أنها في نطاق مقوماتها الراسخة ـ يوم كانت قوية في ذاتها وقادرة على الانفتاح والتفاعل ـ تمكنت من أن تأخذ وتعطي وتتبادل التأثر والتأثير، مما أغناها وبوأها مكان الصدارة وموقع التميز. ولكنها حين بدأت في العصور المتأخرة تعاني آثار الضعف والانهيار، حبست نفسها في انغلاق حافظت به على دعائمها التي كانت ثابتة. ـ وهذا شيء إيجابي ـ ولكنها أقفلت دونها كل باب كانت تخشى من أن تتسرب لها منه رياح التغيير، فظل طابع التقليد يستبد بها، مع تفاوت في ذلك بين المجتمعات العربية. ونكاد نجزم بأن مجتمعا كالمجتمع المغري بكل مكوناته، وبحكم التحديات العنيفة التي كانت تواجهه، و التي كان يضحي بكل غال ونفيس لدفعها ورفضها،والتي تمثلت آخر صورها في فرض الحماية غليه، على الرغم من موقعه المفتوح، وربما بسبب هذا الموقع.

 

  وحين يحرر المغرب من الاستعمار واجهته قضايا تأسيسية ونائية كثيرة كان من بينها ما يمس التعليم والثقافة عامة. ووقعت تعثرات في محاولة معالجة هذه القضايا، وتراكمت من جراء ذلك مشكلات لم يكن من السهل حلها، بل ليس اليوم من السهل إيجاد الحلول الناجعة لها. فكان أن بدت الثقافة المغربية كالمرقعة بألوان مختلفة قد يتحقق بينها انسجام وغالبا ما لا يتحقق.

 

  فعلى الرغم من تمركز الثقافة العربية بمكوناتها الأصيلة الراسخة ومحاولاتها التحديثية، فإن عناصر الإزعاج والتشكيك والمزاحمة ـ  سواء على مستوى اللغة والفكر أو على مستوى الوعي والإدراك ـ يَزيد تفاقمها يوما إثر يوم، ومعه تزيد العوائق النفسية والمادية التي تعرقل التألق، وتحول دون إبراز المؤهلات الذاتية للاندماج في العصر ومسايرته فيما هو صائر أو مقود إليه؛ مع المحافظة على ما به يكون التمايز والتباين.

 

  والحق أنه لولا عنصر العقيدة الراسخ في النفوس وما له من أثر في تعميق الإحساس بالمكونات الثقافية والمقومات الوطنية كذلك، لانتهى الواقع الثقافي إلى شتات تبعثره الأهواء والنزوات والانحيازات المشبوهة.وبعض ذلك يتجلى في أزمة التعليم أو التعلم بصفة عامة.

  ومعلوم أن الثقافة ليست رديفة التعلم، وإن كان هو إحدى وسائل إدراكها؛ ولكنها هي تلكم المعرفة الشمولية النابعة من حس بالوجود، ومن منظور مقترن بالقدرة على اكتساب المعارف وهضمها وتأملها والاستنتاج منها، واتخاذ موقف منسجم مع الذات ومع مختلف ما يشكلها من مقومات، ومن بعد إنساني عميق مداره القيم.

 

  ون ثم، فهي بهذا البعد لن تفقد موقعها ورسالتها مندحرة أمام التقنيات الحديثة، كما أن المثقف لن يفقد دوره في حراسة القيم والتبشير بها، باعتباره صاحب طاقات إبداعية وقدرات خلاقة. ولن يفقد بعد ذلك دوره في المجتمع، مهما تكن سيطرة الوسائل الإعلامية الحديثة وسطوتها.

 

  ومع ذلك، فإن الثقافة ـ من حيث هي إبداع معرفي وقيم وتصورات ومشاعر وأنماط سلوك،وتراكم تراثي وطاقات إبداعية. ومن حيث هي بطبيعتها تتبادل التاثر والتأثير مع مختلف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في محيطها ـ ستساير بتلقائية أو باضطرار توجهات العولمة، في ضغط على الثقافات المحلية أو في تجاهل لها، مما سيكون له مفعول قوي على هذه الثقافات؛ إلا أن تكون قادرة على الصمود وفرض الذات على العولمة نفسها، أي بانخراط فيها لا يكون قائما على الانقياد والتبعية العمياء، ولكن على الإضافة والإغناء، بما يؤكد قدرة أصحاب هذه الثقافات على الاستمرار بكياناتهم والمساهمة بإنتاجهم  في تخفيف حدة وقع الجانب الاقتصادي على الثقافة، وفي سعي لتطوير هذه الثقافة من الداخل، وفي استفادة من التكنولوجيا الجديدة، حتى تكون قادرة على مواكبة متوازنة.

 

  لقد أتاحت هذه التكنولوجيا للثقافات ـ عبر الأنترنيت ـ مدى من الانتشار لا حد له، إذ جعلت المعارف والأخبار متسربة بدون حواجز، وفي متناول كل من يتحكم في الإعلاميات الحديثة أو يتوسل بها؛ ونقلت الثقافة من مفهومها التقليدي المرتبط بالكتاب إلى مفهوم جديد يشدها إلى الحاسوب.

 

  وهذا ما أعطى للثقافة بعدا صناعيا وآليا قد توصف به هذه الثقافة بأنها"ثقافة إلكترونية"، مقابل ما كان معروفا عندنا بالثقافة المكتوب أو الثقافة الشفوية.

 

ولكن هذه الظاهرة لا تشكل خطرا على النحو الذي يراد تقديمه، للإغراء بالوسائل الحديثة، واليأس من الوسائل المتداولة وأهمها الكتاب؛ إذ ستظل للكتاب قيمته، وللقلم قيمته ؛ إن لم يكن في جميع المجالات، ففي مجالات فكرية وإنسانية معينة.

  وهذا لا يعني أن نتباطأ في إشاعة استعمال الأنترنيت، للتفتح على العالم واختراق آفاقه المختلفة بحرية وتلقائية. ولكن لا ينبغي أن يقتصر الاستعمال على التلقي، أي تلقي ما يريد الآخرون أن يبلغونا إياه، للتزود المعرفي به أو لمجرد التسلية،  ولكن علينا إضافة إلى تلقي ما هو نافع ومفيد،أن نوظفه للتبليغ ولإيصال ثقافتنا إلى الآخرين، اولئك الذين يعتمدون على الوسائل الإعلامية الحديثة ويتخذونها نافذتهم الوحيدة على العالم.

   إننا جميعا نلاحظ مدى انتشار وسائل الثقافة التكنولوجية وأدواتها الآلية بتشجيع من القائمين على شؤون الدولة في مختلف القطاعات بالنسبة لبلدان عربية وإسلامية كثيرة، ولكن هذا الانتشار يبقى محدودا من جهة، ورهين استعمالات معينة قد لا تكون في خدمة التنمية الفكرية والاجتماعية، بقدر ما تكون موجهة لأغراض بعيدة عن هذه التنمية إن لم تكن عائقا لها.

 

  وهذا ما يثير إشكالية العلاقة بين المعرفة والسلطة. فمهما تكن هذه العلاقة الحميمية والعميقة التي تشد المعرفة إلى السلطة، أو هذه إلى تلك بوجه عام، أو في الفكر الإسلامي بوجه خاص، فإن أي موقع ينتمي إلى جهاز رسمي في الدولة يحتاج إلى أن يعكس هذه العلاقة، لاسيما حين يتعلق الأمر بمقومات السلطة، متمثلة في "مقدسات" أو ثوابت عليها تقوم هذه السلطة، وتتطلب من صاحب الموقع أن يبرزها، بما يجعلها متلقاة عند المطلع عليها بشيء من الجاذبية تغري بالقبول، أو على الأقل بالرغبة في الاطلاع عليها وتأملها، وإيلائها ما جديرة به من عناية واهتمام وسط تزاحم المعلومات وتصارعها، على الرغم من الاختلاف الذي قد يكون لهذا المطلع، وهو كائن بالفعل، حين يقصد من الموقع فتح نافذة على الآخر المخالف في الهوية؛ فكيف حين يكون بفكره الحداثي العقلاني مهيئا لرفض ما يقدم له في هذا السياق. وهو موقف ناتج عن الجهل بالدرجة الأولى، قبل أن يكون نتيجة توجه عنصري مسبق. والأسف أن الترويج لهذا الموقف غدا يجد التجاوب والانتشار حتى بين الذين ينتمون إلى هذه الهوية. وهذا واقع يستلزم المزيد من الإلحاح على مكوناتها الثابتة ومقوماتها الراسخة.

 

   والحديث عن الترويج يقود إلى إثارة قضية الإعلام الذي هو أكثر الواجهات تعرضا للتغيرات المتلاحقة ووسائلها المستجدة، والأسف أن معظم أجهزتنا الإعلامية العربية والإسلامية تتعامل مع هذا التطور بتحفظ شديد، يكتفي بتقديم الحد الأدنى  من الأخبار، دون النفاذ إليها لسبر أغوار الأحداث بالتحليل العميق النابع من رؤى واضحة تنبثق من الواقع، ليس لتكريسه أو التهريج به، ولكن لتعريته والحث على تغييره، بما يبعث على وعي جديد من شأنه أن يشكل رأيا عاما قادرا على التمييز وعلى الاختيار، دون الحاجة إلى اعتماد الإعلام الأجنبي الذي يتوصل بإمكاناته التقنية والبشرية إلى احتلال موقع يصبح به المصدر والمرجع؛ على ما في المواد التي يقدم من توجيه وتحريف ودس.

 

  وإن هذه الأهمية التي غدت للتكنولوجيا الحديثة المتقدمة، تستدعي التفكير في جعلها متوافرة ليس بالنسبة لفئة معينة أو قطاع محدود، ولكن بالنسبة للمجتمع في أوسع نطاق؛ مما يعود بالنفع ليس على هذا المجتمع فحسب، ولكن قبل ذلك على تلكم الفئة وذلكم القطاع. والمقصود بالنفع جانبه المادي، وكذلك كل ما يعود على أفراد ذلكم المجتمع بالرفاه ورغد العيش والطمانينة والسعادة. ولعل أول شرط لتحقيق هذه الأهداف، هو أن يكون الإنسان متحكما في التقدم، وليس آلة في دواليبه؛ أي أن يكون التقدم في خدمته وليس العكس. وهنا لا شك ينبغي استحضار عنصر المباديء السلوكية والقيم الخلقية وتفعيل هذا العنصر. وللثقافة في هذا الاستحضار دور كبير، بل ربما للدين النصيب الأكبر فيه؛ لما له من أثر في إحداث التوازن اللازم بين التقدم العلمي من جهة، والسلوك الإنساني من جهة أخرى. وهو التوازن الذي يجعل الإنسان قادرا على الإفادة من إيجابيات التقدم  وتجنب سلبيات استعماله. وما استمرت الإنسانية وتطور مسيرها الحضاري والثقافي، على امتداد العصور ، إلا بهذا التوازن الذي قام دوما على التحديث، مع المحافظة على الثوابت.

 

وإن التحديث فيما يقتضي من تغيير، يتطلب الاقتناع أولا بمبدإ التغيير، وما ينبغي أن يشمل من بنيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ولا سيما البنية الثقافية التي لم تعرف أو لم يتح لها في المغرب مثلا أن تعرف تطورا عميقا في الوعي والفكر بسبب انعدام عنصر الحرية والإرادة وما كانت تفرضه الحماية الفرنسية على المغرب في هذا المجال، ثم بسبب ما تبنته السلطة في عهد الاستقلال من اختيارات رسخت بقصد وبدون قصد جملة الأهداف والمخططات الظاهرة والخفية التي كانت ترسمها الإدارة الاستعمارية؛ على الرغم من الانتشار الكبير الذي عرفته مختلف ميادين الثقافة، بدءا من التعليم الأساسي إلى الجامعي فالمؤسسات الموازية؛ ولكنه انتشار راهن على الكم أكثر مما راهن على الكيف. وحتى في هذا السياق، فإن الأمية عرفت زيادة تجاوزت الأربعين في المائة من سكان الحواضر، وتعدت السبعين في المائة على صعيد البادية.

 

ونتج عن هذا الواقع تشتت في الرؤى والتوجهات، كان فيه للعوامل السياسية المتصارعة القائمة على مجادلات إيديولوجية محدودة ، طوال خمسة عقود من الاستقلال، دور كبير خلف أسوأ الآثار.

  ويكفي لإبراز هذه الآثار أ، نشير إلى التخبط الذي يعانيه الفكر المغربي، حائرا أمام خيارات متناقضة، تبدأ من التمسك بثقافة تقليدية جامدة محمولة على هياكل هشة ومتجاوزة، إلى التحرر من قبضة كل ما يربط بهذه الثقافة، في تطلع إلى تغيير يمس الجذور.

 

  وعلى ما بين الاتجاهات المتنازعة من خلاف، فإنها جميعا تزعم الانطلاق من الهوية، سواء بالمحافظة على مكوناتها كما هي، حتى ما كان منها يحتاج إلى مراجعة وتطوير؛ أو برفض بعض هذه المكونات أو معظمها، في رغبة للتحرر الشامل منها، أو لتخفيفها بتخير بعض ما يمكن إدماجه منها في سياق العولمة؛ وإن كان كل اتجاه يرفض الآخر ويحاول إقصاءه، من غير أن تكمن له رؤية واضحة للواقع وللمستقبل، وفي غير اعتراف بهذا الآخر، وفي غير اعتبار لعواقب مثل هذا السلوك على المجتمع ككل؛ هذا المجتمع الذي يتخبط بدوره في مشاكل وأزمات لا تزيد إلا حدة واستعصاء على الحل وتهديدا بالتفجر، والذي فقد الثقة في علمائه ومفكريه وساسته وسائر نخبه التي تخلت عن دورها الريادي والقيادي الفاعل، و غلبت عليها ثقافة التبرير والتمرير والوصولية والاستسلام؛ ثم فقد الثقة في نفسه التي تعاني اليأس والإحباط؛ مما تجليه هجرة الأدمغة واليد العاملة، ولو بالتخلي الرخيص من المواطنة.

           


العالمية والخصوصيات المحلية

من عجيب أن الذين يذهبون إلى إدماج مختلف الهويات في بوتقة العولمة، على ما بينها من تناقضات، يتطلعون إلى ما يجمع ويوحد، وفي نفس الوقت ينكرون على المسلمين إمكان الاغتناء بالخصوصيات المحلية والإقليمية، ويعدونها عائقا دون التكتل؛ مع أن الإسلام في تعاليمه يدعو إلى العالمية ويقوم عليها؛ وقد جربها ومارسها في عهوده الزاهرة.

 

وإذا كانت العالمية ـ كما طبقها الإسلام ـ تستند إلى الاعتناء بما عند الآخرين، فإن العولمة في حقيقتها تقوم على ما سيعرض الكيانات الوطنية إلى ما يمس سيادتها، وكأنها تسعى بمسها سيادة الوطن إلى إحداث نمط جديد للمواطنة بعيد عن هذا الوطن.

ولكن الحق أن الوطن بمقوماته، متمثلا في الدولة، ليس معرضا بطريقة آلية إلى المس الذي قد ينسفه، أي ينسف سيادته.

حقا لقد غدا مفهوم السيادة في ظل المتغيرات الجديدة متعلقا إلى حد يسمح للمجتمع الدولي بالتدخل في حال قيام نزاعات داخلية في دولة ما، باعتبار أن هذه النزاعات إذا لم تواجه على هذا النحو، فإنها قد تكون مصدر تهديد لذلك المجتمع. وقد أثير هذا المنظور الجديد للسيادة في قمة الألفية الثالثة التي انعقدت في نيويورك، ما بين سادس وثامن سبتمبر 2000 ، والتي حضرها نحو ثمانين ومائة رئيس دولة وحكومة.

 

وعلى الرغم من أنه كانت تحدث في السابق تدخلات أجنبية سافرة تنتهك بها سيادة الدول، متسترة خلف مجلس الأمن، وحتى بدونه كاعتماد الولايات المتحدة على مجرد قرار من الكونجرس كما حدث في الهجوم على العراق في يونيو 1993 ؛ إلا أن المنظور الجديد يقنن التدخل ويفتح له الباب واسعا.ولا شك أن هذا التدخل سينصب على الدول تُلْصَق بها تهمة الإرهاب، أو الخروج عن القانون أو القوانين التي وقع التعارف عليها، ولو بالتواطؤ على من يعتبرون خصوما.

ومعروف أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء عصر الحرب الباردة، لم يعد للولايات المتحدة من خصم غير دول العالم الثالث، ولا سيما منها الدول العربية والإسلامية.

 

لقد سيطرت على الغرب منذ عهود الحروب الصليبية فكرة التمايز التي نظر بها إلى الدول العربية والإسلامية باعتبارها خصما تاريخيا وأبديا، وباعتبارها كذلك مصدر قلق وإزعاج، وباعتبارها قبل هذا وبعد خطرا يهدد الغرب لا مجال للاطمئنان إليه؛ لما تزخر به هذه الدول من إمكانات وثروات، ولما لها من حضارة وثقافة، وخاصة لما لها من دين لا يزيد مع الأيام إلا قوة وانتشارا. ولا يلبث هذا الشعور أن يتحرك في العرب كلما ظهرت في بلد إسلامي بوادر نهضة إصلاحية أو تطويرية.

 

ولا شك أن المرحلة الاستعمارية التي عاشتها أروبا مع دول عربية وإسلامية كان لها تأثير في تعميق هذا الشعور الذي انساقت إليها كذلك الولايات المتحدة التي لم يكن لها هذا الماضي، والتي كان يفترض فيها أن يكون لها موقف محايد بحكم أنها تشارك في الاستعمار، كما لم تشارك قبل في الحرب الصليبية التي سبقت وجودها.

ومن هنا يتضح أن الغرب بأكمله يتخذ موقف العداء من الإسلام، ليس بسبب جهله له، ولكن بقصد تشويهه.

ولعل التبشير بالعولمة من حيث هي قدَر لا مفر منه للذين يريدون أن يكتب لهم البقاء، داخل في هذا السياق العدائي المزمن؛ بغض النظر عما قد يكون في هذه العولمة من جوانب إيجابية.

 

ومع، هذا كله ، فإن أمر التحكم في السيادة ليس بهذه الصرامة والحتمية، والسبب أن التاريخ لم يخضع يوما لتوجه أحادي مفروض، مهما تكن القوى التي تسعى إلى هذا الفرض. وهو لن يخضع له على الرغم من أن هذه القوى اليوم تسلحت بالتفوق المالي والإعلامي والتكنولوجي والعسكري؛ لأن طبيعة الكون كما أرادها الباري عز وجل تأبى مثل هذا التحكم القسري الذي كانت له محاولات فاشلة، لعل أبرزها ظاهرة الاستعمار ورغبته في التوسع والهيمنة. والسبب كذلك أن الدولة بما لها من مسؤولية سياسية لا إمكان لتجريدها منها، تبقى بحكم هذا العامل وما يرتبط به قادرة على حفظ ذاتها من أن تبعثر أو تمزق، أو تتخلى عن نمط حياتها وما يشكله من مفاهيم وقيم تكون فيها متجذرة. وإن حدث لها شيء من ذلك، فهي غير جديرة بأن تكون دولة بالمعنى الصحيح الكامل.

وحتى إن كان هناك مس ما بالسيادة فإنه قد يظهر في الجانب الاقتصادي على صعيد التبادل والتنافس، في ترجيح ميزان هذا التبادل  لصالحه.

 

وحتى في هذه الحال فإنه لو تحقق تكامل اقتصادي بين الدول الإسلامية، أو بين الكيانات المشكلة لمجموعة هذه الدول، لأمكن إدراك تنسيق وتوازن بينها، ولأمكن بالتالي إحداث تجديد في هياكلها الاقتصادية بمنظور توحيديي، أقل إيجابياته أنه سيخفف ـ إن لم نقل سيزيل ـ الفوارق بينها، لا سيما فيما يتعلق بالقضاء على الفقر، وتوفير الغذاء واليد العاملة؛ إضافة إلى مختلف مقتضيات السوق التجارية، سواء على المستويات المحلية أو في مواجهة المجموعات الاقتصادية الأخرى.

 

ثم إن الدولة ـ أية  دولة ـ إن اهتدت إلى ما ينمي اقتصادها ويطوره ويحدثه، ويجعله قادرا على التكيف مع المقتضيات الجديدة، وكذا مع المتطلبات الداخلية التي يفرزها الواقع وما ينتج عنه من قضايا حقيقية أو مشاكل مفتعلة، تحتاج كلها إلى معالجة واعية بفكر علمي وتدبير عقلاني ونفسية متحررة واعتدال متوازن وسلوك قويم، فإن وقع العولمة على اقتصادها وعليها ككل، يكون أخف، إذ يكون الوطن أكثر حصانة وأقوى صمودا وأقدر على البقاء والاستمرار، بفضل مواطنيه الذين غدوا لارتباطها به كمقوم أساسي لهويتهم ولتشبثهم ببقية مكونات هذه الهوية، غير قابلين أن يكونوا مجرد سلعة للتبادل والاستهلاك، قابلين للتخلي عن كيانهم، ومستعدين لاكتساب آخر غريب جديد؛ مما يقتضي وجد ثروة بشرية غنية مكونة ومؤهلة للعطاء والإبداع، وقبل ذلك على الأخذ بمعرفة وخبرة وإدراك وتمييز. من هنا،فإن الذي لا ينبغي مسه هو مقومات الهوية، إذ المصالح الاقتصادية ـ على أهميتها ـ ليست هي كل شيء في العلاقات، وحتى هذه المصالح فإنها مهددة إن لم تكن محصنة بتلك المقومات وما تمثله من خصوصيات.

 

إن التواصل الذي تعرفه المرحلة المعاصرة يظهر العالم متشابها أو يكاد، لا مجال فيه لإبراز مثل هذه الخصوصيات، ولكن الأمر على غير ذلك، لأنه بقدر ما حدث التقارب، وقع التمسك الشديد بالهويات، في رغبة عند القوي لفرض هويته، وفي إصرار من الضعيف على رفض هذه الهوية.

وزاد في إبراز هذه الحقيقة أن الطرف القوي ـ وهو الغرب ـ يلح لفرض هيمنته الحضارية والثقافية على موقف معاد للدين الذي هو أبرز خصوصيات الهوية، مما عمق الإحساس بالنفور من هذه الهيمنة.

ومن ثم، فإن التواصل الحق لا يمكن أ، يتم إلا بإفساح المجال عند كل طرف لقبول الآخر، كما هو ووفق ما هو عليه.

إن المجال لا يتسع لتناول الأسباب التي ينبغي اتخاذها للإقبال على هذه المرحلة من التأمل والتفكير، والانتهاء منها إلى تحقيق الآمال.

 

فالأدبيات في هذا كثيرة، وتحتاج إلى فحص وتمحيص، بعلمية وواقعية وموضوعية، وبتفاؤل وإرادة، وإيمان بالذات، والقدرة على بلوغ الأهداف، وإنجاز مشروع حضاري يتسم بالشمولية والتكامل؛ إذ ما يجمع أكثر مما يفرق، سواء على المستوى الوطني أو العربي والإسلامي الذي هو في أمس الحاجة إلى اتخاذ مواقف واضحة من الذات ومن الآخر.

 

الموقف من الذات والآخر

إن علينا في المنطلق ألا نظل منبهرين بالتقدم الذي أدركه الغرب، لا سيما في مجال التكنولوجيا والمعلوميات، مقنعين أنفسنا بالعجز عن اللحاق به.

 

ذلكم أن مفاتيح هذا التقدم غدت ميسرة وفي متناول الجميع، ليس لاستهلاك الإنتاج وترويج بضاعته، ولكن للتمكن منه والإسهام في صنعه وفك غوامضه وأسراره، ثم توجيهه للخروج من مأزق التخلف. فغير خاف أن هذا التقدم الذي حققه الغرب ويحققه في هذا المجال، قائم في نسبة كبيرة منه على عقول تنتمي إلى عالمنا العربي والإسلامي وما يسمى بالعالم الثالث؛ إذ بعد أن ننفق على تعليم شبابنا وتكوينها سواء في الداخل أو الخارج، ياتي من ياخذهم ليبتلعهم لقمة سائغة، يغريهم بمرتبات عالية، وبوسائل متابعة البحث، مما لا يجدونه في أوطانهم. بل إن وكالات رسمية وشبه رسمية قد تأسست لاستقطاب هؤلاء الشباب وتسهيل أمر تهجيرهم إلى حيث تيسر لهم الحياة وظروف العمل، كما سلفت الإشارة إلى ذلك.

 

ومهما يكن موقع هؤلاء الشبان بالنسبة للمراكز العلمية وإمكان وصولهم بقدراتهم الإبداعية إلى امتلاك تلكم المفاتيح، فإنه لو تسنى لهم في بلدانهم بعض ما يتاح لهم خارجها، لاستطاعوا إقحام مجتمعاتهم في ميدان العلم ولأنهضوها بذلك لتنافس وتواكب وتحتل مكانا غير الذي  هي الآن فيه.

 

وبهذا تصبح الفجوة الفاصلة بيننا وبين العالم المتقدم أقرب مما نتوهم وأضيق، أي أن بالإمكان اللحاق به في فترة وجيزة نقطع بها المسافة الزمنية التي يراها بعض المتشائمين تمتد قرنا أو أكثر. وإن أولى خطوة في هذا السبيل هي الإيمان بالذات، لتجاوز احتكار التقدم واستغلال آلياته التي هي في الحقيقة ليست بيد دولة معينة أو مجموعة دول، ولكنها بيد شركات مضاربات همها مع فرض الهيمنة في السوق العالمية هو الربح.

 

ثم إن القصد الأبعد من التغلب على هذه المعضلة بالنسبة للمجتمعات الراعية، ليس ماديا صرفا ولا تقنيا خالصا، ولكنه ثقافي اجتماعي بالدرجة الأولى، لأنه سيحد من انتشار الثقافة التي تسرب هذه المجتمعات عبر الوسائل التكنولوجية الجديدة، أي سيقلص نفوذها؛ وفي نفس الوقت سيمكن للثقافة أو الثقافات الوطنية أن تجد لها مكانا ولو محدودا في نطاقاتها المحلية؛ مما لاشك سيحميها وقيمها من أن تتلاشى وتضيع، فريسة لثقافة الآخر، بل سيحميها حتى إعلاميا حين لا يبقى هذا الآخر هو المخير والموجه للخير، ولا يبقى بالتالي هو المهيمن في ساحة السياسة وما تفضي إليه من سوح كلها في النهاية تصب في السيادة.

 

إن النظر السطحي إلى الفارق الذي يفصل بين العالمين الغربي والعربي الإسلامي يفضي إلى اليأس من تجاوز الهوة العميقة الفاصلة بينهما، وقبل ذلك يفضي إلى الاندهاش والانبهار.وحين يرتبط ببصيص أمل، فإنه يؤدي إلى الاقتناع بأنه لا مجال للتغلب على بعض هذا الفارق، إلا بالتخلي عن مقومات الذات، للارتماء في أحضان الآخر، لعل ذلك أن يساعد على النهوض ثم التقدم. وعند فئة قليلة أن اللحاق ممكن إذا تم التوفيق بين هذه المقومات وما ينجزه الغرب المتفوق في مختلف المجالات الحضارية والثقافية. وهو خيار مقبول من حيث المبدأ، وطالما نادينا به ونحن نثير إشكاليات الذات والمعاصرة والأصالة والتجديد والثابت والمتغير وما إلى ذلك. إلا أن من الإنصاف أ، نعترف أنه كان شعارا أكثر ن كونه عنصرا حاثا على التشخيص، ثم التمثل الموضوعي فالتحليل الرامي إلى الاكتشاف الواعي بعوامل الالتقاء في الطرفين، والقادر على تأسيس فكر مبدع متطور، قابل لإحداث هذا الالتقاء بإيجاب، أي في إطار الذات وامتياحا من منابعها الصافية، في غير اجترار، ودون الانسلاخ عنها، وكذا بتحديد ما هو عند الآخر لا يتصادم معها، وصالح لتوفير أسباب بنيوية وجوهرية للمواكبة واللحاق، لاسيما في ميادين التكنولوجيا والاقتصاد.

 

وإننا في كل مرة نتحدث عن النظام الاقتصادي الجديد على سبيل المثال، لا نخفي تخوفنا من أ، يبتلعنا، من غير أن نفكر في إمكان تطوير اقتصادنا القديم وجعله قادرا على المواكبة والمنافسة والاندماج في دواليب الاقتصاد العالمية، ومن غير أن نفكر كذلك في المجال الفلاحي وأهميته بالنسبة لواقع المغرب، كنموذج، بل بالنسبة لمستقبله، نظرا للمشكل الذي يطرحه الغذاء. ومن المؤكد أنه سيطرحه بحدة في القادم من الأعوام، على الرغم من التقدم  التكنولوجي وما نتج وينتج عنه.

 

وهنا قد يثار سؤال حول دورنا ودور أمثالنا من الدول النامية في النظام الجديد الذي يفرض أنماطا ووسائل معينة. هل مجرد التعاون كاف لجعل هذه الدول تلحق بالمتسابقين؟ وإذا كان، فأي نوع من التعاون؟ هل فقط بملء فراغات معينة أو القيام بإنتاجات مؤقتة قد يستغنى عنها في المستقبل؟ أي قد يستغنى بها عن المنتج نفسه؟ أم بتقديم خدمات قد يستغنى عنها هي كذلك؟ أم ماذا؟ طالما أن الثورة التقنية ولا سيما في مجال المعلوميات تستوجب قدرات وطاقات وإمكانيات، وأهم من هذا تستلزم عقلية جديدة لاستيعابها وممارستها ومواجهة تحدياتها، ثم لمسايرتها وملاحظة تأثيرها في المعاملات والعلاقات عامة، وما قد يكون لها من آثار سلبية على كل ما هو محلي.

وهل بتوسيع هذا" المحلي" بواسطة تكتل مغاربي أو عربي أو إسلامي أ, متوسطي يمكن اللحاق بالركب؟ أم أن منظور الآخر لأي شكل من التكتل هو الفاعل الحاسم في الرفض أو القبول؟

 

ويبدو لعوامل كثيرة في طليعتها اختلاف الهوية، ولا سيما محورها الديني، المكشوف أو الخفي سيكون الحاجز الأكبر دون فسح المجال للاندماج.

إن علينا في جميع المستويات وعلى مختلف الأصعدة أ، نفرق بين ما هو ثابت وما هو طاريء وما هو من قيل التناقضات أو الأخطاء الناتجة عن سلوك معين، إذ لا ينبغي أ، يكون رد الفعل تجاه هذا السلوك منعكسا على ضرب الذات في عملية لا يمكن أن توصف إلا بأنها انتحارية.

 

ولعلنا في هذا السياق أن نتساءل: كيف ننظر إلى أنفسنا؟ وكيف ينظر إلينا الآخرون؟ ولا بد لنا في الإجابة أ، نعترف بأننا نعاني أزمة مع ذاتنا، وأزمة مع غيرنا، أي مع الآخر الذي تفوق علينا.

 

وعلى الرغم من الحذر الذي نتبادله وإياه، فإنه لا مناص لنا من أن نتعامل معه، ولا مناص له كذلك من أن يتعامل معنا، أي لابد لنا من أن نتعايش. وإذا كنا نحن مأخوذين بالغرب وما وصل إليه، فإن هذا الغرب كذلك مهتم بنا وبعالمنا الإسلامي؛ وهو اهتمام سيزيد لاشك خلال الألفية الثالثة. وما القضايا المثارة حول الصراع بين الحضارات والثقافات، وكذا حول الصحوة الإسلامية وما يلصق بها من إرهاب، إلا أحد مظاهر هذا الاهتمام وما يتوقع منه.

 

ومن ثم، فإنه لا مفر لنا من الدخول في العولمة ومواكبتها والمساهمة فيها، مهما يكن موقفنا منها. لكن كيف يكون هذا الدخول؟

                      

                              


الانخراط في العولمة

 

  حتى لا نكون متطفلين أو عالة أو مجرد مستهلكين أو أدوات استهلاك، فإن علينا أن ندخل في سياق العولمة بهويتنا الإسلامية، وقبل ذلك علينا أن نتخلص من عقد الماضي وما رسخه واقع التخلف في النفوس، مما يحتم أن نراجع ذاتنا من خلال مفهوم صحيح لهذه الهوية من شأنه أن يرد الاعتبار للشعوب الإسلامية، ويمنحها مكانتها الحق، ويجعلها ليس فقط قادرة على التكيف مع العولمة والإسهام فيها أو الاندماج، ولكن يجعلها مؤهلة لإيجاد التوازن  اللازم بين القوى الحالية أو المتوقعة في القرن المقبل. وهو التوازن الذي يمكن أن  ينقذ الإنسانية من طغيان هذه القوى، وإن كان الطغيان بطبيعته وبمنطق الدين والتاريخ  لا يؤدي إلى غير الخراب، علما بأن المسلمين يشكلون قوة يتجاهلها غيرهم أو يبدو وكأنه يتجاهلها، ولكن ليس من حقهم هم أن يتجاهلوها.

  إن علينا أن نعترف بضعف موقفنا أمام الآخر، ولكن كذلك بضعف موقفنا مع أنفسنا، لإيماننا المهزوز بهويتنا وعدم اقتناعنا بكل مقوماتها، ومن ثم ارتمائنا في أحضان هوية غيرنا، ولا سيما عبر مكوناته الثقافية والحضارية، باستلاب أفقدنا كل قدرة على التمييز بين السم والدسم فيما يقدم إلينا،أو نتسارع لالتقاطه بإعجاب وانبهار، وتجرد من الوعي والإرادة وإمكان التحكم في الذات، فضلا عن التحكم في غيرها؛ مما ينتج عنه عدم إدراك لحقيقة الأزمة أو الأزمات التي نتخبط فيها، ومن بينها الأزمة الثقافية والاجتماعية التي لا ننظر إليها؛ وإن نظرنا فبرؤية غريبة لا تراعي عنصر الهوية التي قد يتجاهلها البعض، وقد يتعامل معها آخرون بالسخرية والاستهزاء. وقليلون هم الذين يتعاملون معها بتعاطف يحث على تلمس مواطن الضعف والنقص لمعالجتها.

  وإنا إن نظرنا برؤية داخلية ـ وليست دخيلة ـ أي برؤية إسلامية، فسوف ندرك أنها تبدأ من اعتبار الإنسان اجتماعيا بطبيعته أي ميالا إلى بني جنسه، بالانضمام والالتئام للتعارف والتعاون وتبادل المصالح والمنافع، وقبل هذا وبعد استعداده الفطري لتشكيل جماعة تكبر أو تصغر ، وهو المنظور الذي جاء به الإسلام حين جعل وجود البشر قائما على طبيعة الاختلاف، وحين دعا إلى التعارف ين المختلفين، وفق قوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"(سورة الحجرات الآية 13 )وقد ربط هذا الترابط بالتواصي الذي هو أعلى درجات التواصل، على حد قوله عز وجل ففي سورة العصر:"ولعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"

  وهو ما حدا ببعض فلاسفة الإسلام كالفارابي في تصوره للمدينة الفاضلة إلى الحديث عن المجتمع الكامل الذي يبدأ بالوطن المحدود ليرقى إلى الأمة ثم ليبلغ أسمى مراحله في العالمية؛ في حين ينزل المجتمع الناقص إلى ما دون ذلك كله.

  وبعد هذا سندرك بنفس الرؤية، أن الأمة على الغم من كونها جماعة أو كتلة جماعات، فإنها لا تعني الدولة، أي المجموعة ذات السيادة والقوة وحق سن القوانين والقدرة على تطبيقها على أناس في إقليم معين تكون مسؤولة عن تدبير شؤونهم. ولكن الأمة قد تضم هذه الدولة أو عدة دول بها يكون التشخيص القانوني لتلك الأمة، وتتحقق إرادتها الذاتية، سواء في صيغة الدولة البسيطة أو في إطار الدولة الاتحادية المركبة، أي أن تكون أمة واحدة كم أرادها الله تعالى إذ يقول:"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعْبدون "(سورة الأنبياء الآية 91 ).

  وقيام الأمة الإسلامية كمجموعة لإحداث التوازن أو لحفظه تجاه قوى أخرى تسعى إلى الضغط أو إلى الاستبداد، لا يعني أن هذه المجموعة ستحار في أمرها، وستخلط الديني والدنيوي، وستقع لها مشاكل من جراء هذا الخلط. فما هو دنيوي واضح، وما هو ديني واضح، والعلاقة بينهما واضحة كذلك من خلال الجانب الخلقي القيمي الذي يوجه  كل أمور الدنيا حتى لا تصادم الدين في شيء. وقد سلف الحديث عن الأمة في الرؤية الإسلامية. 

  ومن عجيب أننا في أوطاننا الإسلامية كثيرا ما نعترض على الوحدة بحجة هذه الأوطان ومدى الارتباط بها، في حين أن التعلق بدولة الإسلام كان هو السائد خلال مختلف مراحل التاريخ. ولعل مفهوم الوطنية كان مندمجا في حس المسلمين بالانتماء الديني، وما لهذا الانتماء من حمولة حضارية وثقافية، بل لعل المفهوم الضيق للمواطنة لم يظهر بوضوح إلا مقترنا بالتحديات الأجنبية التي كانت تواجه العرب والمسلمين في أقطارهم، وما أعقبها من استعمار حث على تحرك الشعور الوطني لمقاومته والتحرر منه.

  وما إخال هذا الشعور الإسلامي إلا كامنا بعمق في نفوس جميع المسلمين، مهما تباعدت أوطانهم، لا يلبث أن يتقوى ويعلن عن نفسه كلما تعرضت المقدسات الإسلامية لأدنى خطر. وما قضية القدس الشريف إلا أحد مظاهر هذه الحقيقة.

  وهذا يعني أن المسلمين سبقوا إلى العالمية التي كانوا بموجبها ـ وهم يعيشون في أوطان مختلفة لها سيادتها ـ يخولون الدولة المركزية جوانب من هذه السيادة، وسبقوا كذلك إلى إنشاء تكتلات إقليمية على نحو ما كان في الغرب الإسلامي المتمثل في الأندلس والمغرب العربي.

  ثم إن الحديث عن أمة إسلامية هو حديث بالأساس عن جوهر صاف صحيح تنجذب إليه قلوب جميع المسلمين عبر العقيدة، وإن ضلوا أو ضل معظمهم السبيل في التماس ما يعيد للأمة وحدتها وقوتها وخيريتها، وفي يأس من كل التجارب التي حاولتها الأنظمة الوطنية للخروج من التخلف وتحقيق التنمية واللحاق بالعالم المتقدم.

  وهو يأس أدى ببعض الغيورين عن حسن نية وبدون سوء قصد في الغالب، إلى ركوب المتن الصعب بتزمت حينا وبتطرف حينا آخر، وفي تأثر بصراعات محلية ومواقف ذاتية وفي التحام بالمهمشين والجماهير المسحوقة اجتماعيا، واستفزازها بتعرية المنكرات المتفشية، وكذا إمدادها بالمعونات التي تقدم مقابل تأطير المعوزين، وتعبئتهم للاستغلال السياسي مهما تكن مظاهره؛مما لم يفض إلى إدراك الغايات المتوخاة على الرغم من اعتماده المرجعية الإسلامية أو بالأحرى قراءة موجهة لهذه المرجعية، لا فرق في ذلك بين المتزمتين أو المتطرفين.في حين سار غيورون آخرون على نهج الاعتدال في التعامل مع هذه المرجعية نفسها، ولكن من غير أن يحققوا شيئا كبيرا مما هو مأمول، بسبب ما يتطلب مثل هذا التحقيق من فك قيود التوجيه الرسمي، والتبعية العمياء لها وما تفرضه من رقابة سرعان ما تتحول إلى رقابة ذاتية تحول دون أي الطلاق، وكذا ما يتطلبه لو زالت هذه الرقابة من وسائل تحديثية عقلانية تقرب المفاهيم وتيسر المواقف، وتوفق بالتحليل المقنع بين جوهر الدين ومقتضيات الحياة، في إطار سماحة الشرع ورحابة آفاقه وسعة طاقاته لاستيعاب كل جديد صالح ونافع لا يعارض هذا الجوهر أو يصادمه، ويوافق شمولية منظوره للإنسان والكون والحياة، بما جعله قابلا للوجود الفاعل في كل زمان ومكان.

 هذا في الوقت الذي يتسم الجانب المتطرف بحركية تقود بحماس وارتجال نحو الفعل الذي قد يتوسل بالهجوم والعنف في غيبة فكر عميق وناضج، يبدو الجانب المتزمت أو حتى المعتدل في سكون يفقده القدرة على أي تحرك؛ حتى وإن توافر له شيء من الفكر، إلا أنه يبقى فكرا جامدا واجتراريا لا نفاذ له ولا مفعول إلا في حدود ضيقة.

وهنا لابد ـ بالنسبة للمغرب ـ أن نؤكد حقيقة بدا أن بعض المتحدثين عن شؤونه غافلون عنها أو متغافلون؛ وهي أن التاريخ أثبت ـ كما أثبتت وقائع الحاضر، أننا إيمانا منا بالوحدة لم نكن نفرق بين ما هو إسلامي وعربي ومغربي، وأننا كنا دائما نعتبر الأمر واحدا، إدراكا منا للهوية الإسلامية الجامعة وضرورة التمسك بها حتى يتحقق الوجود وتتبلور الذات.

وإن هذا الإدراك الواعي بأن الإسلام وحده القادر على لم الشتات هو الذي جعل إسحاق بن عبد الحميد الأوربي ومن معه من زعماء القبائل يرحبون بالمولى إدريس ويبايعونه عام اثنين وسبعين ومائة للهجرة، إلى جانب أسباب أخرى لاشك سياسية ومذهبية، دون إغفال النزعة التقدييسية لآل البيت وما كان من تجاوب معهم، وتعاطف مع معاناتهم في المشرق؛ مما يدل على أن الأمر لم يكن ناتجا عن سذاجة أو وليد ظرف طاريء أو أزمة عابرة.

وهذه حقيقة يؤكدها استمرار التاريخ المغربي، منذ تلكم البيعة، على المنظور نفسه، متجليا في اعتبار شرعية الإمامة التي يلتزم بها المغاربة، ومن خلالها يلتزمون بجميع مقومات الهوية الإسلامية، انطلاقا من الدين إلى التراث، وكذلك لغة القرآن التي كان ينظر إليها دائما أنها هي  اللغة الوطنية، وأن كونها مغيرة ومدرسية لا يتعارض مع وجود لهجات أو لغات عامية عربية أو بربرية غنية بإبداعاتها الأدبية والفنية؛ بحكم التفاعل الدائم بينها جميعا على امتداد أربعة عشر قرنا، وبحكم الروح الإسلامية التي تغذي هذا التفاعل عقيدة وتشريعا وفكرا وقيما، وكذا بحكم أن تعيير هذه اللغات العامية أو اللهجات المحلية ـ لو أمكن علميا وعمليا ـ لن ينتج غير مرقعة من شانها أن تشوش على التوحيد اللساني المنشود، وعلى التوازن اللغوي، وعلى النهوض باللغة الأم وتقويتها وتجديدها لمواكبة تطورات العصر. وهو ما يتطلع الجميع إليه على الرغم من كل الثغرات.

ولعل تجاوز هذه التعثرات سيكون عاملا دافعا إلى انفتاح حقيقي سليم ونافع على اللغات الأجنبية، بعيدا عن أي مظهر للهيمنة يكون لإحدى اللغات مهما تكن لها من مكانة.

 

                    


سبيل النجاة

 

إن أبرز ما ينبغي استخلاصه مما سبق هو أ، الطريق الموصل إلى النجاح والفلاح هو طريق الاتصال والاجتماع المفضي إلى الألفة والوحدة.

وقد تحقق الازدهار الحضاري والثقافي والتفوق السياسي والاقتصادي والعسكري للمسلمين يوم كانوا متآلفين أقوياء، وفق ما أخبر الله عز وجل في قوله الكريم:"إنما المومنون إخوة"(سورة الحجرات الآية 10 ).وقوله تعالى و"بعضكم من بعض"(2سورة النساء الآية 25 ). وقوله كذلك:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"(سورة الفتح الآية 29 )، ووفق ما نبه إليه الرسول ص في مثل هذه الأحاديث:" المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف، وفي كل خير"(رواه ابن ماجة وابن حنبل عن أبي هريرة) و"المومن أخو المومن" (رواه أبو داود عن أبي هريرة) و"المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا"(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حنبل عن أبي موسى الأشعري).

وهي كلها توجيهات تدل على أن بالقوة يكون الاستعداد وتكون الإرادة، وتكون الاستطاعة، ثم يكون الفعل والقدرة عليه. وإذا كان الفعل كان التحرك وكان التطور والتغيير، وكان النماء والتقدم والازدهار، ثم كان تأكيد الذات وفرض الوجود.

وقد أثبت الفكر السليم وأكدت جميع المذاهب والنظريات، وبرهن التاريخ والواقع أن القوة بالنسبة للشعوب والأمم تكون في التكتل والتجمع والاتحاد، وأن عكسها ـ وهو الضعف ـ يكون في التفرقة والتمزق والتشتت. والاتحاد هو أن يجتمع شعبان أو أكثر،لكل خصوصياته، في كيان واحد داخل هوية متسعة ترتبط بوشائج وعلاقات مشتركة، على النحو الذي بلورته التجربة الإسلامية في عهود الازدهار.

لكن، ما كاد المسلمون يصيبون أنفسهم بالتمزق والتشتت، حتى تعرضوا للتدهور والضعف، ووجدوا مكانهم في مؤخرة القافلة، يستبد بهم، بل يعبث بهم من هو في مقدمتها، متمتعا بالقوة والوحدة.

لذا، فإن مواجهة مختلف القضايا والمشكلات التي يعانيها المسلمون عامة، والعرب على الخصوص، والتي تهدد وجودهم وهويتهم، رهينة بمغالبة هذا الواقع وإعادة تأمل أمل الوحدة، بواقعية وعقلانية. ولتبدأ هذه المغالبة بالنظر إلى مفهوم الأمة ـ كما هو في الرؤية الإسلامية ـ انطلاقا من الهوية، وهو نظر شرعي ومشروع يفضي ـ على أقل تقدير ـ إلى اتخاذ هذا المفهوم مرجعا للتأمل، ولِمَ لا، طالما أن محاولات شتى محلية وإقليمية باءت بالفشل، لطابعها الإيديولوجي والمزاجي المتسرع، إن لم نقل القائم على الوهم والحلم.

وكذا لعدم استناد هذه المحاولات إلى مشروع محكم ومتكامل ينطلق من التقاء الدولة العادلة القوية بشرعيتها واستقرارها وإمكاناتها والإيفاء بالتزاماتها، والمجتمع المتماسك الواعي بواقعه والقادر على سلوك سبيل النهوض وأخذ المبادرات اللازمة لذلك في إطار الحرية والحق والقانون، وبتكامل مع الدولة كفاعل يلتزم بتوفير هذا الإطار كخيار لرفع التحديات الكبرى التي تواجه الجميع والتي بالتغلب عليها يمكن تحقيق النماء ويتم اللحاق بركب التقدم.

إن المسلمين اليوم يواجهون واقعا مليئا بالتناقضات والصراعات، بعضها داخلي وبعضها خارجي. وهي خاضعة لظروف تتجاوز في الغالب إرادتهم.

ومن أبرز معالم هذا الواقع أنهم متخلفون عن الذين سبقوهم وارتفعوا عنهم وأخذوا ينظرون إليهم من فوق، ويريدونهم طوع يدهم مجردين من الحق في أن تكون لهم مجتمعات منظمة بشريعة الإسلام ومنهاجه، بل هم يريدونهم محرومين حتى من العقيدة.

وهم ـ أي المسلمون ـ حائرون أمام هذا الواقع، يتخبطون في خلافاتهم السياسية والمذهبية، وفي مواقفهم المتضاربة بشأن التمسك بالدين واللغة العربية وبالتراث وبالهوية عامة.

ثم هم يعانون نزاعا حضاريا يشدهم إليه، سواء منهم من كانوا قابلين له أو من هم رافضون له، ويثير في فكرهم وسلوكهم ازدواجا نزاعيا في الشخصية يمس كل متعلقات ذاتهم العامة والخاصة.

ومن مظاهر هذا النزاع الذاتي أنهم يشكون من الاضطراب الحادث في العقيدة بسبب انتشار عدد من الضلالات والانحرافات، ويشكون كذلك من الجمود الناتج عن إغلاق باب الاجتهاد والاستنباط. وما ترتب عليه من توقيف الفقه عن إدراك كنه الأحكام وعللها ومقاصدها، وبالتالي عن الاستجابة لكثير من نوازل الواقع المعقد. ثم هم يشكون الجمود العقلي الذي حال دون الإبداع في مجال مختلف العلوم.

إن النزاع الذي يعتمل اليوم في نفوس المسلمين بين الدين والحياة وبين الدين والعلم، والذي يعانون من جرائه ألوانا ن التناقض والصراع لا حل له إلا بفتح باب الاجتهاد. فهو وحده القادر ت إن توافرت له شروطه ـ أن يجعل المسلمين يتجاوزون مشكلات الواقع الذي يتخبطون فيه، وأن يجعلهم في نفس الآن يدركون مرامي المستقبل القريبة والبعيدة.

لذا، فإن الحاجة ملحة إلى فم صحيح للإسلام وإدراك واع لحقائقه وأسراره، أي للوصول إلى مبادئه وخصائصه وحكمه ومقاصده وقيمه ومقوماته، وكذا إلى فهم صحيح للواقع، لمعالجة أدوائه في ضوء تلك الحقائق والأسرار، وفي ضوء تصور سليم لحركية التاريخ وما يعتمل فيها من تحولات وتغيرات.

ومتى تسنى ذلك، أمكن وضع اليد على الجوانب المشرقة الناصعة في الإسلام وما فيه من مؤثرات إيجابية ومعالم مشتركة من شأنها أن تشكل الماهية أو الهوية الأصلية، وأمكن كذلك جعل السلوك مطابقا لهذه الهوية في حياة المسلم ونظام المجتمع الذي ينتمي إليه، في اعتزاز بالشخصية الإسلامية دونما تناقض أو ازدواجية ماسخة للذات، وكذا في انسجام ين القول وافعل وفق منطق نابع من منظور الإسلام القائم على الوسطية واليسر والسماحة والتسامح، والرافض للغلو والتطرف والتزمت والتعصب، والمساير للفطرة البشرية باستجابة لمختلف متطلبات الإنسان وشتى مقتضيات حياته الروحية والمادية، في توازن يمنح المسلم قدرة على التكيف والامتصاص واحتواء كل ظرف واستيعاب كل جديد، وفق ما تقتضيه المصالح التي تعتبر مراعاتها إحدى دعائم التشريع.

وإن من شأن هذا التوازن أن يحقق بعد هذا للمسلم ظروف الاطمئنان النفسي وإمكانات العمل والإنتاج وفرص التعايش والتعارف، على أساس العدل والمساواة ، في تحرير لإرادته وعقله وطاقاته الإبداعية وتوجيهها لما فيه الخير والنفع.

وبهذا يمكن تطبيق الإسلام في الحياة العامة دونما حاجة إلى تعطيل ما عسر على الفهم أو لم تدرك مقاصده، ودونما حاجة أيضا إلى تأويل ما وقع من اضطراب في فهمه، ثم دونما حاجة إلى التضليل بإساءة فهم ما يقصر الفكر عن إدراكه من حقائق الدين أو توجيه هذا الفهم للأهواء والأغراض.

 

                    


الخاتمة

 

  هذه حقائق نحن المسلمين عنها في غفلة ساهون، لا نستحضرها، وإن استحضرناها لا نتمثلها، وإن تمثلناها لا نستوعبها، وإن استوعبناها لا نعمل بها. بل نحن لا نتذكر ما كنا فيه وما ألنا إليه. ولضعف ذاكرتنا ننسى حتى التاريخ القريب الذي كنا فيه مستعمرين، أو بالأحرى نحن نتناساه، أي نتناسى ظروفه والأسباب التي قادتنا إليه.

  هانت علينا نفوسنا وقيمنا ومقوماتنا ومقدساتنا، فهُنَّ على خصومنا المتربصين بنا، ففعلوا بنا ويفعلون ما يشاؤون.

  إننا نتعامل مع تراثنا بفكر جامد متحجر يصنم الماضي ويقدسه ويقف عند حدوده، وليس بفكر تحديثي متحرر يعتمد الدعائم الثابتة للرؤية الإسلامية ومرتكزاتها الأساسية، ويتعامل معها بمفاهيم وأدوات جديدة وبوعي متطور قبل ذلك، تراعى فيه مستجدات العصر ورهانات المستقبل.

  وإن فكرنا العربي الإسلامي ـ على ما يشهد من تطور ـ يتخبط في متاهات ثنائيات مفتعلة في معظمها،لأنها كالفعل ورده، كما هو الحال بين الأصيل والمعاصر، والديني والسياسي، والذات والآخر، والمحلي والعالمي، والسياسي والثقافي وما إلى ذلك؛ ويبتعد عما هو أساسي مما يكون قادرا على إبراز القيم الثابتة والصحيحة التي من شأنها أن تلحم بين الشعوب فيما بينها، وقبل ذلك بين أفراد هذه الشعوب من خلال الوجدان. وهي القيم التي قد تفضي إلى إبراز الكيان وإقامته على أساس متين، طالما أنها نابعة من هؤلاء الأفراد وهذه الشعوب.

  إن المسلمين يتحركون فرادى وبانفعالات ذاتية؛ في حين أن العالم يريد أن يتعامل مع دول مجتمعة وموحدة، أي مع تجمعات وليس مع دول متفرقة.

  إن هذا البعد الجماعي هو ما مفتقده، أو بالأحرى تفتقده النخبة الباحثة عن سبيل للخروج من مأزق التخلف، أو هي في الحقيقة تستبعده، غافلة عن قوة رصيده ومدى ما له من فاعلية وتأثير.

  إن علينا لهذا، بصدق واقتناع، أن نحدث الأصالة ونؤصل الحداثة، في غير تزمت يؤدي إلى الانطواء، وفي غير انبهار يفضي إلى الاستلاب.

  ومن الصدق أن نقتنع بأن العقيدة هي وحدها العنصر القادر على امتصاص ما يعانيه المسلمون من عوامل التفريق وأسباب التناقض، كيفما كان نوعها ومصدرها. ولا ينبغي أن نقع تحت تأثير مفاهيم التحديث التي عرفها الغرب، في إبعاد ظاهري أو مظهري لعنصر الدين؛ إذ الحقيقة غير ذلك. وما موقف الغرب من الإسلام  والمسلمين سوى واجهة من واجهات فعل الدين.

  ومن ثم، فإن علينا أن نتأمل مقومات هويتنا الإسلامية، بمنهج تحديثي ينأى عن التكرار والاجترار، ويعتمد النقد البناء القادر على التمييز بحرية وعقلانية وإرادة، وقبل ذلك بمعرفة صحيحة.

  وإن أول ملامح هذه المعرفة أ، ندرك أن هويتنا بمكوناتها وما تثيره من أبعاد وآفاق، ليست عامل تضييق وتحديد وانغلاق وانزواء، ولكنها عامل توسيع وانفتاح وتحاور والتقاء، وأن ندرك كذلك أن التمسك بها يعني نبذ الشعور بالاغتراب، ويعطي الحق في التميز، ويمكن من اتخاذها مجالا للتحاور والتواصل.

  وفي إطار هذا الإدراك علينا أن ننظر إلى الخصوصيات التي يتميز بها كل قطر من الأقطار الإسلامية، ليس باعتبارها عناصر تفريق وتفقير لكيان الأمة، ولكن باعتبارها عناصر تقوية لتجميعها وإخصابها واستثمارها، لإغناء تراكمي وإبداعي كذلك لحضارة المسلمين وثقافتهم، وبالتالي لهويتهم المشتركة، وجعلهم قادرين بها على مواكبة العولمة والمساهمة فيها بفاعلية وإيجاب.