الأدب المغربي

 

"إشكاليات وتجليات"

 

 

 

ندوة علمية

تنظمها كلية الآداب والعلوم الإنسانية

 

جامعة محمد الخامس

بالربـاط

 

 

يومي 2-3 ذي القعدة 1422هـ// 16-17 يناير 2002م

 

 

 

 

تكريماً للأستاذ عباس الجراري

 

 

"كلمة مكرمكم في الجلسة الختامية"

 

 

 

 

 

 

 

لسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أصحاب المعالي والسعادة الفضلاء،

حضرات الإخوة الأساتذة الزملاء، والأبناء الطلبة الأعزاء،

 

       أستسمحكم في أن أعترف بأنه، مهما تكن الكلمات ومالها في التعبير من شحنات وطاقات، فإني أشعر بها لا تطاوعني في الإعراب لمنظمي هذه الندوة والمشاركين فيها، عما أود الإفصاح عنه، في مستهل خطابي، من شكر وثناء ؛ ولا تسعفني في الكشف عن مدى الوقع الذي خلفته في نفسي كل العروض العلمية التي أغنت موضوع هذا اللقاء، وكذا الشهادات التي أُدليَ بها في حقي حفية كريمة.

      والسبب في هذا القصور أو العجز، راجع إلى فيض المشاعر التي غمرتني على مدى هذين اليومين الحافلين، صافية صادقة، والتي تركت في أعماقي صدى ضاغطا عليها وعلى لساني وسائر جوارحي، إلى حد الاختناق والإلجام. وهو راجع كذلك إلى وفرة القضايا التي أثارتها البحوث المقدمة وما أبدي فيها من أفكار وآراء، تزاحمت في ذهني وتجاوزت فيه حد التجاوب إلى درجة من الاندماج والتوحد، قل أن يتحقق بين اثنين من الدارسين، فكيف بين ثلة منهم ذوي اختصاصات متميزة وخصوصيات متفردة ؟

 

      والسبب بعد هذا عائد إلى أن هذه المناسبة - على ما يطبعها من فرح وانشراح - هي في حقيقتها لحظة وداع، مهما يكن الاصطبار عليها ومحاولة إخفاء أثرها، فإنه عكس هذه الأحاسيس الجميلة لابد تارك فعله، ظاهرا أو خفيا، حتى حين يكون مؤملا بعد الفراق لقاء، فكيف حين يكون التوديع نهاية مطاف، يساق الشخص المفارق بعده إلى مرحلة من حياته، يراد له فيها أن يتقاعد، حتى وإن كان له في هذه المرحلة ما يشغله أو يشتغل به من عمل أو غيره ؛ تجاوزا للتقاعد في مفهومه المتداول الذي يعني - حسب الاصطلاح الإداري - أن ينصرف الموظف المحال عليه، إلى حال سبيله ليقاعد نفسه، أو يعقد إليها، يراقب الشمس على أطراف النخيل تفتح عينيه على الحقيقة الكبرى، عساه يدرك ما هو حتماً منها آتيه وواصل إليه.

      ولست أدري ما الذي جعل لحظة الختم هاته تسترعي في ذهني وفكري لحظة البدء حين تم اللقاء، وتحث علي استحضار ظروفه والدوافع إليه، وكيفية حدوثه وما أفضى إليه ؟

 

      وإذا كان المقام لا يتيح فسح المجال لاستعراض كامل لقطات هذا المرجع الممتد أربعة عقود، فإنه يكفيني - ملخصاتها - أن أشير إلى عامل أساسي كان دافعاً وصانعاً لها، هو الهم الثقافي، والشغف بالبحث العلمي، والرغبة في إنجاز مشروع يكون لبنة في الصرح الفكري الذي كان المخلصون من أبناء هذا الوطن، لأول العهد بممارسة الاستقلال، يتطلعون إلى تشييده، والذي حمل تأسيس الجامعة العصرية يومئذ، إلى جانب جامعتي القرويين وابن يوسف الأصيليتين، بشرى إقامة دعائمه قوية راسخة.

      وكان هذا المشروع الذي عشقته وتعلقت به، مستبعدا كل ما سواه - على ما كان في هذا الذي هو سواه من إغراء - يقتضي مواصلة ما كان بدأه علماؤنا الرواد، من تنقيب عن الثقافة الوطنية، والسعي إلى لم شتاتها، في تتبع قدر الإمكان لمختلف ألوانها وأشكالها، والتعريف بالذين أبدعوها متوسلين بشتى أدوات التعبير ؛ مع النظر إلى أصول هذه الثقافة والمنابع التي استقت منها على مر الحقب والعهود ؛ وما لها مع غيرها من أوجه الائتلاف والاختلاف، في محاولة لاستخلاص كنهها وما يميزها من كيان ؛ وما لها في طي هذا الكيان من ممكنات التطوير والتجديد، ومن قدرات على التفتح والتحاور.

           

      وعلى الرغم من أني بذلت في هذا المضمار جهوداً كانت مضنية على المستوى الفكري والتقني والمادي والأسري، فإني أراها اليوم دون ما كان يرقى إليه الطموح، إذ جاءت متواضعة بالقياس إلى ما كان يمكن أن يتحقق لو توافر الحد اللازم من الوسائل والإمكانات، على مدى هذه العقود الأربعة، ولا سيما في أوائلها، سواء في الجامعة أو غيرها من المؤسسات العلمية والثقافية.

      وإذا كانت هذه الجهود قد مست الكتابة والتأليف، إلى جانب التعليم والتدريس، فإنها ما كان لها أن تكتمل - وفي الحدود الممكنة - لولا متابعة التكوين الذي تسنى للطلاب اللامعين والمتفوقين، بإنشاء الدراسات العليا، والذي أتاح تأطير عدد هائل من الشباب الباحثين، أخذهم الشغف بالأدب المغربي في مختلف مجالاته، فانكبوا على درسه والبحث فيه وتجديد النظر إليه، مؤهلين لحمل المشعل ومواصلة المسير، بحب صادق وتفان خالص. ولا أخفي أني ما حمدت لنفسي ما تحقق من المشروع الذي كنت أتطلع إليه، إلا بهذا المنجز التأطيري الذي أعطني شعبة الدراسات المغربية - بفاس ثم الرباط - إلى جانب شعب أخرى نهض بها زملاء أعزاء - ثمارا طيبة كانت حجر الأساس لإنشاء جامعات على صعيد المغرب كله.

      وإن هذه الثمار المتمثلة في الأساتذة الشباب خريجي الجامعة الأم، لهي اليوم عماد الدرس الأدبي والبحث العلمي في المغرب، بما لا يحتاج إلى إتباث ؛ وإن كان في هذه الندوة بموضوعها العميق الدقيق، وفي مثيلاتها خير دليل.

 

      لذا، فإني مطمئن على أن الشعلة ستظل عالية ومشعة، وأن المشروع سيستمر في سيره مهما طال الطريق أو يطول، متسعاً بمشروعات أخرى جديدة ستغنيه. وإن هذا الاطمئنان هو الذي يحيل في نفسي لحظة الفراق بما يكتنفها من ألم وحزن، إلى لحظة لقاء متجدد تفعمه البهجة والسعادة.

           

      ولا أخفيكم أني الآن، وفي غمرة هذا الإحساس، أشعر بكل السنوات الماضية قد اختزلت في ساعة أو أقل. وإني لأرى شريطها يمر أمام عيني نابضا بالحياة، وكآن الزمن يحثني على ألا أنساه، أو أغفل عن لحظة من لحظاته. ولعله كذلك يشعرني - أو يوهمني لست أدري - بأنه في لا نهائيته ولا محدوديته، سيظل محتفظاً بي في ذاكرته المشحونة بالوقائع والأحداث، والمزدحمة بالأسماء، أسماء الذين عبرتهم السنون وطوتهم الأرضون، ولكنه هو استمر مسجلاً ذكرهم في الخالدين بين الذين عمروه.

      ومن تم، فإنه إذا كان التقاعد يعني في مفهومه المتداول دعوة إلى الاستراحة من عناء سنوات الخدمة، فذلكم مفهوم حق لا شك، إذ لا أحد يعيش زمانه وزمان غيره. وحتى إن تاقت نفسه لذلك فهو لا يستطيع. وإن الأمر لكذلك بالنسبة للأستاذ الجامعي، مع شيء من الاختلاف، هو أن راحته كامنة في الحفاظ على ارتباطه بالعلم والبحث فيه، وارتشاف المعرفة وتذوق لذاتها ؛ وكذا في الحرص على التلاقي الفكري مع زملائه وطلابه والمؤسسة أو المؤسسات التي قضى فيها زهرة عمره، وغدت جزءا هاما من حياته، بدءاً من الكلية فالجامعة أو الكليات والجامعات. وقد يتسع نطاق هذا التلاقي ليشمل العاملين في هذه المؤسسات وجميع الذين لهم بها صلة قريبة أو بعيدة. وقد يضيق ليقتصر على رفاق الشعبة أو الشعب المماثلة لها، إن لم يزد ضيفاً ليحد في الزملاء المشتغلين بنفس تخصصه أو المعتنيين بما هو مندرج في اهتماماته.

 

      من هنا، يكون هذا الرباط - مهما يضق مستواه - أساس استمرار التواصل الذي يزيد في توثيقه تتبع جهود الزملاء الباحثين، والاستفادة منها ؛ وكذا متابعة إصدار ما تبقى من بحوث وكتابات أخرى خاصة، في شبه صبابة تحتاج إلى أن تفرغ منها الكائن، حتى لا تبقى عرضة للإهمال والضياع، بعد أن يجيء الذي لا أحد بمجيئه يستأخر أو يستقدم.

      ومن هنا كذلك، تبقى رحاب المؤسسة - في سائر مستوياتها - مجال تحقيق هذا التواصل الذي يظل اللقاء به متجددا على الدوام، في علاقة تكاد أن تكون، لبعدها عن الحضور المادي، مطبوعة بسمات أدبية ومعنوية، إن لم أقل باطنية وروحية. وفيها لا شك يكمن معنى الخلود الذي يحظى به أعلام مرموقين في كل زمان ومكان.

 

       وبقدر ما تكون أهمية مشروع الأستاذ المتقاعد، وسلامة وسائل تحقيقه، ونجاعة أساليب هذا التحقيق، تكون أهمية ذلكم التواصل المنشود، وتكون قوه أواصره ومتانة وشائجه.

 

      من هذا المنطلق الذي أراه وأعتبره أساس تجديد اللقاء، وما إخالكم إلا مثلي ناظرين إليه ومعتبريه كذلك، أرجو أن يستمر التواصل بيننا، ما امتدت الأيام الباقية بعد التقاعد ؛ موقناً بأن هذا التواصل سيتدعم ويقوى، بالمسؤولية الاستشارية الجسيمة التي طوقني بها مولانا أمير المومنين صاحب الجلالة الملك العالم الشباب، سيدي محمد السادس دام له النصر والعز والتمكين، والتي شرفني بها وشرف بها في الحقيقة كل أستاذ جامعي وكل مثقف باحث.

      وحتى يتسنى ذلك - أي حتى يستمر التواصل على النحو المأمول، فإني أعلن بهذه المناسبة، أني سأظل رهن إشارة شعبة اللغة العربية وآدابها بهذه الكلية، كذا رهن إشارة شبيهاتها في مختلف الكليات ؛ مع يد ممدودة بافتخار واعتزاز إلى الزملاء الأساتذة والأبناء الطلبة، وإلى المسؤولين الإداريين، وسائر العاملين - في أي موقع كان - على أن تنهض الجامعة برسالتها، وتؤديها على النحو الصحيح.

      وبعد، فإني وقد أفضيت إليكم ببعض الفيض الذي كان ضاغطاً علي بتأثير من لحظة الوداع، أحس بشيء من الهدوء الذهني والنفسي، أستجمع به شتات الكلمات الملائمة والمسعفة في رد ما لكم على من جميل بهذا التكريم والاحتفاء، لأصوغها شكراً وثناء وتقديراً لجميع الإخوة الأعزاء الذين نظموا هذه الندوة، وشاركوا فيها، وأعانوا على نجاحها، وألقوا عليها حلة من الإفادة والإمتاع، معربين - بتفضل علي - عن اعتراف صادق لا يرجى منه مقابل، ما دامت الصحف تطوى أو هي موشكة على ذلك، ولكنه بشير علاقة أو مرحلة منها جديدة تطبعها سمات صوفية صافية، تحفز إلى الاستذكار الدائب والاستحضار الدائم.

      وأستأذنكم في أن أخص من بينهم عميد هذه الكلية ورئيس جامعة محمد الخامس الأخ الكريم الأستاذ الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، ورئيس شعبة اللغة العربية وآدابها الصديق العزيز الأستاذ الدكتور سعيد يقطين، والزملاء الأفاضل الأساتذة الدكاترة محمد احميدة وابراهيم المزدالي وعبد المجيد بن الجيلالي، وصحبهم الكرام الأساتذة الأجلاء في هذه الشعبة وما إليها في بقية الكليات، أولئك الذين أطروا هذه الندوة، وسهروا على تنظيمها بدقة وإحكام، وأغنوها بعروضهم الأدبية القيمة، أو قدموا فيها شهادات نابعة مما جبلوا عليه من شيم كريمة.

      ولن يفوتني أن أنوه بأريحية معالي الأخ العزيز وزير الثقافة والاتصال الأستاذ محمد الأشعري ومساعديه، وكذا بالإعلام الوطني المكتوب والمرئي والمسموع الذي كان خير أداة لتبليغ صوت الندوة وإبراز صورتها للجمهور المعتني والمتتبع.

      كما أود أن أقدم التنويه لجمعية رباط الفتح التي أبى رئيسها أخي الأستاذ عبد الكريم بناني إلا أن يثبت حضورها المضياف، كالعادة به في مثل هذه المناسبات العلمية. وإني لأسوق التنويه نفسه إلى كل الذين واظبوا على جلسات هذين اليومين، فعبروا لي بهذه المواظبة عن المشاعر التي تغمر قلوبهم صادقة خالصة.

 

      ولا أريد أن أختم كلمتي هاته، قبل أن أستسمحكم في إهداء هذا التكريم إلى جميع أساتذتي في المغرب وفرنسا ومصر ؛ وقد انتقل معظمهم إلى دار البقاء حيث سيلقون عند الباري عز وجل ما هم جديرون به من جزاء أوفى، لقاء ما قدموا لي ولكثير غيري من علم نافع مفيد، داعيا لمن أطال عمرهم أن يبقيهم ممتعين بالصحة والعافية.

      وإني لأقدم كذلك هذا الإهداء إلى روح أستاذي ومعلمي الأول، والدي، وإلى ورح من لا أستطيع إيفاءها بعض فضلها علي، والدتي، رحمهما الله وأكرم مثواهما وأجزل لهما الأجر والثواب ؛ وكذا إلى ورح فلذة الكبد التي اختارها القوي العزيز إلى جواره في كنف رحمته ومغفرته.

      كما أستسمحكم في إهداء هذا التكريم إلى رفيقة عمري وشريكة حياتي، وإلى ابني وابنتي أصلحهم الله، إذ لولا حبهم السخي الخصيب الذي منحوني جميعا إياه، ولولا حدبهم على مشروعي في أصعب فتراته، وتقديرهم لما يتطلب من جهود، وتحملهم بتضحية وصبر ما له من انعكاسات سلبية على التزامات الأسرة ومقتضى الحياة الخاصة، لما يتسنى له أن يرى النور ويثمر على نحو ما تحقق.

      أما ما أود الختم به - بعد سؤال حسن العاقبة - فهو أن نبقى جميعا محافظين على العهد الذي التزمنا به طوال عقود أربعة من السنين.

 

 

             والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الرباط في يوم الخميس ذي الحجة 1422هـ

الموافق 17 يناير 2002م

                                                                   عباس الجراري